مصطفى عبد السلام
رئيس قسم الاقتصاد في موقع وصحيفة "العربي الجديد"
فعلها مجلس الاحتياطي الفيدرالي (البنك المركزي الأميركي) ورفع أسعار الفائدة على الدولار ربعًا في المائة لأول مرة منذ شهر يوليو 2023، وذلك تحت ضغوط التضخم المرتفع، والفشل في احتواء ارتدادات صدمات أسعار النفط والغاز والسلع الرئيسية، والإنفاق الرأسمالي الناجم عن طفرة الذكاء الاصطناعي، وآثار الرسوم الجمركية التي فرضها على الواردات.
لا يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل ألمح البنك المركزي إلى مزيد من الزيادات في تكاليف الاقتراض خلال الأشهر المقبلة، وصدرت بالفعل توقعات عن صناع السياسات النقدية داخل البنك برفع الفائدة مرة أخرى في العام الجاري 2026، بل وأظهرت التوقعات الجديدة أن 16 من 18 من صناع تلك السياسات يتوقعون زيادة أخرى واحدة على الأقل بنسبة 0.25% بحلول نهاية العام.
وسارعت بنوك عالمية كبرى منها "غولدمان ساكس" لدعم تلك التكهنات، حيث توقع البنك الاستثماري أن يكون الرفع الجديد للفائدة في ديسمبر المقبل، مع ترقب بيانات التضخم وأسعار الطاقة، وربما تحدث الزيادة في أكتوبر وقبيل الانتخابات التشريعية في الولايات المتحدة، لكن هذا الأمر من الصعب تحققه لأسباب سياسية قبل أن تكون اقتصادية.
العديد من مؤسسات النقد حول العالم سارعت واقتفت خطوة الفيدرالي الأميركي، ومن تلك المؤسسات: البنوك المركزية الخليجية في السعودية وقطر والإمارات والبحرين وسلطنة عمان، وكذا بنوك عربية وعالمية أخرى تربط عملاتها الوطنية بالدولار أو لديها استثمارات ضخمة بالدولار، سواء ضمن الاحتياطي الأجنبي أو السندات الأميركية.
زيادة سعر الفائدة على الدولار تعني ببساطة أن العالم لم تعد لديه وسائل سريعة وحاسمة لكبح تضخم أسعار السلع الرئيسية، ومنها النفط والغاز والأغذية والأدوية، ومن هنا لجأ إلى طرح حلول نقدية تقليدية تمثلت برفع سعر الفائدة وسحب السيولة النقدية من الأسواق، وهذا الأمر له تأثيرات خطيرة على المراكز المالية والمؤشرات الاقتصادية للدول، بخاصة تلك التي تعتمد على الأسواق العالمية في سد فجواتها التمويلية، إذ تعمق زيادة الفائدة العجز المالي وترفع كلفة الاقتراض الحكومي.
ولذا لم يكن قرار الفيدرالي زيادة أسعار الفائدة على هوى الكثير حول العالم، وفي مقدمتهم دونالد ترامب الذي سارع وهاجم القرار وعبّر عن غضبه الشديد منه، وانتقد بشدة رئيس البنك كيفن وارش الذي اختاره بنفسه، وظن أنه سيكون مطيعًا له ومنفذًا لتعليماته بخصوص السياسة النقدية، بل طالب ترامب الفيدرالي بخفض الفائدة بسرعة إلى 1% أو أقل بدلًا من 3.75% إلى 4%، بعد ساعات من إعلان أول رفع لأسعار الفائدة منذ يوليو عام 2023.
كذلك هاجم بيتر نافارو، مستشار البيت الأبيض، قرار الفيدرالي ووصفه بالسيئ، وحذر من تداعياته على إنفاق الأميركيين والنمو الاقتصادي، بل اتهم نافارو وارش بالخداع، حيث قال إن رئيس الفيدرالي أبلغه سابقًا بأنه لن يرفع الفائدة، واتهم البنك بالتسييس في عهد سلفه جيروم باول.
هجوم البيت الأبيض العنيف على قرار الفيدرالي لن يغير من الواقع شيئًا، خصوصًا أن البنك يتمتع باستقلالية كبيرة في إدارة السياسة النقدية، لكن في المقابل سيزيد رفع الفائدة الضغوط على ترامب وإدارته من حيث تعميق أزمة الدين العام الذي تجاوزت قيمته 40 تريليون دولار، خصوصًا مع ضخامة الأعباء المستحقة عليه في ظل الظروف الصعبة التي يمر بها الاقتصاد الأميركي واضطراب الإيرادات الفيدرالية وملف الرسوم الجمركية.
الاقتصاد والمواطن الأميركي لن يكونا المتضرر الوحيد من قرار رفع الفائدة، فهناك متضررون آخرون أبرزهم المقترضون الدوليون والأسواق الناشئة والدول التي تعتمد على أسواق الدين العالمية في تموين أسواقها المالية المتعطشة بالسيولة الدولارية وسد العجز المالي وردم فجوات الموازنات، فهذه الدول ستزيد لديها أعباء الاقتراض الخارجي مع زيادة العائد على الدولار.
كذلك فإن الدول التي تعتمد على الأموال الساخنة في دعم عملاتها المحلية وتثبيت استقرار أسواق الصرف، من بين المتضررين، إذ إن رفع الفائدة سيجذب جزءًا من تلك الأموال من تلك الدول نحو الاستثمار في الدولار والسندات وأدوات الدين الأميركية، وبالتالي الانسحاب من الأسواق الناشئة مثل مصر وتركيا وجنوب أفريقيا والهند والأرجنتين والبرازيل وغيرها، وهو ما يضغط على عملات تلك الدول.
أيضًا فإن رفع الفائدة على الدولار يرفع كلفة الاقتراض الخارجي للدول التي تقترض مليارات الدولارات من الأسواق الدولية سنويًا، سواء مباشرة من المؤسسات المالية مثل صندوق النقد والبنك الدوليين، أو عبر طرح سندات دولية على المستثمرين وبنوك الاستثمار.
لا تتوقف تأثيرات قرار البنك الفيدرالي رفع الفائدة عند هذا الحد، بل ستنتقل إلى أسواق العالم كافة، ومنها أسواق النفط والذهب والمعادن النفيسة والمال والبورصات والاستثمار المباشر وتكلفة الأموال وأدوات الدين وغيرها.

