تتصاعد الضغوط على الجنيه المصري مع استمرار ارتفاع الدولار أمام العملة المحلية، وسط تحذيرات من تداعيات نقص المعروض من النقد الأجنبي وخروج الاستثمارات الأجنبية واضطرابات الأسواق العالمية، في وقت يواجه فيه المواطنون ارتفاعا متواصلا في تكاليف المعيشة وصعوبة متزايدة في تدبير النفقات الأساسية.

 

وقال هاني جنينة، الخبير الاقتصادي، إن الدولار قد يشهد تحركات تتجاوز مستويات 60 و70 جنيها، في سياق حديثه عن احتمالات تدخل البنك المركزي المصري وضخ سيولة دولارية استجابة لضغوط التجار، مشيرا إلى أن التعامل مع سوق الصرف يختلف حاليا عن السياسات التي اتبعت في فترات سابقة.

 

وتأتي هذه التصريحات بالتزامن مع توقعات خبراء اقتصاديين باستمرار الضغوط على الجنيه، في ظل خروج استثمارات أجنبية من أدوات الدين المصرية، وزيادة فاتورة الواردات، وتأثر مصادر النقد الأجنبي بالتوترات الجيوسياسية وارتفاع تكاليف الشحن والتأمين.

 

 

الدولار تحت ضغط الواردات

 

أرجع جنينة جانبا من الضغوط الحالية على الجنيه إلى ارتفاع الواردات المصرية بنحو 10 إلى 15 مليار دولار مقارنة بالعام الماضي، وهو ما يزيد الطلب على العملات الأجنبية ويضغط على قدرة السوق على توفير احتياجات المستوردين والمنتجين.

 

وأوضح أن المنتجين المحليين يعتمدون بدورهم على استيراد المواد الخام ومستلزمات الإنتاج، ما يجعل الطلب على الدولار مرتبطا باحتياجات قطاعات اقتصادية متعددة، وليس فقط باستيراد السلع النهائية.

 

ومع ارتفاع تكلفة تدبير العملة الأجنبية، تواجه الشركات ضغوطا متزايدة على المصروفات وهوامش الأرباح، وقد تلجأ إلى تحميل المستهلكين جزءا من الزيادات عبر رفع أسعار المنتجات والخدمات، الأمر الذي يزيد الأعباء المعيشية على المواطنين.

 

وتوقع جنينة تعرض أرباح الشركات لضغوط خلال الربع الأول، مع تآكل هوامش الربحية، مرجحا حدوث ركود محدود خلال الربع الرابع والربع الأول، يعقبه استقرار في سعر الصرف وفقا لتقديراته.

 

وأشار إلى أن تأثير هذه الظروف لن يقتصر على القطاع العقاري، بل قد يمتد إلى قطاعات أخرى تتأثر بارتفاع تكاليف التمويل والاستيراد وتراجع الطلب المحلي.

 

 

شروط وصول الدولار إلى 70 جنيهًا

 

ربط جنينة الحديث عن تجاوز مستويات 60 و70 و80 جنيها للدولار بسيناريو ضغط التجار على محافظ البنك المركزي من أجل ضخ سيولة دولارية في السوق، في إشارة إلى المخاطر التي قد تنشأ إذا تغيرت طريقة التعامل مع نقص العملة الأجنبية.

 

وأكد أن البنك المركزي يتعامل بحزم مع ملف سعر الصرف، معتبرا أن الظروف الحالية مؤقتة، وأن الجنيه أصبح أقل من المستوى الذي يسمح به وضعه الحالي بنحو 10%، وفقا لما ورد في تصريحاته.

 

وتشير هذه التقديرات إلى أن مسار الدولار لا يتحدد فقط بحجم الطلب اليومي عليه، بل يتأثر أيضا بالسياسات التي يتبعها البنك المركزي في إدارة السيولة، ومدى توافر الموارد الدولارية اللازمة لتلبية احتياجات الاقتصاد.

 

ويرى جنينة أن ضخ السيولة قد يمنح السوق راحة مؤقتة، لكنه قد يؤدي إلى نتائج أكثر صعوبة إذا تسبب في زيادة الطلب على العملات الأجنبية دون توافر موارد مستدامة، وهو ما قد يضعف الجنيه ويغذي التضخم.

 

 

البنك المركزي يرفض ضخ السيولة

 

أوضح جنينة أن البنك المركزي المصري يتبع نهجا مختلفا في التعامل مع الضغوط الاقتصادية، من خلال تجنب زيادة السيولة النقدية لمواجهة ارتفاع أسعار الطاقة والسلع الأساسية، بما يحد من انتقال الزيادات إلى الأسعار المحلية.

 

وأشار إلى أن السياسات السابقة التي اعتمدت على ضخ السيولة خلال فترات الصدمات الخارجية كانت تسمح بتمرير زيادات التكلفة إلى المستهلكين، وهو ما قد يؤدي إلى استمرار التضخم فيما يعرف بدوامة التضخم، التي تتزايد فيها الأسعار والتكاليف بصورة متتابعة.

 

ويرى الخبير الاقتصادي أن ضخ السيولة الدولارية قد يمنح السوق انفراجة مؤقتة، لكنه قد يؤدي إلى ضغوط أكبر على سعر الصرف لاحقا، إذا لم تتوافر موارد كافية لتغطية الطلب على الدولار.

 

واعتبر أن النهج الحالي للبنك المركزي قد يأتي على حساب النمو الاقتصادي خلال الربعين المقبلين، مع احتمال تعرض بعض القطاعات لحالة من الركود، مقابل محاولة الحفاظ على استقرار العملة والتوقعات الاقتصادية على المدى الطويل.

 

 

خروج الأموال الساخنة يزيد الضغوط

 

وفي السياق نفسه، قال الدكتور مدحت نافع، أستاذ الاقتصاد بجامعة القاهرة، إن خروج نحو 1.8 مليار دولار من الاستثمارات الأجنبية في أدوات الدين خلال أربعة أيام من الأسبوع الماضي أسهم في زيادة الضغوط على الجنيه.

 

وأوضح أن مصر تتبع نظام سعر الصرف المرن، بينما تعتمد دول خليجية على ربط عملاتها بالدولار، وهو اختلاف يؤثر على حركة أسعار الصرف عند حدوث اضطرابات في الأسواق العالمية.

 

وحذر نافع من أن التدخل المتكرر لدعم الجنيه عبر استخدام الاحتياطي النقدي قد يؤدي إلى استنزاف تدريجي للموارد المتاحة، خاصة إذا طال أمد الأزمة دون تحسن في تدفقات النقد الأجنبي.

 

وأضاف أن تجاوز مستويات سعرية مرتفعة قد ينعكس على تكلفة الدين الخارجي وفاتورة الواردات، فضلا عن زيادة الضغوط التضخمية التي يتحملها المستهلكون.

 

وشدد على أن قوة الجنيه لا يمكن أن تعتمد على السياسة النقدية وحدها، بل تحتاج إلى اقتصاد منتج قادر على زيادة الصادرات وتوفير موارد مستدامة من العملة الأجنبية.

 

 

تراجع مصادر الدولار يفاقم الأزمة

 

من جانبها، أرجعت الخبيرة المصرفية سهر الدماطي ارتفاع الدولار إلى تراجع المعروض من النقد الأجنبي مقارنة بالطلب، بالتزامن مع تصاعد المخاطر الجيوسياسية وخروج استثمارات أجنبية غير مباشرة من الأسواق الناشئة.

 

وأوضحت أن اضطرابات الملاحة البحرية وارتفاع تكاليف الشحن والتأمين تؤثر على الصادرات والسياحة وإيرادات قناة السويس، وهي مصادر رئيسية للنقد الأجنبي في مصر.

 

وأضافت أن ارتفاع العوائد على الاستثمارات الأمريكية قد يدفع المستثمرين إلى إعادة توجيه أموالهم نحو السوق الأمريكية، بما يقلل التدفقات إلى أدوات الدين المصرية.

 

كما أشارت إلى التحديات التي تواجه الاستثمار الأجنبي المباشر، واحتمالات تأثر تحويلات المصريين العاملين بالخارج بالتطورات الإقليمية، وهو ما يزيد الضغوط على موارد البلاد من العملات الأجنبية.

 

ورجحت الدماطي تثبيت البنك المركزي أسعار الفائدة، في ظل تركيزه على احتواء التضخم، محذرة من أن أي زيادات جديدة في أسعار الفائدة الأمريكية قد تزيد المنافسة على جذب الاستثمارات الأجنبية.

 

 

المواطنون يدفعون ثمن تراجع الجنيه

 

تأتي الضغوط على الجنيه في وقت تتزايد فيه الأعباء المعيشية على المواطنين، مع ارتفاع أسعار السلع والخدمات وتكاليف النقل والطاقة، إلى جانب فواتير الكهرباء والمياه والغاز وغيرها من النفقات الشهرية.

 

ويؤدي ارتفاع الدولار إلى زيادة تكلفة السلع المستوردة ومستلزمات الإنتاج، وهو ما قد ينعكس على أسعار المنتجات المحلية، حتى في القطاعات التي تعتمد على التصنيع داخل مصر.

 

ومع تراجع القوة الشرائية، تجد الأسر نفسها أمام صعوبة متزايدة في توزيع دخولها على الاحتياجات الأساسية، خصوصا الغذاء والمواصلات والسكن والخدمات، بينما تتقلص قدرتها على تحمل أي زيادات جديدة في الأسعار.

 

كما أن احتمالات تباطؤ النشاط الاقتصادي وتراجع أرباح الشركات قد تؤثر على فرص التوسع والتوظيف، بما يزيد المخاوف من امتداد تداعيات أزمة العملة إلى سوق العمل ومستويات الدخل.