تحولت شاشات فضائية إلى سوق مفتوحة تُباع فيها ساعات البث لمن يدفع أكثر، بينما تراجعت الحدود الفاصلة بين الإعلان والمحتوى التحريري، وتحول الجمهور إلى مستهلك لمواد مجهولة المصدر والهدف.

 

يفتح هذا النموذج الباب أمام فوضى مهنية خطيرة، لأن القناة لا تعود مسؤولة وحدها عن اختيار الضيوف أو تحديد الموضوعات، فيما يصبح المال معيارًا للظهور، وتتحول الرقابة الحكومية إلى إجراءات شكلية لا تمنع الخلل.

 

لكن الأزمة لا تتعلق فقط بقنوات تبحث عن موارد إضافية، بل بسياسات سمحت بتجفيف اقتصاديات الإعلام، ثم تركت المجال أمام الاستثمار التجاري ليتحكم في الشاشة، من دون ضمانات حقيقية لحماية حق المشاهد في المعرفة.

 

وفي هذا السياق، تبدو مراجعة عقود الإنتاج المشترك خطوة متأخرة، خصوصًا أن القواعد المنظمة لتأجير وقت البث موجودة منذ سنوات، بينما استمرت الممارسات نفسها في التوسع، وكأن العقوبات لا تتجاوز حدود البيانات الرسمية.

 

كذلك، فإن ترك تطبيق القواعد للجان المراجعة وحدها لا يكفي، طالما لا توجد شفافية معلنة حول العقود، ولا بيانات دورية توضّح عدد المخالفات، ولا آليات واضحة تمكّن الجمهور من معرفة الجهة الممولة للمحتوى.

 

أما القنوات التي تعتمد على بيع الهواء، فتقدم نموذجًا يكشف هشاشة الصناعة الإعلامية، إذ تتحول ساعات البث إلى وحدات تجارية قابلة للتسعير، بينما تختفي مسؤولية التحرير خلف عبارات الرعاية والإنتاج المشترك.

 

سياسات الحكومة الإعلامية، بهذا الشكل، لا تعالج جذور المشكلة، لأنها تكتفي بضبط المظاهر بعد انتشارها، ولا تقدم تصورًا اقتصاديًا يضمن استقلال المؤسسات، أو يمنح العاملين قدرة حقيقية على إنتاج محتوى مهني.

 

وعندما يصل سعر الساعة إلى سبعة آلاف جنيه صباحًا، ثم يرتفع إلى عشرة آلاف جنيه من بعد العصر وحتى منتصف الليل، يصبح توقيت البث نفسه سلعة مرتبطة بقدرة المعلن على الدفع.

 

ويعني ذلك أن المساحة الأكثر مشاهدة لا تُمنح بالضرورة للموضوع الأهم أو الضيف الأكثر خبرة، وإنما لمن يستطيع تحمل التكلفة، وهو منطق يضعف وظيفة الإعلام ويحوّل الجمهور إلى مصدر إيرادات فقط.

 

كذلك، فإن التعاقد لثلاثة أشهر مع السداد الشهري، وإعادة نشر الحلقات على منصات التواصل، يوسّع دائرة الاستفادة التجارية، لكنه يضاعف أيضًا فرص انتشار معلومات غير دقيقة خارج الشاشة التقليدية.

 

ويحصل المستأجر في هذه الحالة على أكثر من دقائق تلفزيونية، إذ يشتري حزمة ترويجية تمتد إلى الإنترنت، وتمنحه قدرة على إعادة تدوير ظهوره، وصناعة صورة عامة قد لا تعكس خبرته الحقيقية.

 

ويؤكد ياسر عبدالعزيز، الخبير الإعلامي المعارض لسياسات الحكومة الإعلامية، أن بيع ساعات البث يرتبط بأزمة اقتصاديات الصناعة، محذرًا من ترك القنوات تتحول إلى منصات تجارية بلا ضوابط تحريرية مستقلة.

 

ويرى عبدالعزيز أن القنوات ذات المكانة تحافظ عادة على سيطرتها على الخط التحريري، بينما تنتشر الظاهرة في فضائيات وصفها بأنها أقرب إلى فضائيات بير السلم، بما يحمله ذلك من مخاطر مهنية ومجتمعية.

 

لكن الحكومة، وفق هذا المنظور، أخفقت في بناء سوق إعلامية متوازنة، فبدل دعم المؤسسات الجادة وتوفير بيئة عادلة للمنافسة، سمحت بتعايش القنوات المهنية مع منصات تبيع الشاشات لأي صاحب قدرة مالية.

 

ومع اتساع الفجوة الاقتصادية، يجد الصحفيون أنفسهم أمام مؤسسات مضغوطة ماليًا، فيما تُمنح الأولوية للبرامج القادرة على تحقيق دخل سريع، لا لتلك التي تحتاج وقتًا للتحقيق والتدقيق والمتابعة.

 

وبالتالي، يصبح المحتوى الأكثر انتشارًا هو الأكثر قابلية للبيع، حتى لو كان أقل قيمة، بينما تتراجع البرامج التي تناقش قضايا الفقر والصحة والتعليم والعمل، لأنها لا تجذب المعلنين بالسرعة المطلوبة.

 

ومن ناحية أخرى، فإن غياب الإفصاح عن طبيعة العلاقة المالية بين القناة والضيف يربك المشاهد، خصوصًا عندما يظهر الضيف في صورة خبير مستقل، بينما يكون حضوره مدفوعًا باتفاق تجاري مباشر.

 

ويحذّر عبدالعزيز من أن هيمنة النزعة التجارية تتيح الترويج لسلع وخدمات مغشوشة، وتمنح عناصر غير مؤهلة فرصة الحديث باسم التخصص، وهو خطر لا يمكن تبريره بحجة إنقاذ القنوات من الخسائر.

 

 

صناعة الوهم تلتهم ثقة الجمهور

 

تقول نشوة عقل، أستاذة الإعلام المعارِضة لنهج الحكومة في إدارة المجال الإعلامي، إن تأجير ساعات البث يضر بجودة المحتوى، وقد يضلل الجمهور عندما تغيب الحدود بين الإعلان والرسالة التحريرية.

 

وتوضح عقل أن الخطر يزداد داخل البرامج الطبية وبرامج التجميل والوصفات العلاجية، لأن الجمهور يتعامل مع الكلام المعروض باعتباره نصيحة متخصصة، بينما قد يكون صاحبه غير مؤهل أو مدفوعًا لمصلحة تجارية.

 

كذلك، فإن تقديم الإعلان في شكل حوار أو تقرير أو فقرة إعلامية يحرم المشاهد من حقه في معرفة طبيعة المادة التي يتلقاها، ويمنح الترويج سلطة التأثير نفسها التي يمتلكها الخبر المهني.

 

وتحذر الخبيرة من أن المشكلة لا تكمن في وجود الرعاية التجارية وحدها، بل في انتقال القرار التحريري إلى يد الممول، بحيث يحدد الضيف والموضوع والرسالة، ثم يترك للقناة دور التنفيذ فقط.

 

وتكشف هذه المعادلة ضعف السياسات الحكومية التي لم تفرض تعريفًا واضحًا للمحتوى المدفوع، ولم تلزم القنوات بوضع تنويه ظاهر يسبق الفقرة، ويشرح للمشاهد أنها مساحة إعلانية وليست تحقيقًا مستقلًا.

 

ومع غياب هذا الفصل، يستطيع طبيب أو محام أو صاحب شركة أن يشتري مساحة زمنية، ثم يستخدمها لبناء صورة الخبير، دون أن يواجه الأسئلة الصعبة التي تطرحها المقابلة المهنية الحقيقية.

 

ويصبح الجمهور الطرف الأضعف، لأنه لا يملك المعلومات اللازمة لتقييم الرسالة، ولا يعرف ما إذا كان الضيف يتحدث من واقع خبرة، أو من واقع عقد، أو من رغبة في جذب عملاء جدد.

 

وتزداد الخطورة عندما تتعلق الرسالة بالصحة أو التجميل أو العلاج، لأن الخطأ هنا لا يسبب تضليلًا معرفيًا فقط، بل قد يدفع مواطنين إلى إنفاق أموالهم أو تجربة وسائل تضر بأجسادهم.

 

وتشير عقل إلى أن احتفاظ القناة برقابتها المهنية يمكن أن يحد من الخطر، لكن الواقع التجاري يضغط باتجاه آخر، بعدما صار المال في بعض الحالات صاحب القرار الأول والأخير.

 

لذلك، فإن الاكتفاء بمراجعة العقود لا يعالج أزمة الثقة، ما لم تُراجع كذلك قواعد الإعلان، وتُعلن أسماء الجهات المنتجة، وتُفرض عقوبات واضحة على كل من يخلط الترويج بالمحتوى الإخباري.

 

وتحتاج الحكومة إلى الاعتراف بأن التنظيم المتأخر لا يعوض سنوات من التساهل، وأن حماية المشاهد لا تتحقق بالبيانات، وإنما برقابة مستقلة، وعقود معلنة، ومسؤولية قانونية تشمل القناة والضيف والمنتج.

 

 

الضيف المدفوع يشتري صورة عامة

 

وفي سوق الظهور التلفزيوني، تتراوح قيمة الفقرة الواحدة بين خمسة عشر وخمسة وعشرين ألف جنيه، بحسب شهرة القناة وموعد البث وطبيعة البرنامج وطول المساحة المتاحة للضيف.

 

ثم تتوسع الخدمات عبر وكالات تتولى التفاوض بين القنوات والراغبين في الظهور، فتتحول العملية إلى سلسلة تجارية متكاملة، تبدأ بحجز الوقت وتنتهي بإعادة نشر الحلقة وترويجها على المنصات الرقمية.

 

ويستفيد الأطباء والمحامون وأصحاب الشركات ومقدمو الخدمات من هذا النموذج، لأن الظهور يمنحهم فرصة للوصول إلى عملاء جدد، حتى عندما لا يكون لديهم سجل مهني أو خبرة عامة تؤهلهم لذلك.

 

لكن شراء الظهور لا يساوي امتلاك المعرفة، كما أن الحضور على الشاشة لا يحول صاحب النشاط التجاري إلى خبير، غير أن غياب الإفصاح يجعل المشاهد عاجزًا عن التمييز بين الأمرين.

 

وفوق ذلك، يمكن للضيف أن يستغل لغة إعلامية مؤثرة، ويعرض تجاربه الخاصة باعتبارها حقائق عامة، بينما تكتفي المذيعة بطرح أسئلة تمهيدية لا تختبر الادعاءات ولا تطلب أدلة موثوقة.

 

وهنا تتضح مسؤولية القناة، فهي ليست مجرد مؤجر لمكان، بل جهة تمنح شرعية رمزية لكل من يظهر على شاشتها، ولذلك لا يجوز لها التذرع بأن المحتوى مسؤولية المستأجر وحده.

 

كما أن تكرار الظهور المدفوع يخلق طبقة من الشخصيات التلفزيونية المصطنعة، التي تملك قدرة مالية على الحضور المستمر، بينما يغيب المتخصصون الحقيقيون الذين لا يستطيعون دفع تكاليف المساحة.

 

وتنتج هذه الممارسة تفاوتًا صارخًا في فرص التعبير، إذ يصبح الصوت الأعلى هو صوت القادر على الدفع، لا صوت الفئات المتضررة أو الباحثين المستقلين أو أصحاب الخبرات غير التجارية.

 

وفي المقابل، تبدو الرقابة الحكومية عاجزة عن متابعة كل فقرة مدفوعة، لأنها لا تفرض على القنوات سجلًا علنيًا يوضح أسماء المستأجرين، وقيمة التعاقد، وطبيعة الرسالة المقدمة للجمهور.

 

ويحتاج الإصلاح إلى قواعد تمنع تقديم المحتوى المدفوع باعتباره مادة تحريرية، مع إلزام القنوات بإظهار عبارة واضحة طوال مدة الفقرة، حتى لا يظل المشاهد ضحية لتلاعب بصري ولغوي.

 

وتشمل المسؤولية أيضًا النقابات والهيئات المهنية، إذ ينبغي مساءلة من يستخدم الشاشة للترويج لعلاج أو خدمة أو استشارة دون سند، بدل ترك المواطن وحيدًا أمام ادعاءات لا يمكن اختبارها.

 

ومع استمرار الصمت الرسمي، ستتوسع سوق بيع الهواء، وستظهر صيغ أكثر تعقيدًا لإخفاء المقابل المالي، مثل الإنتاج المشترك والرعاية غير المعلنة وتبادل الخدمات، بما يصعب عملية المحاسبة لاحقًا.

 

المشكلة أن الحكومة تتعامل مع الإعلام كمساحة يمكن ضبطها إداريًا، لا كحق عام يحتاج إلى استقلال ومهنية ومساءلة، ولذلك تعود الظاهرة كلما هدأت الضجة، وتستمر القنوات في بيع الوقت.

 

ولا يمكن إنقاذ المجال الإعلامي عبر المنع وحده، فالحل يتطلب تمويلًا شفافًا، وتدقيقًا مهنيًا، وتحريرًا مستقلًا، وقواعد عادلة تمنع الاحتكار، وتحمي الجمهور من المحتوى الذي يرتدي ثوب الصحافة وهو إعلان مدفوع.

 

وعندما تُترك الشاشة لمن يدفع، يخسر المجتمع أكثر من برنامج ضعيف، لأنه يخسر معيار الثقة نفسه، ويصبح من الصعب إقناع المشاهد بأن الأخبار والنصائح والحوارات تُنتج لخدمته لا لخدمة الممول.

 

لذلك، فإن مواجهة بيع الهواء يجب أن تبدأ بإعادة تعريف وظيفة الإعلام، ثم محاسبة المؤسسات التي تخلط التجارة بالمهنة، وإجبار الجهات الحكومية على نشر نتائج الرقابة بدل الاكتفاء بإعلانات عامة.

 

أما استمرار السياسات الحالية، فيعني أن الفوضى ستبقى أكثر ربحًا من الالتزام، وأن القنوات ستجد دائمًا من يشتري ساعة بث، بينما يدفع الجمهور ثمن التضليل من صحته وماله وثقته.