مصطفى عبد السلام
رئيس قسم الاقتصاد في موقع وصحيفة "العربي الجديد"
طوال السنوات الماضية، اعتمدت مصر على ثلاثة مصادر رئيسية في دعم استقرار سوق الصرف الأجنبي وكبح أي مضاربات محمومة على عملتها الوطنية الجنيه وتمويل فاتورة الواردات الضخمة وسداد أعباء الدين الخارجي التي تتفاقم بشكل سريع وتضغط بقوة على المواطن والاقتصاد والموازنة العامة.
المصدر الأول والأهم هو إيرادات الدولة الذاتية من النقد الأجنبي والتي تتراوح ما بين 140 و160 مليار دولار سنويًا ناتجة عن تدفقات أنشطة حيوية هي الصادرات وتحويلات المصريين العاملين في الخارج والسياحة والاستثمار الأجنبي المباشر وقناة السويس، لكن ورغم ضخامة الرقم إلّا أن الواردات التي تدور قيمتها حول 100 مليار دولار سنويًا تلتهم الجزء الأكبر منه، ومن المتوقع زيادة رقم الواردات خلال العام الجاري مع توسع مصر في استيراد الغاز الطبيعي ومشتقات الوقود، وزيادة كلفة واردات الحبوب بسبب زيادة أسعار القمح والذرة والشعير وغيرها خاصة تلك الواردة من روسيا وأوكرانيا وغيرها من المناشئ الرئيسية، وكذا زيادة كلفة واردات مشتقات الوقود مع قفزة سعر النفط لأكثر من 100 دولار للبرميل، في حين يذهب الجزء الباقي من موارد مصر الذاتية إلى سداد جزء من أعباء الديون الخارجية التي تجاوزت قيمتها 164 مليار دولار بنهاية الربع الأول من عام 2026.
المصدر الثاني للمصادر الدولارية هي القروض والمنح والمساعدات الخارجية التي تحصل عليها مصر من مصادر عدة أبرزها صندوق النقد والبنك الدوليين والاتحاد الأوربي وصندوق النقد العربي، وكذا من مؤسّسات مالية منها بنك الاستثمار الأوروبي والبنك الأسيوي للتنمية والبنك الأفريقي للتصدير والاستيراد (أفريكسم بنك) وبنك التنمية الأفريقي والبنك الإسلامي للتنمية، إضافة إلى الاقتراض المباشر من بنوك وصناديق استثمار دولية عبر طرح سندات وصكوك.
أما المصدر الثالث والذي برز بقوة في السنوات الأخيرة فهي الاعتماد القوي على الأموال الساخنة والتي باتت تتجاوز قيمتها 40 مليار دولار ولعبت دورًا قويًا في دعم قيمة الجنيه المصري خاصة في ذروة الأزمات الاقتصادية سواء المحلية أو الخارجية، وهذه الأموال كانت تتسابق للاستثمار في الأسواق المصرية سواء في البورصة والأسهم أو أدوات الدين الحكومية مثل السندات وأذون الخزانة، بسبب سعر الفائدة العالي والجذاب الذي تحصل عليه خلال فترة قصيرة وقد يصل إلى 30%، بل إن قيمتها تجاوز 45 مليار دولار في بعض الأوقات.
ونظرة للواقع الحالي لموارد مصر الدولارية نجد أنّ هناك شبه ثبات في الموارد الذاتية، وإن كانت هناك توقعات بتراجع إيرادات قناة السويس على خلفية زيادة المخاطر الجيوسياسية في المنطقة خاصة المتعلقة بمضيقَي باب المندب وهرمز، وزيادة واردات مصر من الغاز الطبيعي الطاقة والبالغ قيمتها نحو 6.04 مليارات دولار خلال النصف الأول من عام 2026، بزيادة 73% على أساس سنوي، وتأثر قطاع السياحة بسبب التوتر في المنطقة وأزمات الاقتصاد العالمي خاصة في أوروبا المصدر الحيوي لتموين مصر بالسياح.
لكن تكمن الأزمة في المصدرَين الآخرَين؛ الأموال الساخنة وقروض صندوق النقد الدولي، فمع قيام مجلس الاحتياطي الفيدرالي "البنك المركزي الأميركي" برفع أسعار الفائدة ربع في المئة وتوقعات بزيادتها مرة أخرى قبل نهاية العام، ورفع البنك المركزي الأوروبي الفائدة مرتين خلال أسابيع وكذا البنوك المركزية الكبرى ومنها بنك اليابان، فإنّ هذا الرفع قد يدفع الأموال الساخنة للهروب من مصر وغيرها من الأسواق الناشئة للاستفادة من الفائدة العالية على الودائع بالدولار واليورو والسندات الأميركية والأوروبية واليابانية، بل ومن المتوقع أن تزيد وتيرة الهروب بعد أن تصبح الأسواق العالمية أكثر جاذبية للمستثمرين والأموال الساخنة التي تبحث عن العائد السريع والمرتفع والضمان.
وقد رصدنا بوادر سحب لتلك الأموال من مصر نهاية الأسبوع الماضي، فعقب رفع الفائدة الأميركية خرج 544 مليون دولار من الأموال الساخنة من مصر في يومَين هما الأربعاء والخميس الماضيَين، وسجلت تعاملات العرب والأجانب في السوق الثانوية للدين الحكومي المصري صافي بيع بقيمة 267.5 مليون دولار يوم الخميس، وفق بيانات البورصة المصرية.
أما المصدر الذي يتعلق بقروض الصندوق وغيرها فإنه في حال عدم تجديد اتفاق البرنامج بين مصر والمؤسسة المالية فإن هذا يعني حرمان السوق المصرية من سيولة دولارية كانت تساعد في سداد أعباء الديون الخارجية خاصة المتعلقة بالصندوق نفسه، علما بأنه خرجت تصريحات عدة من مسؤولين مصريين خلال الفترة الماضية مفادها أن علاقة مصر بالصندوق ستنتهي في نوفمبر المقبل عقب انتهاء البرنامج الحالي الذي أسفر عن منح مصر قروض بقيمة ثمانية مليارات دولار، وأن مصر قادرة على إدارة اقتصادها برؤية وطنية ودون برنامج جديد مع صندوق النقد.
الاقتصاد المصري بات بين فكين، صندوق النقد والأموال الساخنة، وفي حال فقدان الاثنين معًا، مع استمرار اضطرابات المنطقة وزيادة الضغوط الخارجية من تضخم أسعار الغذاء والوقود عالميًا، وركود الاقتصاد الأوروبي وغيره، فإن هذا سيرسم ملامح صورة جديدة له مليئة بالتحديات التي يجب الاستعداد من الآن لمواجهتها والتعامل معها بجدية، خاصة وأن جزءًا مهمًا من تدفقات الأموال الساخنة والمستثمرين الأجانب تأتي بضمان برنامج الصندوق، بما فيها ودائع دول الخليج والتي تدخل ضمن احتياطي مصر من النقد الأجنبي، وإلا عاشت الأسواق المصرية لحظات صعبة وأجواء ما بعد اندلاع الحرب الأوكرانية في فبراير 2022.

