أطلقت مراكز حقوقية مصرية ودولية حملة بعنوان الإهمال الطبي تعذيب ممنهج، خلال اليوم العالمي لمساندة ضحايا التعذيب، مسلطة الضوء على أوضاع السجون المصرية، وما وصفته بتدهور الرعاية الصحية وتهديد حياة المرضى وكبار السن.
كما تعيد الحملة ملف السجون إلى الواجهة في ظل شكاوى متكررة من أسر معتقلين حول نقص العلاج وتأخر الرعاية، وسط اتهامات حقوقية بأن الإهمال الطبي تحول من تقصير فردي إلى نمط متكرر داخل أماكن الاحتجاز.
من ثم، يطرح الوضع أسئلة حول مسؤولية المؤسسات عن حماية حياة المحتجزين، خصوصا المرضى وكبار السن، الذين يحتاجون إلى متابعة مستمرة لا تتوافر دائما داخل أماكن الاحتجاز وفقا لشهادات حقوقية.
غير أن خطورة القضية لا ترتبط فقط بمنع دواء أو تأخير علاج، بل بما تتركه هذه الممارسات من آثار إنسانية عميقة على أسر المعتقلين الذين يعيشون سنوات طويلة وسط القلق والخوف.
لذلك، تطالب الجهات الحقوقية بتحقيقات مستقلة في حالات الوفاة داخل السجون، ومراجعة أوضاع المرضى، وضمان تطبيق القواعد القانونية التي تكفل للمحتجزين الحق في العلاج والرعاية الصحية المناسبة.
علاوة على ذلك، تشير الحملة إلى أن الإهمال الطبي قد يصبح وسيلة ضغط قاسية، عندما يفقد المريض القدرة على الوصول إلى الدواء أو الفحص أو العلاج في الوقت المناسب.
وبناء على ذلك، تتحول الرعاية الصحية داخل السجون إلى اختبار حقيقي لمدى احترام حقوق الإنسان، لأن حماية حياة المحتجز لا ترتبط بموقفه أو قضيته بل بكونه إنسانا له حقوق أساسية.
الإهمال خلف القضبان
يرى الحقوقي خلف بيومي، مدير مركز الشهاب لحقوق الإنسان، أن الإهمال الطبي داخل السجون يمثل أحد أخطر أشكال الانتهاكات، لأنه يستهدف فئات ضعيفة مثل كبار السن وأصحاب الأمراض المزمنة.
في هذا السياق، تشير منظمات حقوقية إلى أن حالات كثيرة من المرضى داخل السجون تحتاج إلى متابعة طبية متخصصة، بينما تؤكد أسر معتقلين وجود صعوبات في إدخال الأدوية أو إجراء الفحوص اللازمة.
إضافة إلى ذلك، تبرز قضية السجناء المصابين بأمراض خطيرة مثل السرطان والسكري والضغط، حيث يمكن لأي تأخير في العلاج أن يؤدي إلى تدهور سريع في الحالة الصحية.
كذلك، فإن كبار السن داخل أماكن الاحتجاز يحتاجون إلى ظروف خاصة تتناسب مع أعمارهم وحالتهم، وهو ما يجعل أي تقصير في الرعاية أكثر تأثيرا وخطورة عليهم.
ومن ناحية أخرى، لا يقتصر أثر الإهمال الطبي على المريض وحده، بل يمتد إلى أسرته التي تعيش حالة انتظار دائم لمعرفة وضعه الصحي أو إمكانية زيارته والاطمئنان عليه.
في المقابل، تؤكد القواعد القانونية المحلية والدولية أن الحق في العلاج لا يسقط بسبب الاحتجاز، وأن الدولة مسؤولة عن توفير الرعاية اللازمة لكل شخص تحت سلطتها.
وعليه، يصبح الكشف عن أوضاع المرضى داخل السجون خطوة ضرورية لمنع تكرار الوفيات، وضمان وجود رقابة حقيقية على أماكن الاحتجاز المختلفة.
أداة للعقاب
ويرى المحامي الحقوقي نجاد البرعي أن حماية المحتجزين من سوء المعاملة ترتبط بسيادة القانون، وأن أي انتهاك للحق في العلاج يحتاج إلى محاسبة واضحة تمنع تكراره داخل المؤسسات.
ومن هنا، تركز الحملة على فكرة أن الحرمان من الرعاية الطبية قد يتحول إلى عقوبة إضافية غير منصوص عليها، تزيد معاناة السجين وتؤثر على حياته وكرامته الإنسانية.
فضلا عن ذلك، فإن غياب التحقيقات الجادة في بعض الشكاوى يضاعف شعور الأسر بعدم وجود وسيلة فعالة لحماية ذويهم أو معرفة حقيقة ما تعرضوا له داخل أماكن الاحتجاز.
ثم إن حالات الوفاة المرتبطة بالأمراض أو تدهور الحالة الصحية تفرض ضرورة مراجعة آليات الكشف الطبي والمتابعة، خاصة مع وجود مطالب متكررة بتحسين أوضاع المرضى.
وبالتالي، فإن أي إصلاح حقيقي يحتاج إلى ضمان استقلالية الرقابة الطبية داخل السجون، وعدم ترك تقييم الحالة الصحية للجهة التي تتولى الاحتجاز فقط.
وعلى الرغم من اختلاف المواقف حول القضايا الجنائية أو السياسية للمحتجزين، فإن الحق في العلاج يظل حقا إنسانيا لا يرتبط بنوع القضية أو الانتماء.
لذلك، تظل قضية الرعاية الصحية في السجون من الملفات التي تحتاج إلى شفافية أكبر، لأن حياة الإنسان لا يمكن أن تكون جزءا من أي خلاف أو صراع.
شهادات ومطالب دولية
ويرى الباحث في حقوق الإنسان عماد مبارك أن توثيق الانتهاكات داخل أماكن الاحتجاز يمثل خطوة مهمة لمعرفة حجم المشكلة، خصوصا عندما تتكرر الشكاوى من أكثر من جهة.
ومن جهة أخرى، تشير تقارير حقوقية دولية إلى أن سوء أوضاع السجون والرعاية الصحية كان محل انتقادات متكررة، مع مطالب بفتح المجال أمام المراقبة المستقلة والتحقيق في الشكاوى.
كما أن حالات كبار السن والمرضى تظل الأكثر حساسية، لأن أي تأخير في العلاج قد يؤدي إلى نتائج خطيرة يصعب تداركها لاحقا.
إضافة إلى ذلك، فإن منع الزيارات أو صعوبة التواصل مع الأسر يزيد من قلق ذوي المحتجزين، ويجعل الحصول على معلومات دقيقة حول حالتهم الصحية أمرا بالغ الصعوبة.
وفي هذا الإطار، تؤكد الحملة أن التعذيب لا يقتصر على العنف المباشر، بل يشمل أيضا المعاملة القاسية والحرمان من الحقوق الأساسية التي تحفظ حياة الإنسان.
وبناء على ذلك، تطالب الجهات الحقوقية بوضع آليات واضحة لمتابعة المرضى داخل السجون، والسماح بالفحوص المستقلة، وضمان وصول العلاج دون عوائق.
وفي النهاية، تعيد حملة الإهمال الطبي تعذيب ممنهج فتح ملفا حساسا حول مسؤولية الدولة عن حماية المحتجزين، وسط دعوات لإنهاء أي ممارسات تهدد الحق في الحياة والكرامة.

