أعلنت الحكومة خلال اجتماع عقده الدكتور مصطفى مدبولي في مقرها بمدينة العلمين الجديدة اليوم متابعة الموقف التنفيذي لمشروع مبنى الركاب 4 بمطار القاهرة الدولي، وقالت وزارة الطيران المدني إن المبنى سيستوعب 40 مليون راكب سنويا، بما يرفع الطاقة الإجمالية للمطار إلى نحو 70 مليون راكب سنويا.
كشفت مقارنة الأرقام الجديدة بتصريحات رسمية حتى يناير 2026 أن المستهدف ارتفع من 30 إلى 40 مليون راكب للمبنى ومن 60 إلى 70 مليونا للمطار، في وقت تضغط فيه خدمة الدين على الإنفاق العام، بينما لم يوضح الاجتماع أثر التعديل على تكلفة قدرت سابقا بنحو 3.5 مليار دولار أو على هيكل التمويل.
أرقام تتغير وتكلفة بمليارات الدولارات من دون كشف تفصيلي للتنفيذ
خلال الاجتماع عرض سامح الحفني وزير الطيران المدني الرؤية الاستراتيجية للمشروع أمام مدبولي والفريق أحمد الشاذلي المستشار للشئون المالية ومجدي إسحاق من شركة ميناء القاهرة الجوي ومسؤولي مكتب دار الهندسة وعدد من الجهات المعنية، لكن البيان المنشور لم يحدد نسبة إنجاز فعلية أو جدولا زمنيا محدثا للأعمال.
في المقابل كانت وزارة الطيران قد أعلنت في أكتوبر 2025 أن تكلفة مبنى الركاب 4 تقدر بنحو 3.5 مليار دولار بتمويل ذاتي من الشركة القابضة للمطارات والملاحة الجوية وشركاتها التابعة، ثم تحدث الحفني لاحقا عن نطاق قد يصل إلى 4 مليارات دولار مع مراجعة التدفقات النقدية والبنية التمويلية للمشروع.
وبحسب التصريحات السابقة كان التنفيذ يحتاج ما بين 3.5 و4 سنوات منذ بدء الأعمال، فيما قالت الوزارة إن مباني الركاب الحالية اقتربت من حدودها التشغيلية، لذلك تستند الحكومة إلى الحاجة لزيادة السعة في تبرير توسعة مطار القاهرة، بينما لم يقدم اجتماع أغسطس موعدا واضحا لافتتاح المبنى أو مراحل الإنشاء الأساسية.
أمام هذا الغياب التفصيلي سبق للباحث الاقتصادي إلهامي الميرغني أن انتقد خروج مشروعات قومية كبرى عن نطاق الموازنة العامة وعدم ظهور تكلفتها الكاملة داخل حساباتها، وهو طرح يضع تكلفة المشروع ومصادر تمويله والتزاماته المستقبلية في صلب الرقابة على المال العام بدلا من الاكتفاء بإعلان أرقام الطاقة الاستيعابية المستهدفة.
من جهتها تضع الحكومة المشروع ضمن استثمار طويل الأجل في البنية التحتية للطيران، لكن تغيير أرقام الطاقة الاستيعابية بين بيانات متقاربة زمنيا يفرض عليها تفسير أسس التعديل، لأن رفع سعة المبنى 10 ملايين راكب سنويا يعني افتراضات تشغيلية وتصميمية وتمويلية مختلفة يجب إعلانها قبل تقديم المشروع باعتباره نقلة مكتملة الملامح.
تمويل ذاتي وتقنيات ذكية وسط ضغوط الدين وكلفة الأولويات
إلى جانب التوسع الإنشائي قالت وزارة الطيران إن مبنى الركاب الجديد سيعتمد على الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي وأنظمة التشغيل الذكية، كما سيطبق معايير للاستدامة البيئية وكفاءة استخدام الموارد، وتقدم الحكومة هذه العناصر بوصفها أساسا لتحسين تجربة المسافرين ورفع كفاءة العمليات بما يتوافق مع أحدث المعايير الدولية في إدارة المطارات.
وبالتوازي تؤكد البيانات الرسمية السابقة أن المشروع سيعتمد على تمويل ذاتي من كيانات قطاع الطيران، وهو ما لا يلغي الحاجة إلى كشف التدفقات النقدية ومصادر السيولة وخطط السداد والالتزامات، خصوصا بعدما أقرت الوزارة نفسها بأن تقديرات التكلفة قابلة للزيادة أو الانخفاض مع تغيرات التنفيذ خلال السنوات المقبلة.
ثم تبرز الباحثة الاقتصادية سلمى حسين زاوية تتصل مباشرة بأولوية الإنفاق، إذ شرحت في نقاشات سابقة حول الموازنة أن سداد الدين المحلي يستحوذ على جزء كبير من الموارد العامة ويضغط على الفئات الأضعف، ولذلك يصبح تقييم أي مشروع بمليارات الدولارات مرتبطا بوضوح عائده ومصدر تمويله ومخاطره على الموارد العامة.
كذلك يربط الخطاب الحكومي مبنى الركاب 4 برؤية مصر 2030 وبزيادة مساهمة الطيران في الاقتصاد، إلا أن البيان لم ينشر تقديرات للعائد المتوقع أو عدد الوظائف أو الزيادة المقدرة في إيرادات الخدمات الجوية، واكتفى بتوقعات عن دعم السياحة والتجارة والاستثمار واستقطاب شركات طيران جديدة وزيادة حركة السفر عبر القاهرة.
غير أن الاستدامة التي تتحدث عنها وزارة الطيران لا تقتصر على الطاقة والتصميم، لأن الاستدامة المالية تحتاج بدورها إلى أرقام معلنة عن تكلفة الإنشاء والتشغيل والصيانة والعوائد المتوقعة، كما تحتاج الاستدامة التشغيلية إلى مؤشرات تقيس زمن إنهاء الإجراءات وكفاءة تداول الحقائب واستخدام البوابات وجودة الخدمة بعد تشغيل المبنى الجديد.
رهان الترانزيت والمنافسة الإقليمية يحتاج تشغيلًا لا توسعة إنشائية فقط
لذلك تقول الحكومة إن رفع طاقة مطار القاهرة إلى 70 مليون راكب سنويا سيعزز موقع مصر الذي يربط إفريقيا وآسيا وأوروبا، كما تراهن وزارة الطيران على زيادة حركة الترانزيت واستقطاب شركات دولية جديدة، وهي أهداف ترتبط بشبكات الرحلات والأسعار وكفاءة الإجراءات بقدر ارتباطها بعدد الصالات والبوابات المتاحة داخل المطار.
من ناحية أخرى يوضح استشاري اقتصاديات النقل الجوي محسن النجار في طرح مهني سابق أن ضعف التنافسية والتأخر التكنولوجي والعجز عن الوفاء بالالتزامات وظهور منافسين جدد تمثل مؤشرات خلل في صناعة الطيران، وهو ما يجعل نجاح التوسعة مرتبطا بإدارة تشغيلية محترفة لا بمجرد إضافة طاقة استيعابية جديدة على الورق.
بالتزامن يعتمد الرهان على الترانزيت على قدرة شركة مصر للطيران وشركات أخرى على بناء جداول رحلات مترابطة توفر للمسافر زمن انتظار مناسب وأسعارا منافسة واتصالا بين الوجهات، لذلك لا تكفي زيادة السعة وحدها لتحويل القاهرة إلى مركز إقليمي ما لم تتزامن التوسعة مع سياسات تشغيل وتسويق وخدمات تعزز الطلب الفعلي.
اقتصاديا تتوقع وزارة الطيران أن يدعم المشروع السياحة والتجارة والاستثمار ويوفر فرصا جديدة للنمو، لكن الحكومة لم تنشر في اجتماع أغسطس دراسة جدوى محدثة توضح حجم الطلب المتوقع ومعدل استخدام المبنى ونقطة التعادل والعائد على الاستثمار، رغم أن تغيير الطاقة المستهدفة يرفع أهمية نشر هذه المؤشرات للرأي العام.
أخيرا يقدم مبنى الركاب 4 فرصة حقيقية لتوسيع مطار القاهرة إذا اقترنت السعة الجديدة بتشغيل فعال وتمويل معلن ومحاسبة على التكلفة والجدول الزمني، أما الاكتفاء بإعادة رفع المستهدفات من 60 إلى 70 مليون راكب مع غياب تفاصيل التنفيذ المحدثة فيبقي المشروع محاطا بأسئلة تتجاوز لغة الإنجاز إلى كيفية الإنفاق ومن يتحمل مخاطر أي زيادة لاحقة.

