يفتح قرار تقييد استخدام منصات التواصل لمن هم دون الخامسة عشرة ملفا يتجاوز حماية الأطفال، ويطرح مخاوف جدية من تحويل الحسابات الرقمية إلى هويات مكشوفة وقابلة للتتبع.

 

ويكشف القرار تناقضا بين هدف معلن لحماية الأطفال من المخاطر النفسية والاجتماعية، وآليات تنفيذ قد تمنح الدولة والمنصات قدرة أوسع على فحص بيانات المستخدمين ومراقبتهم.

 

 

التحقق العمري بوابة للرقابة

 

وبحسب القرار، يحظر إنشاء حسابات شخصية مستقلة للأطفال دون الثالثة عشرة، بينما يسمح للفئة من الثالثة عشرة حتى أقل من الخامسة عشرة باستخدام مقيد بنمط أمان إلزامي.

 

لكن منع التحايل على السن لا يتحقق بمجرد كتابة تاريخ ميلاد، بل يتطلب وسيلة تحقق أكثر صرامة تربط الحساب بوثيقة رسمية أو ببيانات شخصية قابلة للفحص.

 

وهنا يتحول السؤال من حماية الطفل إلى حماية بياناته: من يجمع معلومات التحقق، ومن يحتفظ بها، ومن يملك حق الاطلاع عليها، ولأي مدة تبقى محفوظة؟

 

ويرى الحقوقي حسام بهجت، المدير التنفيذي للمبادرة المصرية للحقوق الشخصية والمعارض لسياسات الحكومة، أن جمع البيانات الحساسة لا يجوز دون ضرورة محددة وضمانات مستقلة للمساءلة.

 

فالإلزام بالتحقق العمري قد يدفع المنصات إلى طلب بطاقة هوية أو صورة للوجه أو رقم هاتف موثق، بما يجعل الاستخدام العادي مرهونا بكشف الهوية الحقيقية.

 

كما أن الحديث عن إجراءات «فعالة ومتناسبة» يظل فضفاضا، لأنه لا يحدد بدقة نوع البيانات المسموح بجمعها ولا يمنع التوسع لاحقا في طلب معلومات إضافية.

 

ومن ثم، قد تتحول حماية القاصرين إلى اختبار عملي لمنظومة تحقق رقمي أوسع، تستخدم مستقبلا مع البالغين تحت عناوين أخرى مثل مكافحة الجريمة أو منع الاحتيال.

 

كذلك، يلزم القرار المنصات بمراجعة الحسابات القائمة، وهي خطوة تفتح الباب لفحص جماعي لبيانات المستخدمين ومحتوى حساباتهم، بدعوى التأكد من أعمارهم الحقيقية.

 

وفي المقابل، تبدو آلية التظلم لتصحيح العمر ناقصة إذا كانت ستطلب وثائق إضافية أو إذا لم تخضع لرقابة مستقلة، تضمن عدم تحولها إلى بوابة لجمع مزيد من البيانات.

 

حماية الأطفال أم تقييد الجميع

 

ولا خلاف على ضرورة حماية الأطفال من التنمر والابتزاز والمحتوى العنيف والاستغلال، لكن هذه الحماية لا تبرر بناء نظام واسع يراقب المستخدمين ويجبرهم على كشف هوياتهم.

 

ففي تجارب دول أخرى، ترافق التحقق العمري نقاشات قانونية علنية وضمانات دقيقة للخصوصية، بينما يبقى التطبيق المحلي محاطا بأسئلة كثيرة حول حدود السلطة وحقوق المستخدم.

 

ويرى المحامي الحقوقي نجاد البرعي، المعروف بانتقاده سياسات الحكومة، أن تقييد الحقوق الرقمية لا يكون مشروعا إلا إذا كان محددا وضروريا وخاضعا لرقابة قضائية ومجتمعية حقيقية.

 

لكن القرار لا يشرح كيف سيحمي الأطفال من مخاطر المنصات دون تعريض بياناتهم للتسريب أو الاستخدام خارج الهدف المعلن، ولا يوضح الجهة المسؤولة عن أي انتهاك.

 

كما أن الأطفال في الأسر الأقل دخلا قد يواجهون عائقا إضافيا، لأنهم لا يملكون وثائق رقمية أو هواتف مسجلة بأسمائهم أو وسائل تحقق يمكن استخدامها بسهولة.

 

ولذلك، قد تلجأ المنصات إلى إغلاق حسابات يشتبه في أعمار أصحابها، خوفا من العقوبات، دون توفير مراجعة عادلة أو بدائل تضمن استمرار الوصول إلى التعليم والتواصل.

 

وفي الوقت نفسه، لا يحدد القرار بوضوح طبيعة «النمط الآمن» المفروض على المراهقين، ما يثير مخاوف من توسيع الحجب أو فرض قيود مبهمة على المحتوى والتفاعل.

 

ثم إن إشراك الأسرة والمدرسة في التوعية يبقى أكثر فاعلية من اختزال الحل في جمع بيانات الهوية، خاصة أن المخاطر الرقمية لا تعالج بمجرد منع الحسابات أو إغلاقها.

 

وبذلك، يصبح الطفل عنوانا مقبولا لسياسة قد تمس الجميع، لأن أي بنية تقنية تنشأ للتحقق من القاصرين يمكن توسيعها لاحقا لتشمل كل مستخدمي الفضاء الرقمي.

 

 

ضمانات ناقصة وخصوصية مهددة

 

وفي الأصل، يحتاج تنظيم الفضاء الرقمي إلى قانون واضح يناقش علنا، لا إلى قرار تنفيذي واسع الصياغة يفرض التزامات كبيرة بينما يترك حقوق المستخدمين بلا تعريف دقيق.

 

كما أن الإشارة إلى حماية البيانات الشخصية لا تكفي وحدها، ما لم تقترن بحظر صريح للاحتفاظ بوثائق التحقق أو بيعها أو مشاركتها أو استخدامها في التتبع الإعلاني.

 

ويرى المحامي جمال عيد، مدير الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان سابقا والمعارض لسياسات الحكومة، أن الخصوصية حق أصيل يمنع التعسف ويصون حرية التعبير داخل المجال الرقمي.

 

ولهذا، ينبغي إلزام المنصات باعتماد وسائل تحقق تحفظ الخصوصية، وتمنع تخزين صور البطاقات أو القياسات الحيوية، وتتيح إثبات العمر دون كشف هوية المستخدم كاملة.

 

كذلك، يجب إنشاء جهة مستقلة تنشر تقارير دورية عن البيانات التي جرى جمعها، والحسابات التي أغلقت، وعدد التظلمات، وكيفية التعامل مع أخطاء التحقق العمري.

 

ومن دون هذه الشفافية، قد يتحول «الاستخدام الآمن» إلى ستار تقني لتوسيع الرقابة، وإعادة تعريف المحتوى المقبول والمرفوض بعيدا عن أي نقاش عام أو محاسبة حقيقية.

 

ثم إن غياب سقف زمني واضح للاحتفاظ ببيانات التحقق يضاعف الخطر، لأن البيانات التي تجمع لحماية طفل اليوم يمكن استدعاؤها لاحقا لأغراض بعيدة تماما عن الحماية.

 

وأخيرا، لا ينبغي أن تصبح حماية الأطفال ذريعة لفرض هوية رقمية إجبارية على المجتمع، لأن الأمان الحقيقي يبدأ بحماية الطفل من الضرر ومن المراقبة معا.