يكشف تجميد بيانات الفقر منذ 2021 انفصالا فاضحا بين الإحصاء الرسمي وحياة ملايين المصريين الذين يطاردهم الغلاء كل يوم، بينما تكتفي المؤسسات المعنية بترك الصورة الاجتماعية بلا قياس حديث ولا جواب واضح.
وتفضح موجات خفض الجنيه وارتفاع الغذاء والدواء والإيجارات هشاشة الرواية الحكومية عن الحماية الاجتماعية، إذ لا يمكن لرقم عمره خمس سنوات أن يشرح ما فعلته الأزمة بعائلات فقدت قدرتها على الشراء والادخار.
صمت الأرقام يخفي اتساع الكارثة
وفي آخر قياس معلن سجلت نسبة الفقر 33.5% عام 2021، وهي نسبة صادمة بذاتها، لكنها سبقت سنوات قلبت موازين الدخل والإنفاق، لذلك تبدو اليوم أشبه بصورة قديمة لبلد تبدلت فيه كلفة النجاة.
لكن السلطات تواصل الحديث عن برامج الدعم والمبادرات التمويلية دون أن تعرض خريطة محدثة للفقر، فتتحول الوعود إلى عناوين عامة لا يمكن اختبارها أمام أعداد الأسر التي هبطت فعليا تحت ضغط الأسعار.
وتحذر الدكتورة عالية المهدي، أستاذة الاقتصاد والعميد الأسبق لكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة والمنتقدة لسياسات إدارة الأزمة، من أن نسبة الفقر مرشحة للارتفاع الكبير بعد التضخم المتواصل وتآكل دخول محدودي الدخل.
كما أن القفزة بين سعر الدولار قبل الأزمة وبعدها لم تكن مجرد رقم في شاشات الصرافة، بل صارت زيادة مباشرة في تكلفة السلع المستوردة ومدخلات الإنتاج، ثم امتدت إلى كل فاتورة يدفعها المواطن.
وبينما تعلن الحكومة تباطؤ التضخم إلى مستويات أقل من ذروته، يغيب التوضيح الضروري بأن انخفاض معدل الزيادة لا يعني تراجع الأسعار نفسها، بل يعني أن الأسعار تواصل الصعود بسرعة أبطأ فقط.
لذلك يظل السؤال المحرج قائما: كم أسرة أضيفت إلى صفوف الفقر منذ 2021، وكم أسرة تخلت عن الغذاء الجيد أو العلاج أو تعليم أبنائها حتى تنجو من الإنفاق الشهري المتضخم؟
وعلاوة على ذلك، لا تكفي بيانات التضخم وحدها لإجابة السؤال، لأنها تقيس متوسط حركة الأسعار، بينما يتوزع الضرر بعنف أكبر على الفقراء الذين تنفق أسرهم الحصة الأكبر من دخلها على الطعام والسكن.
ومن ثم فإن الإصرار على إدارة النقاش بأرقام قديمة يمنح السلطة مساحة مريحة للإنكار، ويترك المواطنين أمام واقع قاس لا يجد اعترافا رسميا بحجمه ولا سياسة معلنة تتناسب مع اتساعه.
تأخير المسح يثير شكوكا ثقيلة
وبحسب المنهج الإحصائي، يحتاج بحث الدخل والإنفاق والاستهلاك إلى زيارات ميدانية واسعة ومراجعة بيانات معقدة، وهي خطوات قد تفسر التأخر جزئيا، لكنها لا تبرر الصمت الطويل في لحظة انهيار القدرة الشرائية.
غير أن مرور خمس سنوات من دون نشر نتيجة جديدة يتجاوز التأخير المعتاد، خصوصا أن السنوات الغائبة شهدت صدمات متلاحقة في العملة والطاقة والغذاء، وهي صدمات كان يفترض أن تجعل القياس أكثر إلحاحا لا أقل.
ويرى الباحث الاقتصادي ممدوح الولي، المعروف بمعارضته لسياسات الاقتراض وبيع الأصول، أن غياب الشفافية في المؤشرات الاجتماعية يسمح بتقديم نجاحات شكلية، بينما يدفع المواطنون كلفة قرارات اقتصادية لم يشاركوا في صنعها.
وفي المقابل، لا يجوز الجزم بأن المسح أخفي عمدا ما لم يصدر تفسير رسمي موثق، لكن واجب الجهاز المعني هو إزالة هذا الشك بالنشر المنتظم وتحديد موعد واضح للنتائج والمنهجية المستخدمة.
ثم إن غموض الجدول الزمني لا يضر الباحثين فقط، بل يفتح الباب أمام أرقام دعائية متضاربة تستخدم لتجميل الواقع أو تسويده، فيما يغيب المعيار الوحيد الذي يمكن للجمهور محاسبة السلطة على أساسه.
كما أن الإحصاء المستقل ليس ترفا بيروقراطيا، لأن الأرقام المنشورة في وقتها تكشف فشل السياسات قبل أن يتحول إلى كارثة ممتدة، وتسمح بتعديل الدعم والأجور بدلا من انتظار انفجار اجتماعي جديد.
وبهذا المعنى، يصبح احتكار المعلومة أو تأجيلها جزءا من الأزمة نفسها، فالمواطن الذي لا يعرف حجم الفقر لا يستطيع تقييم وعود الخروج منه، ولا يملك أدوات جدية لمساءلة من يقرر باسمه.
وبين التصريحات الرسمية وموائد الأسر الفارغة تتسع الهوة، لأن الدولة التي تؤجل وصف المرض اجتماعيا تترك علاجه رهينة الخطاب، وتتعامل مع ملايين المتضررين كأن معاناتهم تفصيل قابل للتأجيل.
سياسات الدعم تعمل بخريطة قديمة
ومن هنا تتجاوز المشكلة حق الجمهور في المعرفة إلى كفاءة الإنفاق العام نفسه، إذ تعتمد برامج التحويلات والدعم على تقدير دقيق للأسر الأشد احتياجا، بينما يستند التخطيط الحالي إلى واقع سبق الانفجار التضخمي.
ويؤكد الكاتب والخبير الاقتصادي وائل جمال، المعارض لسياسات التقشف والخصخصة، أن تحميل الفقراء كلفة الإصلاح عبر الأسعار والضرائب غير المباشرة يوسع الفجوة الطبقية حين لا ترافقه أجور عادلة وحماية نقدية كافية.
وفي ظل هذا القصور، قد تظل أسر انزلقت حديثا تحت خط الفقر خارج قوائم المساعدة، بينما تبقى معايير الاستهداف عاجزة عن رؤية خسائر الوظائف الحقيقية وانخفاض الأجور بعد موجات خفض العملة.
كذلك لا يمكن فصل غياب البيانات عن استمرار رفع أسعار الخدمات العامة، لأن كل زيادة في الكهرباء أو النقل أو الوقود تأكل من ميزانية الأسرة، ثم تدفعها إلى تقليل الغذاء أو الاستدانة أو العمل الهش.
ولأن الفقر لا يقتصر على الدخل النقدي، ينبغي أن يقيس المسح أثر الإنفاق القسري على العلاج والتعليم والسكن، فهذه المجالات تكشف كيف تتحول الأزمة الاقتصادية إلى حرمان دائم ينتقل بين الأجيال.
وفي الوقت نفسه، تحتاج البيانات إلى نشر تفصيلي حسب المحافظات والريف والحضر ونوع العمل، لأن المتوسط الوطني يخفي جيوبا واسعة من الحرمان، ويمنع المجتمعات المحلية من المطالبة بنصيب عادل من الموارد.
ثم يتطلب الإصلاح الحقيقي استقلالا فعليا للجهات الإحصائية عن حسابات السلطة التنفيذية، وإتاحة قواعد البيانات للباحثين، وإعلان خط الفقر ومنهجية احتسابه بوضوح حتى لا يبقى رقما قابلا للتلاعب السياسي.
وأخيرا، لا يطالب الناس بمعجزة إحصائية بل بحق بسيط في معرفة أين يقفون بعد سنوات الغلاء، لأن الاعتراف بحجم الفقر هو البداية الضرورية لمواجهة أسبابه، لا لإخفائها خلف بيانات انتهى زمنها.

