عصام تليمة
من علماء الأزهر، حاصل على الدكتوراه في الفقه المقارن
العلامة المرحوم شيخنا الدكتور يوسف القرضاوي مواليد التاسع من سبتمبر سنة 1926م، أي أنه مر مئة عام على ميلاده رحمه الله، والقرضاوي مات عن مئة عام هجري، وهو ما جعلني أكتب عنه مقالاً وقتها، وقد كان حيًا وقت كتابة المقال، لكنه الآن يُكتب عنه وقد انتقل إلى رحاب ربه.
كنت كلما حدثته عن قرب بلوغه المئة، كان يطلب أن يرزقه الله الصحة والعافية، إذ لا قيمة لعمر طويل بدونها، وقد ذكرت له أحد علماء الأزهر الذي بلغ المئة، فلم يسعد بذلك، ولما سألته عن السبب، قال: لقد كان بسبب بلوغ هذا السن، لا يبين الكلام، ولا يفهم كلامه، فما قيمة أن أبلغ المئة، وأنا عيي عن الكلام، لو خيرت بين ذلك لاخترت أن ألقى الله بصحتي.
وذات مرة كنا في جلسة علمية، وقد قدم مضيفنا المشروبات للضيوف، وكان من بين الضيوف أحد شيوخه وشيوخنا رحمه الله، وكان لكبر سن شيخه تصيب يده رعشة، لا يحسن مسك الكوب بها، وتهتز دائما، بعد اللقاء ركب الشيخ القرضاوي معي سيارتي لأقله لبيته، ووجدت في عينيه حزنا، سألته: ما بك؟ فقال: أرأيت شيخنا فلانا ويده تهتز، إنني أخشى أن يأتي علي يوم لا أستطيع أن أمسك بالقلم لأكتب، ادع الله لي ألا يصيبني ذلك، فإن متعتي في القراءة والكتابة.
وقد مات الشيخ كما تمنى، فقد أكمل أعماله الكاملة، والتي بلغت (105) مجلدا، وراجعها ودقق فيها بنفسه، وكتبها كلها بخط يده، لم يمل فيها حرفا واحدا، ومات وهو بكامل تركيزه وذاكرته، قبل وفاته بأيام، كان يتصل بكثير من تلامذته يطلب منهم الدعاء، قائلا: ادعوا لأخيكم يوسف القرضاوي.
مات الجسد، ولكن بقي علمه، وبقي ذكره بين الناس، ما من محنة تمر بالأمة إلا ويتذكر الناس موقفه وجهده، وبخاصة في محنة غزة وأهلها، وكيف تحرك في العدوان الأول عليها، وصحب عددا من كبار علماء الأمة، يطوف بهم على حكام المسلمين والعرب، التقى بملك السعودية الملك عبد الله بن عبد العزيز رحمه الله، واستحثه على وقف الحرب، وبذل كل جهد ممكن، ثم التقى ملك الأردن الملك عبد الله، وبرئيس سوريا السابق بشار الأسد، والرئيس التركي عبد الله جول، وسعى لمقابلة الرئيس الراحل مبارك، لا يألو جهدا في السعي لحقن دماء أهل غزة، وهو ما يتذكره أهل غزة الآن بمرارة شديدة، فقد مات القرضاوي، ولم يملأ مكانه بعد أحد.
مؤلفات القرضاوي متوافرة، ويمكن لطلبة العلم والمحبين له قراءتها واقتناءها، وإن كانت ممنوعة في عدد من الدول الآن، وهي محنة عاشها القرضاوي في أخريات حياته، فبعد أن كانت هناك دور نشر تسعى سعيا حثيثا لنشر أي مؤلف له، وتشفع عنه بشفعاء كثر، لكن الحال تغير بدرجة ما، بعد تمكنت الثورات المضادة في بلدانها، فكان أول إجراء يتم معه، إما الحكم عليه في قضايا ملفقة، كاقتحام سجون، وقطع طرق، من شخص يتكأ على عصاه، وفي أواخر سنين حياته كان على كرسي، بمعاونة تلامذته ومحبيه.
أو بمنع طباعة كتبه، كما في مصر وغيرها من الدول، بل وصل المنع إلى منع تداول الكتب التي تمت طباعتها من قبل، وسحبها من الأسواق، ومعاقبة أي دار يوجد في مخازنها أي نسخة من كتب القرضاوي، وسيد قطب، ومحمد قطب، وآخرين، لكن في نهاية الأمر الكتب مطبوعة ومتداولة في دول أخرى.
لكن كتابا لم يكمله القرضاوي، انتظر الناس بشغف شديد تكملته، وهو مذكرات القرضاوي، والتي حملت عنوان: ابن القرية والكتاب.. سيرة ومسيرة، وقد أصدر أربعة أجزاء منه، بدأها بالحديث عن قريته وميلاده، وانتهاء بعام 1996م، وبقيت أهم وأخطر سنوات حياة القرضاوي، والتي ملأ الدنيا فيها بعلمه وعطائه وتحركه المحلي والإقليمي والدولي.
وهو كان يعد الجزء الخامس من مذكراته، ولم يكتبه، وكان كثيرا ما يطلب مني عند اللقاء به، أن نجلس لنكتب مفردات المرحلة، كما كان يحدث فيما سبق، وكان يطلب من معاصري الجزء المزمع كتابته تذكيره بعناصر الأحداث، ولما شغلته الشواغل، دار حديث بيننا عن هذه المرحلة وكتابتها، ثم بادرت بكتابة مقالات عنها، وكان يقرأ ما يكتب، ويشجع في المضي قدما فيها، وهو ما أراه واجبا على تلامذته، بأن يقوم كل من عاصره، وشهد معه أحداثا مهمة، أن يدونها بتفاصيلها، فهي من الوفاء للشيخ.
وأعلم أن بعض الشخصيات قد يسبب لها الحديث عن القرضاوي الآن لونا من الضرر أو المحنة، وهو أمر نقدره، ونعذر صاحبه، لكن هذا لا يعفيه من الكتابة، وإن لم ينشر ما يكتب، إلى أن يأذن الله برفع الموانع، فهذا أقل ما يقدم للشيخ بعد وفاته، فقد كتبت بحوث عديدة عن فكره وعلمه، في مناسبات مختلفة، أهمها: بلوغه السبعين، وبلوغه التسعين، وملتقيات تلامذة القرضاوي، لكن تاريخ الرجل وأحداثه المهمة، تظل أمانة في أعناق تلامذته ومن عاصروه.

