شهد موسم الأمطار في إثيوبيا خلال العام الجاري 2026، تراجعًا كبيرًا تسببت فيه ظواهر مناخية مثل "إل نينيو"، وهو ما نجم عنه وضع هيدرولوجي حرج عُرف بـ "السنوات العجاف"، لتأثيره المباشر على مخزون سد النهضة.

 

وتخزن إثيوبيا خلف سد النهضة نحو 74 مليار متر مكعب من المياه سنويًا، وترفض طلباً متكررًا من دولتي المصب (مصر والسودان) بإبرام اتفاق لتنظيم الملء والتخزين والتشغيل، لا سيما في سنوات الجفاف، وتتمسك بأن "سدها لن يؤثر على التدفق إلى البلدين".

 

 

تراجع الأمطار عن معدلاتها الطبيعية

 

وأكدت تقارير الهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتنمية (إيجاد) أن معظم مناطق منبع النيل في الهضبة الإثيوبية عانت من عجز مائي واضح، حيث تراجعت الأمطار عن معدلاتها الطبيعية بنسب متفاوتة.

 

في حين شهدت مناطق أقصى جنوب إثيوبيا والمنطقة الاستوائية (منابع النيل الأبيض مثل بحيرة فيكتوريا) أمطارًاًحول المعدل أو أعلى منه في بدايات العام، فإن منطقة "النيل الأزرق" الرئيسة المغذية لنهر النيل شهدت تراجعاً ملحوظاً خلال ذروة الموسم (يوليو وأغسطس).

 

وبررت إثيوبيا شُح المياه بأنه "ظاهرة طبيعية"، في حين تمسكت دولتا المصب (مصر والسودان) بأن الإدارة الأحادية للسد وقت الجفاف تضاعف من آثار الأزمة الطبيعية وتجعلها أزمة مركبة.

 

وبينما تدعو أديس أبابا للعودة إلى المفاوضات، تشترط دول المصب إلزامية الاتفاق وأولوية تدفق المياه لحياة البشر بدلاً من حجزها لتوليد الكهرباء خلال فترات الجفاف.

 


السنوات العجاف


وتسببت تداعيات موسم الأمطار الضعيف في إثيوبيا لعام 2026 في أبعاد هيدرولوجية، واقتصادية، وسياسية معقدة أثرت على منطقة حوض النيل بأكملها، حيث دخلت المنطقة في تصنيف "السنوات العجاف" نتيجة ظواهر مناخية قللت من كثافة السحب الممطرة على الهضبة الإثيوبية. وتشمل التداعيات: 


1. تأثر إثيوبيا داخليًا (أزمة كهرباء) على الرغم من إعطاء أديس أبابا الأولوية لتوليد الطاقة، إلا أن شُح الأمطار أدى إلى انخفاض تدفقات المياه إلى خزانات الطاقة الكهرومائية بنسبة تزيد عن 20%


واضطرت شركة الكهرباء الإثيوبية إلى خفض إمدادات الكهرباء للمنشآت الصناعية الكثيفة الاستهلاك والأسر بنسب وصلت إلى 23% في بعض القطاعات. 


في الوقت الذي تأثرت فيه عمليات شركات تعدين البتكوين الصينية العاملة هناك قانونيًا. وأبرمت إثيوبيا اتفاقيات لشراء الكهرباء مع 39 شركة لتعدين "بتكوين"، دخلت 31 منها بالفعل مرحلة التشغيل. وبموجب هذه الترتيبات، التزمت شركة الكهرباء الإثيوبية بتوفير ما لا يقل عن 98% من الطاقة المتعاقد عليها.

 

كما انخفضت عوائد إثيوبيا المتوقعة من تصدير الكهرباء إلى الدول المجاورة (مثل كينيا وجيبوتي) بنسبة تقارب 40%.

 

 

التداعيات على مصر


ومن المتوقع أن يكون لموسم الأمطار الضعيف في دولة المنبع تداعيات فنية وسياسية على مصر، تتمثل في الآتي:

 

 

1. الاستنزاف التدريجي لمخزون بحيرة ناصر


تعويض العجز: تعمل وزارة الموارد المائية والري على سحب كميات إضافية من بحيرة ناصر لتعويض النقص الحاد القادم من النيل الأزرق (الذي تراجع إيراده بنسبة كبيرة نتيجة ضعف الأمطار وحجز سد النهضة للمياه).

 

التأثير على المدى البعيد: على الرغم من أن المخزون آمن حاليًا، فإن تكرار "السنوات العجاف" لعدة مواسم متتالية قد يؤدي إلى تراجع منسوب بحيرة ناصر، وهو السيناريو الذي تتحسب له الدولة عبر سيناريوهات طوارئ مرنة.

 

 

2. اضطراب مناسيب التدفق والتصريف


تشكو مصر من "الاضطرابات الفجائية" في تصريفات السد الإثيوبي؛ حيث تعمد أديس أبابا إلى تغيير نمط تشغيل التوربينات وخفض كميات المياه المنصرفة بشكل حاد دون إخطار مسبق تماشيًا مع تراجع منسوب البحيرة لديها.

 

هذا التذبذب يُلزم مشغلي القناطر والسدود في مصر خلف السد العالي بمراجعة وتحديث خطط توزيع المياه وتعديلها دوريًا لضمان كفاءة الإدارة.

 

 

3. الإجراءات الاحترازية والترشيد الداخلي


دفعت هذه الموجة الجافة "اللجنة الدائمة لتنظيم إيراد نهر النيل" في مصر إلى تسريع خطط الحماية القصوى، عبر إعادة تدوير مياه الصرف الزراعي المعالجة، وتشديد القيود على المحاصيل الشرهة للمياه (مثل الأرز).