كشفت سياسات قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي، خلال 13 عاما في مصر، اتساع الفقر والديون وتآكل الروابط الاجتماعية، ما أعاد طرح مخاوف من تفكك المجتمع وتحول ضغوط المعيشة وغياب العدالة إلى بوابة لفوضى أوسع.

 

كما تعكس الأزمة جانبا إنسانيا قاسيا، إذ لم تعد الأسرة المصرية تواجه الغلاء وحده، بل تواجه خوفا من المستقبل، وتراجعا في الثقة، وشعورا متزايدا بأن المواطن تُرك وحيدا أمام دولة لا تسمعه.

 

ومن ثم، تبدو الجرائم والحوادث الأخلاقية المتكررة عرضا لمرض أعمق، يبدأ من الضغط الاقتصادي وينتقل إلى البيت والشارع والعمل، حيث يضعف التضامن وتتحول النجاة الفردية إلى قانون غير معلن.

 

غير أن الخطر الأكبر لا يكمن في حادثة منفردة أو رقم اقتصادي معزول، بل في تراكم يومي يهدم القيم بهدوء، حتى تصبح اللامبالاة والشك والخوف بديلا عن المودة والتكافل والثقة العامة.

 

لذلك، فإن الحديث عن انهيار القيم لا ينفصل عن سؤال الحكم والإدارة والعدالة، لأن المجتمع لا يتماسك بالمواعظ وحدها، بل يحتاج إنصافا وفرصا وخدمات وكرامة وأملا حقيقيا في المستقبل.

 

 

العدالة قبل الاستقرار

 

يرى المحامي الحقوقي نجاد البرعي أن سيادة القانون لا تُقاس بالنصوص المعلنة، بل بطريقة تطبيقها على القوي والضعيف، لأن العدالة المنتقاة تفتح باب الغضب الصامت وتضعف ثقة الناس في المؤسسات.

 

وبناء على ذلك، يصبح غياب العدالة أحد أخطر مداخل التفكك، حين يشعر المواطن أن القانون يحاصره إذا كان ضعيفا، ويتراجع أمام صاحب النفوذ، فتتحول الدولة من ضامن للحق إلى مصدر للخوف.

 

إلى جانب ذلك، يؤدي إسناد المسؤولية لغير الأكفاء إلى قتل الأمل داخل المجتمع، لأن المواطن يرى المناصب تذهب للمقربين وأصحاب الولاء، بينما يدفع أصحاب الخبرة ثمن النزاهة أو يختارون الهجرة والانسحاب.

 

في المقابل، لا يمكن تحميل الناس وحدهم مسؤولية تراجع القيم، فالسلوك العام يتأثر بمنظومة الثواب والعقاب، وحين يفلت الفاسد ويُعاقب الضعيف، يتعلم المجتمع أن النجاة أهم من الاستقامة.

 

وعليه، فإن الفساد لا يبقى جريمة إدارية فقط، بل يتحول إلى ثقافة يومية، حيث تصبح الرشوة إكرامية، والمحسوبية خدمة، والكذب مهارة، بينما يتراجع الضمير الجمعي أمام الحاجة والخوف.

 

ومع ذلك، يظل أخطر ما في غياب العدالة أنه يفتت رابطة الانتماء، فالمواطن الذي لا يشعر بالإنصاف يفقد ثقته في الدولة والجار والزميل، ويبحث عن خلاصه الفردي بأي طريقة ممكنة.

 

لكن مواجهة هذا المسار لا تكون بخطاب أخلاقي مجرد، بل بمحاسبة معلنة، وقضاء مستقل، وإدارة شفافة، ومسارات شكوى آمنة، لأن المجتمع لا يستعيد قيمه بينما يرى الظلم محميا ومكافأ.

 

وبينما ترفع السلطة شعارات الاستقرار، يتساءل الغاضبون عن معنى الاستقرار إذا كان قائما على خوف الفقراء وصمت المظلومين، لأن السكون الظاهري قد يخفي تحته تصدعا اجتماعيا قابلا للانفجار.

 

 

الفقر يهزم القيم

 

ويذهب الباحث الاقتصادي ممدوح الولي إلى أن العدالة الاجتماعية شرط أساسي لاستقرار المجتمع، لأن اتساع الفجوة بين الثروة والفقر يحول النمو المعلن إلى عبء حين لا يشعر الناس بعائده.

 

ومن ناحية أخرى، تكشف نسبة فقر قُدرت بنحو 33% في 2026 عن أزمة تتجاوز الدخل، لأن الفقير لا يفقد المال فقط، بل يفقد قدرة الاختيار والكرامة والطمأنينة داخل أسرته.

 

فضلا عن ذلك، فإن وصول التضخم إلى 14.9% يعني ضغطا مباشرا على الطعام والدواء والتعليم، وهي أساسيات لا يستطيع المواطن تأجيلها، لذلك يتحول الغلاء من رقم اقتصادي إلى تهديد يومي للاستقرار الأسري.

 

في هذا السياق، يثير وصول الدين الخارجي إلى نحو 165 مليار دولار سؤال الأولويات، خصوصا حين يقارن المواطن بين كلفة الديون ومشروعات كبرى لا تنعكس بوضوح على دخله أو خدماته الأساسية.

 

وأمام ذلك، يصبح انتقاد العاصمة الإدارية ومشروعات الإنفاق الضخم مرتبطا بفكرة العائد، لا برفض البناء نفسه، لأن المواطن الذي يعجز عن العلاج والمواصلات يسأل أولا عن نصيبه من الموارد العامة.

 

وعلى الرغم من وجود مشروعات طرق ونقل، فإن أثرها لا يلغي شعور قطاعات واسعة بأن الحياة اليومية صارت أثقل، وأن تكلفة الطعام والسكن والتعليم تسبق أي حديث رسمي عن الإنجاز.

 

لهذا، تبدو الطبقة الوسطى في قلب الخطر، لأنها كانت تاريخيا صمام توازن اجتماعي، ومع تآكلها يزداد المجتمع قسوة، وتصبح الفجوة بين القادرين والمطحونين مصدرا دائما للاحتقان.

 

ثم تأتي لقمة العيش بوصفها آخر اختبار للقيم، فعندما تنشغل الأسرة كلها بتأمين الضروريات، تتراجع المشاركة والرحمة والتطوع، ويصبح شعار النجاة الفردية أقوى من أي دعوة عامة للتضامن.

 

 

الثقة المكسورة

 

ويؤكد الدكتور مصطفى كامل السيد أن الثقة بين الدولة والمجتمع عنصر حاسم في تماسك المجال العام، وأن غياب المساءلة والتمثيل يفتح الطريق أمام الانسحاب من المشاركة وتنامي الإحباط.

 

ومن هنا، فإن انهيار الثقة لا يظهر فقط في الغضب من الأسعار، بل يظهر في طريقة استقبال الناس لأي تصريح رسمي، حيث يتحول الشك إلى رد فعل تلقائي بسبب تراكم الوعود غير المنفذة.

 

إضافة إلى ذلك، يؤدي ضعف الإعلام العام إلى زيادة الفجوة، لأن المواطنين يحتاجون معلومات موثوقة تشرح الأزمة وتكشف المسؤولية، لا خطابا دعائيا يطلب منهم الصبر بينما لا يرى كثيرون تحسنا ملموسا.

 

كذلك، فإن تفكك العلاقات داخل الأسرة والجيرة والعمل يرتبط ببيئة أوسع من الخوف والشك، فحين تتراجع الثقة في المجال العام، تنتقل العدوى إلى المساحات الخاصة وتضعف روابط الناس اليومية.

 

ومن جهة أخرى، لا يجب تجاهل أن المجتمع المصري يمتلك جذورا عميقة في التضامن والتدين الشعبي وروابط العائلة، وهي عناصر يمكن أن تساعده على النهوض إذا توافرت قيادة عادلة ومساحة إصلاح حقيقية.

 

في النهاية، يضع حكم قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي أمام إنذار حاد، فاستمرار الفقر والديون والظلم وتآكل الثقة خلال 13 عاما لا ينتج أزمة معيشية فقط، بل يهدد المجتمع نفسه ما لم يتخذ العقلاء خطوة ومسار جديد للاطاحة بهذا النظام العسكري.