استقبلت الكونغو الديمقراطية 16,250 جرعة من لقاح إيرفيبو المضاد لإيبولا في مطار ندجيلي، ضمن استجابة عاجلة للتفشي الـ17 شمالي وشرقي البلاد، وسط حصيلة بلغت 2,516 وفاة من أصل 5,290 إصابة مؤكدة.
تكشف الأزمة أن الفيروس لا يقتل وحده، بل يفتك أكثر حين يجد دولة ضعيفة ومرافق صحية شبه غائبة وسكانا محاصرين بين المرض والفقر والجماعات المسلحة، بينما تصل الجرعات متأخرة أمام وباء يتسارع.
لقاح يصل متأخرا
بالتالي تبدو الدفعة الأولى من اللقاح خطوة ضرورية، لكنها لا تكفي أمام تفش وصفته الأمم المتحدة بأنه يتسارع، خاصة أن المرض بدأ على الأرجح قبل إعلان التفشي الرسمي بأسابيع كاملة.
كما أعلنت منظمة الصحة العالمية أن الكونغو الديمقراطية ستتلقى 70 ألف جرعة من إيرفيبو، في محاولة لاحتواء انتشار الفيروس، لكن الرقم يظل محدودا إذا اتسعت رقعة الإصابات داخل مناطق يصعب الوصول إليها.
ولزيادة القلق، تشير الحصيلة الحكومية إلى وفاة 2,516 شخصا من بين 5,290 إصابة مؤكدة، وهي نسبة فتك قاسية تكشف أن التأخر في التشخيص والعلاج يحول العدوى إلى حكم موت لكثيرين.
لذلك لا يمكن التعامل مع وصول 16,250 جرعة بوصفه انتصارا كاملا، لأن اللقاح لا يعمل في الفراغ، بل يحتاج تبريدا ونقلا آمنا وفرق تتبع ومراكز قادرة على الوصول إلى القرى المهددة.
ومن ثم يبرز رأي الطبيب جان جاك مويمبي، أحد أبرز خبراء إيبولا في الكونغو، الذي طالما شدد على أن احتواء الفيروس يحتاج ثقة مجتمعية وسرعة عزل وعلاج، لا لقاحات وحدها.
غير أن شمال وشرق البلاد يقدمان بيئة معاكسة تماما، حيث ضعف حضور الدولة وانهيار الخدمات ونشاط جماعات مسلحة منذ عقود، ما يجعل الطواقم الصحية نفسها جزءا من معركة البقاء اليومية.
علاوة على ذلك، فإن تخصيص 50 ألف جرعة للعاملين الصحيين في الصفوف الأولى يعكس حجم المخاطر التي تواجه الفرق الطبية، لكنه يترك سؤال حماية المجتمعات الأوسع مفتوحا أمام موجات عدوى محتملة.
بناء على ذلك، يصبح اللقاح خط دفاع أول لا خطة إنقاذ كاملة، لأن الوباء يحتاج إدارة ميدانية دقيقة، بينما تعاني المناطق المصابة من بنية صحية لا تتحمل أصلا أعباء المرض العادي.
سلالة تثير الشكوك
في المقابل، تزداد الأزمة تعقيدا لأن لقاح إيرفيبو فعال ضد سلالة زائير، بينما لا تزال فعاليته غير مؤكدة ضد سلالة بونديبوجيو المنتشرة حاليا، رغم مؤشرات أولية مشجعة من تجارب الحيوانات.
كذلك أوصى خبراء اللقاحات في منظمة الصحة العالمية بإجراء تجارب واسعة على البشر لمعرفة ما إذا كان اللقاح يوفر حماية من بونديبوجيو، وهو ما يعني أن الاستجابة الحالية تحمل قدرا واضحا من المخاطرة.
وبينما خصصت المنظمة 20 ألف جرعة للتجارب السريرية، تبدو الكونغو الديمقراطية وكأنها تواجه الوباء بأدوات لم تكتمل معرفة فعاليتها بعد، في سباق مرير بين العلم وانتشار الفيروس على الأرض.
إضافة إلى ذلك، لا تزال اللقاحات الموجهة لهذه السلالة قيد التجارب، سواء عبر لقاح موديرنا بتقنية الحمض النووي الريبوزي المرسال، أو عبر لقاح آخر تطوره جامعة أوكسفورد البريطانية.
في السياق نفسه، أعلنت مختبرات هيلمان في سنغافورة تسريع تطوير لقاح آر في إس في بونديبوجيو، الذي تعتبر منظمة الصحة العالمية أن فرص نجاحه كبيرة، تمهيدا لاختباره على البشر سريريا.
ومع ذلك، يظل السؤال الأخلاقي حاضرا بقوة، فالدول الفقيرة غالبا ما تصبح ساحة اختبار عند الأوبئة، ثم تنتظر طويلا قبل أن تحصل على نصيب عادل من نتائج الأبحاث والتمويل.
ومن ناحية أخرى، ترى خبيرة الأوبئة آن ريموين أن مواجهة إيبولا في الكونغو لا تنفصل عن مراقبة الأمراض في المجتمعات النائية، لأن التأخر في رصد الحالات يمنح الفيروس فرصة ذهبية للانتشار.
وعليه، فإن الاعتماد على لقاح واحد غير محسوم الفعالية ضد السلالة الحالية يكشف هشاشة منظومة التأهب العالمية، حيث تتحرك المختبرات بعد الانفجار، لا قبله، وتبقى أفريقيا تدفع كلفة هذا التأخر.
الدولة الغائبة قاتلة
أما في البعد الإنساني، فإن مناطق التفشي لا تعاني من إيبولا فقط، بل من تاريخ طويل من الإهمال والصراع، حيث تتحول العزلة الجغرافية والأمنية إلى شريك مباشر للفيروس في قتل الناس.
في الوقت ذاته، يضعف حضور الدولة قدرة المواطنين على طلب العلاج مبكرا، فالمريض الذي يخاف الطريق أو لا يجد مركزا قريبا قد يصل متأخرا، أو لا يصل أبدا، فتتضاعف العدوى داخل الأسر.
فضلا عن ذلك، يتطلب احتواء إيبولا دفنا آمنا وتتبع مخالطين وتوعية دقيقة، وهي إجراءات تصطدم بالخوف والشائعات والذاكرة المؤلمة لتدخلات خارجية سابقة لم تنجح دائما في بناء ثقة مستدامة.
على هذا الأساس، يؤكد خبير الصحة العالمية مايك رايان أن الاستجابة للأوبئة في مناطق النزاع لا تنجح إلا إذا جمعت بين الأمن والوصول الإنساني والثقة المحلية، لأن العنف يعطل كل خطوة علاجية.
بيد أن الحكومة الكونغولية تبدو مطالبة بأكثر من استقبال الشحنات، إذ عليها حماية الفرق الصحية وفتح ممرات آمنة وتقديم معلومات شفافة، بدل ترك المواطنين بين بيان رسمي وموت يومي صامت.
إلى جانب ذلك، يفرض المجتمع الدولي مسؤوليته، لأن إيبولا ليس وباء محليا معزولا، بل نتيجة عالم غير عادل يترك أنظمة صحية منهكة حتى تنفجر الأزمة، ثم يرسل اللقاحات تحت ضغط الخوف.
لهذا فإن وصول 70 ألف جرعة لا يجب أن يتحول إلى غطاء لفشل طويل، بل إلى بداية مراجعة أوسع تشمل تمويل المستشفيات والمختبرات والتدريب والإنذار المبكر في المناطق التي أهملتها الدولة.
في المحصلة، تكشف الكونغو الديمقراطية أن المعركة مع إيبولا ليست طبية فقط، بل معركة ضد الفقر والسلاح والتهميش والتأخر العلمي، وكل جرعة تصل متأخرة تذكير بأن الوقاية كانت أرخص من الجنازات.
ختاما، يمنح إيرفيبو فرصة لتقليل الخسائر، لكنه لا يستطيع وحده إنقاذ بلد يواجه سلالة غير محسومة وحصيلة ثقيلة وبنية صحية منهارة، فالأوبئة لا تهزمها اللقاحات فقط بل دولة تحمي حياة الناس.

