دفع مصطفى مدبولي بملف أراضي محور القطا على النيل إلى مسار الاستيلاء المباشر، بقرار يمنح مشروعه في الجيزة صفة المنفعة العامة، ويضع ضمانات الملاك وعدالة التعويض في قلب مساءلة لا يحسمها توقيع حكومي.
ويضع القرار رقم 2435 لسنة 2026 أصحاب الأراضي أمام سلطة تنفيذية تتحرك لتوفير مساحات المرحلة الأولى، بينما تظل تفاصيل حماية المتضررين واختبار البدائل الأقل ضررًا أسئلة جوهرية لا تكفي الخرائط المساحية للإجابة عنها.
الاستيلاء المباشر يختبر ضمانات الملاك
فبموجب القرار، يجري الاستيلاء بطريق التنفيذ المباشر لصالح الهيئة العامة للطرق والكباري على المساحات اللازمة للمشروع، مع إحالة تحديد المواقع والمساحات والحدود وأسماء الملاك الظاهرين إلى المذكرة الإيضاحية والخرائط والكشوف المرفقة.
لكن هذه الصياغة، التي تضبط نطاق تحرك الجهة المنفذة، لا تمنح القارئ وحدها إجابة عن كيفية تقدير خسارة كل متضرر، أو توقيت حصوله على مستحقاته، أو قدرته الفعلية على مناقشة التقدير.
ومن هنا، يصبح إعلان المنفعة العامة بداية للمساءلة، لأن قدرة الحكومة على تخصيص الأرض للمشروع يجب أن تقابلها ضمانات واضحة لأصحابها، تمنع تحول سرعة التنفيذ إلى عبء يتحمله الطرف الأضعف.
وفي هذا السياق، طالب الباحث العمراني يحيى شوكت، في كتاباته عن إصلاح نزع الملكية، بتعويض يجبر الأضرار المرتبطة بالمشروعات، وبآلية للتظلم قبل التنازل عن العقار، وضمان سداد التعويض كاملًا قبل الإخلاء.
وعلى هذا الأساس، فإن اختبار العدالة يتجاوز وضع رقم أمام مساحة الأرض؛ إذ ينبغي النظر إلى الضرر الفعلي، ومدى قدرة المقابل المالي على تعويض ما يفقده صاحب الحق من انتفاع واستقرار.
كذلك، تثير عبارة «الملاك الظاهرين» ضرورة التدقيق في الحصر وإتاحة تصحيح بياناته، حتى لا يتحول اختلاف المستندات أو تعقد إثبات الحقوق إلى ثغرة يدفع أصحابها ثمنًا إضافيًا عند التنفيذ على الأرض.
وبالتالي، لا يجوز اختزال المتضررين في أسماء داخل كشوف، فلكل ملكية أو حق انتفاع ظروفه، ولكل خطأ في المساحة أو الحدود أثر مالي يستلزم مراجعة جادة قبل فرض وقائع يصعب تداركها.
ولهذا، تبدو مطالبة الحكومة بإعلان قواعد التقييم ومواعيد الصرف ومسارات الاعتراض مطلبًا أساسيًا، فالمشروع الذي يستند إلى منفعة عامة ينبغي أن يثبت احترامه لحقوق الناس بالقدر نفسه الذي يثبت به احتياجه لأراضيهم.
أصول حكومية تحت سلطة التخصيص
وبالتوازي، تضمن القرار إنهاء تخصيص الأراضي والعقارات المملوكة لجهات حكومية، والمحددة في الخرائط والكشوف المرفقة، وتعديل تخصيصها لصالح هيئة الطرق والكباري، بما يوسع نطاق الإجراء ليشمل أصولًا عامة إلى جانب الأراضي المطلوبة.
غير أن انتقال الأصول بين الجهات الحكومية لا يعفي السلطة من تفسير تكلفته، فالأرض العامة قد ترتبط باستخدام قائم أو احتياج مستقبلي، وتغيير تخصيصها يستلزم بيان ما سيخسره الاستخدام السابق وما سيحققه الجديد.
وفي مناقشاته السابقة لدور الدولة الاقتصادي، شدد الخبير الاقتصادي جودة عبد الخالق على ضرورة التمييز بين الدولة والحكومة، ورفض اختزال النقاش في الملكية وحدها، داعيًا إلى توضيح الدور الاقتصادي والسياسات الحاكمة له.
وانطلاقًا من هذا التمييز، فإن تصرف الحكومة في أصل عام يستحق رقابة تتجاوز سلامة نقل التخصيص إداريًا، لتسأل عن جدواه وعن أثره على الخدمات والاحتياجات التي كانت الجهات المالكة مكلفة بتلبيتها.
كما أن ملخص القرار لا يبين طبيعة استخدام كل أصل حكومي مشمول بالإجراء، وهو ما يجعل إتاحة المرفقات ضرورية لفهم نطاق التحويل، وتحديد ما إذا كانت هناك وظائف قائمة تستدعي توفير بدائل.
فضلًا عن ذلك، فإن إرفاق خرائط وكشوف بالقرار ينبغي أن يقترن بإمكانية الاطلاع عليها وفهمها، لأن الشفافية لا تتحقق بمجرد وجود مستندات، وإنما بقدرة أصحاب المصلحة على مراجعتها ومناقشة ما يترتب عليها.
وفي المقابل، يظل واجب الجهة المنفذة تقديم تفسير قابل للفحص لاختيار المسار والمساحات، بحيث يستطيع الجمهور معرفة أسباب الحاجة إلى كل أصل، ومدى بحث خيارات تقلل نزع الحقوق وتغيير استخدامات الأراضي.
ومن ثم، فإن مساءلة إعادة التخصيص تحمي المال العام من إدارة تكتفي بنقل الأصول على الورق، وتلزم المسؤولين بإظهار القيمة التي يضيفها المشروع مقابل الأراضي والموارد والوظائف التي يعاد ترتيبها لخدمته.
أولوية المحاور وفاتورة الحقوق والخدمات
أما اقتصاديًا، فإن قرار توفير الأرض لا يحسم وحده أولوية الإنفاق على المشروع، فالتقييم الجاد يحتاج إلى تكلفة معلنة وعائد متوقع ومقارنة بالبدائل، إلى جانب حساب التعويضات والآثار الاجتماعية المرتبطة بالتنفيذ.
وفي تناوله لأزمة الإنفاق على التعليم، أوضح الباحث الاقتصادي إلهامي الميرغني أن زيادة المخصصات بالقيمة النقدية لا تعني تحسن كفايتها، مع تراجع وزنها النسبي وتأثير التضخم، مطالبًا بتمويل يغطي الاحتياجات الفعلية للخدمة.
وتضع هذه الرؤية مسألة ترتيب الأولويات أمام الحكومة، لأن نجاح الإنفاق العام يقاس بما يعالجه من احتياجات، وبمدى وصول فائدته إلى الناس، وليس فقط بحجم المنشآت التي يمكن إضافتها إلى خريطة المشروعات.
وبناءً عليه، تحتاج السلطة إلى شرح موقع محور القطا ضمن احتياجات الجيزة، وحجم استفادة السكان منه، وكيفية المفاضلة بينه وبين بدائل النقل والخدمات، بدل اعتبار صدور القرار إجابة نهائية عن هذه الأسئلة.
ثم إن احتساب تكلفة المشروع ينبغي أن يشمل الأعباء التي قد تقع خارج المقايسة الإنشائية، مثل تعطيل الانتفاع بالأرض أو اضطراب نشاط قائم، متى ثبتت هذه الأضرار وحددت صلتها الفعلية بأعمال التنفيذ.
وفي هذا الإطار، تصبح مشاركة أصحاب الحقوق وسيلة لتحسين القرار قبل تنفيذه، إذ يمكن لملاحظاتهم أن تساعد في تصحيح الحصر أو اقتراح تعديلات، وتجنب خسائر كان بالإمكان تقليلها قبل بدء الأعمال.
لذلك، فإن استخدام صلاحية الاستيلاء المباشر يضاعف مسؤولية الحكومة عن الإفصاح والاستجابة للاعتراضات، ويجعل توفير ضمانات قابلة للتحقق شرطًا لاكتساب الثقة، خصوصًا حين تكون سلطة التنفيذ أقوى من قدرة الأفراد على التفاوض.
وأخيرًا، يبقى امتحان محور القطا في العلاقة بين الطريق وحقوق من يمر فوق أراضيهم؛ فالحكومة مطالبة بإثبات أن المنفعة تشمل المتضررين أيضًا، وأن سرعة الإنجاز لن تمول من استقرارهم أو من حقوقهم المؤجلة.

