أعلنت وزارة التموين في مصر بدء الاستعداد لتطبيق الدعم النقدي المشروط في 2027، بقيمة مقترحة تبلغ 325 جنيها للفرد شهريا، ضمن تغيير منظومة الدعم العيني، وسط مخاوف من تراجع القدرة الشرائية للمواطنين محدودي الدخل.

 

كما يفتح التحول الجديد بابا واسعا للجدل حول مصير الأسر التي تعتمد على التموين يوميا، فالمشكلة لا تتعلق بشكل الدعم فقط، بل بقدرته الحقيقية على شراء السلع في ظل ارتفاع الأسعار المستمر.

 

ومن ثم، فإن الرقم المعلن البالغ 325 جنيها يعادل تقريبا تكلفة 4 أرغفة يوميا وفق الحسابات الشعبية المتداولة، ما يثير تساؤلات حول كفاية المبلغ إذا واصلت الأسعار الصعود خلال الفترة المقبلة.

 

غير أن الحكومة تطرح المنظومة باعتبارها محاولة للقضاء على الهدر والفساد، وتحويل الدعم إلى رصيد إلكتروني يمنح الأسرة حرية اختيار السلع بدلا من الحصص الثابتة المفروضة داخل النظام القديم.

 

لذلك، يبقى التحدي الحقيقي أمام وزارة التموين ليس إطلاق البطاقة الذكية فقط، بل ضمان أن يحافظ الرصيد النقدي على قيمته، وألا يتحول الإصلاح الإداري إلى عبء جديد على ملايين الأسر.

 

علاوة على ذلك، يخشى مواطنون من أن يؤدي تحرير أسعار السلع التموينية إلى زيادة الفجوة بين قيمة الدعم وتكلفة الاحتياجات الأساسية، خصوصا إذا لم ترتبط الزيادة النقدية بمعدلات التضخم الفعلية.

 

وبناء على ذلك، تصبح تجربة الدعم النقدي اختبارا صعبا لقدرة الدولة على حماية الفئات الأكثر احتياجا، لأن نجاحها لن يقاس بسهولة النظام الإلكتروني، بل بكمية الطعام التي يستطيع المواطن شراءها.

 

الدعم بين الحرية والغلاء

 

يرى الدكتور عبد الخالق فاروق، الباحث الاقتصادي، أن أي تغيير في منظومة الدعم يحتاج إلى حساب دقيق للقوة الشرائية، لأن زيادة الرقم الاسمي لا تعني بالضرورة تحسن قدرة المواطن إذا ارتفعت الأسعار.

 

في هذا السياق، تبدو مخاوف المواطنين مرتبطة بتجارب سابقة مع ارتفاع الأسعار، حيث يخشى البعض أن يبدأ الدعم النقدي بقيمة مقبولة ثم يفقد تأثيره تدريجيا مع موجات الغلاء المتلاحقة.

 

إضافة إلى ذلك، فإن انتقال السلع إلى أسعار السوق الحر يضع مسؤولية كبيرة على أجهزة الرقابة، لأن غياب التسعير المباشر قد يمنح بعض التجار فرصة لرفع الأسعار واستغلال حاجة الأسر.

 

كذلك، تحتاج المنظومة الجديدة إلى شفافية كاملة حول طريقة احتساب مبلغ الدعم، والجهة التي ستراجعه، والمعايير التي ستحدد زيادته، حتى لا يشعر المواطن بأن قيمته تتآكل دون حماية.

 

ومن ناحية أخرى، فإن منح الأسرة حرية اختيار السلع يمثل ميزة مهمة إذا ترافق مع رقابة قوية، لأنه يسمح للمواطن بتحديد احتياجاته بدلا من الالتزام بقائمة محددة لا تناسب ظروف كل بيت.

 

في المقابل، يبقى الخوف الأساسي أن تتحول الحرية الشرائية إلى مسؤولية فردية يتحمل المواطن نتائجها، بينما ترتفع الأسعار في السوق ولا يتحرك الدعم بالسرعة نفسها لتعويض الفارق.

 

وعليه، فإن نجاح التجربة يحتاج إلى توازن دقيق بين تقليل الهدر من جهة، والحفاظ على حق الفقراء في الحصول على غذاء كاف من جهة أخرى، دون تحميلهم تكلفة الإصلاح.

 

رقمنة أم عبء جديد

 

تحذر الدكتورة عالية المهدي، أستاذة الاقتصاد، من أن السياسات الاجتماعية لا تقاس فقط بكفاءة الإدارة، بل بقدرتها على حماية الشرائح الضعيفة من الصدمات الاقتصادية المتكررة

.

ومن هنا، فإن تطوير 40 ألف منفذ تمويني وربطها إلكترونيا يمثل خطوة تنظيمية مهمة، لكنه لا يكفي وحده إذا لم تصاحبه متابعة للأسعار وسهولة حصول المواطنين على الخدمة.

 

فضلا عن ذلك، تثير المنظومة الرقمية مخاوف خاصة لدى كبار السن وسكان القرى، الذين قد يواجهون صعوبات في التعامل مع التطبيقات والبطاقات الذكية أو أعطال ماكينات الصرف.

 

ثم إن أي خلل تقني في بداية التطبيق قد يتحول إلى أزمة يومية، لأن بطاقة التموين ليست خدمة ثانوية، بل وسيلة أساسية للحصول على الخبز والسلع لدى ملايين الأسر.

 

وبالتالي، فإن نجاح التحول يحتاج إلى فترة انتقالية واضحة، تضمن استمرار الدعم القديم أو وجود بدائل فورية، حتى لا يدفع المواطن ثمن أخطاء التنفيذ أو ضعف البنية التكنولوجية.

 

وعلى الرغم من أن الحكومة تتحدث عن تقليل الفساد، فإن الرقابة على التجار والمنافذ ستظل العامل الحاسم، لأن السوق المفتوح دون رقابة قد ينقل المشكلة من الدعم إلى الأسعار.

 

لذلك، فإن السؤال الأكبر ليس هل يتحول الدعم إلى نقدي، بل هل سيكفي هذا النقدي احتياجات الأسرة بعد تغير الأسعار، وهل ستتمكن الرقابة من منع استغلال المواطنين.

 

أزمة الثقة والرقابة

 

يرى الدكتور مصطفى كامل السيد، أستاذ العلوم السياسية، أن نجاح أي إصلاح اجتماعي يعتمد على ثقة المواطنين في طريقة إدارة القرار، لأن غياب الثقة يجعل كل تغيير مصدرا للقلق حتى لو حمل أهدافا معلنة.

 

ومن جهة أخرى، فإن الانتقال من الدعم العيني إلى النقدي يحتاج إلى حوار واسع مع المستفيدين، لأن الأسر الأكثر احتياجا تعرف تفاصيل الإنفاق اليومي أكثر من أي تقديرات مكتبية.

 

كما أن تجربة الدعم الجديدة ستكشف قدرة المؤسسات على الاستجابة للشكاوى، خصوصا إذا ظهرت حالات حذف أو أخطاء في الرصيد أو اختلاف بين قيمة الدعم والأسعار الفعلية.

 

كذلك، فإن حماية المواطن لا تتوقف عند صرف 325 جنيها، بل تشمل ضمان عدم احتكار السلع، وتوفير معلومات واضحة، ومنع تحول البطاقات التموينية إلى وسيلة ضغط أو استغلال.

 

وفي النهاية، يبقى الدعم النقدي المشروط خطوة تحمل وعودا ومخاطر في الوقت نفسه، فبينما قد يقلل الهدر ويزيد حرية الاختيار، فإن نجاحه الحقيقي مرتبط بقدرة المبلغ على شراء احتياجات المواطن اليومية.