تتسع أزمة الغاز في مصر مع هبوط الإنتاج المحلي إلى 3.8 مليار قدم مكعبة يوميا، مقابل استهلاك يقترب من 7.2 مليارات، بينما تُقدَّم خطط إبطاء التراجع كأنها إنقاذ متأخر لخلل عميق.
وفي المقابل، لا تعالج استثمارات بقيمة 1.6 مليار دولار حقيقة أن الحقول فقدت جزءا كبيرا من قدرتها الإنتاجية، وأن السوق بات معلقا بواردات مكلفة لتأمين الكهرباء والصناعة خلال فترات الذروة.
كما أن الاتفاق مع 8 شركات عالمية لخفض التراجع الطبيعي إلى 100 مليون قدم مكعبة شهريا بين أكتوبر وديسمبر يبدو أقل من معالجة، وأكثر من محاولة لوقف نزيف بدأ قبل سنوات.
إذ تراجع الإنتاج من نحو 4.2 مليارات قدم مكعبة يوميا في 2025 إلى 3.8 مليارات حاليا، أي خسارة تتراوح بين 300 و400 مليون قدم يوميا في عام واحد فقط.
وبالتالي، تتحول فجوة الغاز البالغة 3.4 مليارات قدم مكعبة يوميا إلى عبء يومي على الاقتصاد، يضغط على الدولار ويستنزف موارد البلاد في شراء الوقود من الخارج.
استثمارات متأخرة وفجوة تتسع
ويرى مدحت الزاهد، رئيس حزب التحالف الشعبي الاشتراكي، أن الأزمة لا تنفصل عن إدارة اقتصادية فضلت التوسع في الاقتراض والمشروعات الاستعراضية، بينما تُركت قطاعات الإنتاج الأساسية تواجه تآكل الاستثمارات والتخطيط.
ومن ثم، فإن ضخ الأموال لإعادة إكمال الآبار وتحفيز المكامن يمثل إجراء ضروريا، لكنه لا يجيب عن سؤال التأخر في تنفيذ هذه الأعمال قبل وصول الحقول إلى هذا التراجع الحاد.
كما أن الهبوط السابق إلى قرابة 200 مليون قدم مكعبة شهريا خلال النصف الأول من 2026 يوضح أن التحرك لم يبدأ عند أول إنذار، بل بعد اتساع العجز وانكشاف أثره.
وفي الوقت نفسه، لا يكفي خفض التراجع الشهري بنحو 44% إن ظل الإنتاج دون الاحتياجات الفعلية، لأن تباطؤ الخسارة لا يعني استعادة الغاز المفقود ولا إنهاء الاعتماد على الاستيراد.
ولهذا، تبدو الوعود بخفض التراجع 80 مليون قدم شهريا ثم 50 مليون قدم في بداية 2027 محدودة الأثر، ما لم تقترن بخطة معلنة لزيادة الإنتاج الصافي.
كذلك، تظل حقول البحر المتوسط العميقة رهانا عالي التكلفة والمخاطر، بينما تحتاج الدولة إلى مراجعة شروط الشراكات والاستكشاف والتسعير لضمان توجيه الاستثمارات فعليا نحو الإنتاج.
وعلاوة على ذلك، فإن تراجع الحقول لا يحدث فجأة، بل هو مسار فني متوقع في صناعة الغاز، ما يجعل غياب الاستعداد المبكر دليلا على قصور إداري لا ظرفا مفاجئا.
واردات مكلفة وفاتورة لا تهدأ
ويؤكد مصطفى كامل السيد، أستاذ العلوم السياسية والمعارض لسياسات السلطة، أن أزمة الطاقة تتجاوز الأرقام الفنية، لأنها تكشف أولوية نظام لا يربط الإنفاق العام باحتياجات الناس والإنتاج.
وبهذا المعنى، تصبح واردات الغاز المسال نتيجة مباشرة لفجوة كان يمكن تقليصها عبر استقرار السياسات وسداد مستحقات الشركات وضمان بيئة استثمارية لا تطاردها القرارات المتقلبة.
كما أن شراء الغاز من الخارج في وقت تشتد فيه حاجة البلاد للدولار يضاعف الضغوط على ميزان المدفوعات، ويترك الأسر والصناعة أمام احتمالات ارتفاع التكلفة ونقص الإمدادات.
وفي المقابل، لا يمكن فصل أزمة الغاز عن فاتورة الوقود الواسعة، إذ تدفع الدولة مبالغ ضخمة لتلبية احتياجات الكهرباء، ثم تنقل جانباً من العبء إلى المستهلكين عبر زيادات الأسعار.
لذلك، فإن الحديث عن أمن الطاقة يفقد معناه عندما تعتمد منظومة الكهرباء على سوق عالمي متقلب، تتحكم فيه الحروب والأسعار والشحن، لا قدرة مصر الإنتاجية الذاتية.
وبينما تؤكد الجهات الرسمية أن الآبار الجديدة ساعدت في إبطاء التراجع خلال الربع الثالث، تبقى الكميات المضافة دون مستوى يكفي لتغطية الاستهلاك المتصاعد.
ومن جهة أخرى، تحتاج المصانع والأسمدة والبتروكيماويات إلى إمدادات مستقرة، لأن أي نقص أو تخفيض ينعكس على الإنتاج والتصدير وفرص العمل، ثم يمتد أثره إلى الأسعار المحلية.
غياب الشفافية يبدد الثقة
ويقول يحيى حسين عبد الهادي، السياسي المعارض والخبير في شؤون الاقتصاد العام، إن إدارة الموارد الطبيعية تحتاج رقابة شعبية ومعلومات واضحة، لا بيانات مقتضبة تظهر بعد تفاقم الخلل.
وعليه، من حق الرأي العام معرفة تفاصيل الاستثمارات الجديدة، ومدى التزام الشركات الأجنبية بها، وحجم المستحقات المتأخرة، وتقديرات الإنتاج الفعلية لكل حقل خلال السنوات المقبلة.
كما أن إعلان هدف خفض التراجع إلى 100 مليون قدم مكعبة شهريا لا يوضح ما إذا كانت هذه الوتيرة ستظل قائمة، ولا حجم الإنتاج المتوقع عند نهاية 2026.
وفي غياب تلك التفاصيل، يصعب تقييم جدوى برنامج التحفيز أو معرفة إن كانت المبالغ المرصودة ستتحول إلى زيادة دائمة، أم مجرد تأجيل لموجة هبوط جديدة.
كذلك، يطرح الاعتماد على عمليات الحقن والمواد الكيميائية وإدارة الخزانات سؤالا عن التكلفة والعائد، لأن هذه الأدوات تعالج أداء الآبار لكنها لا تصنع احتياطيات جديدة من العدم.
وبالتزامن، تتطلب استعادة الثقة مراجعة أوسع لإدارة قطاع الطاقة، تبدأ بإعلان البيانات الدورية كاملة، وتنتهي بمساءلة من تسببوا في ترك العجز يتسع حتى صار الاستيراد قاعدة.
ومن هنا، لا ينبغي تسويق إبطاء التراجع باعتباره انتصارا، لأن المقياس الحقيقي هو تقليص فجوة 3.4 مليارات قدم مكعبة يوميا، وحماية السوق من نزيف الدولار.
وأخيرا، تبقى أزمة الغاز اختبارا قاسيا لقدرة الدولة على إدارة ثروة وطنية محدودة، فإما خطة إنتاج شفافة ومستدامة، أو استمرار دوامة التراجع والاستيراد وارتفاع الكلفة على المصريين.

