محمد أبو رمان
أستاذ العلوم السياسية بالجامعة الأردنية والمستشار الأكاديمي في معهد السياسة والمجتمع
يستعيد تيم أورايلي، في مقال نشرته مجلة الإيكونوميست، فكرة قديمة كانت في قلب الدفاع المبكّر عن الرأسمالية واقتصاد السوق؛ أنّ التجارة لا تحقق الازدهار الاقتصادي فحسب، بل تساهم أيضًا في ترويض نزعات السلطة والسيطرة لدى البشر، فهو يعود إلى مونتسكيو وآدم سميث، وإلى القراءة الشهيرة التي قدمها ألبرت هيرشمان في كتابه "الأهواء والمصالح" (The Passions and the Interests)، عن الرهان على "المصالح الاقتصادية" في مواجهة "الأهواء" السياسية.
بيد أنّ أورايلي يقلب المعادلة اليوم، ويطرح سؤالًا مختلفًا: ماذا لو أصبح التجار أنفسهم أمراء؟ ربما كان ابن خلدون، قبل هذا بقرون، قد التقط الوجه الآخر لهذه العلاقة بصورة مدهشة، فقد حذّر في المقدمة من اشتغال السلطان بالتجارة، ورأى أنّ دخول صاحب السلطة السوق يفسد العمران؛ لأنّ المنافسة تصبح غير متكافئة، فالسلطان لا يدخل السوق تاجرًا عاديًا، بل يحمل معه سلطته ونفوذه وقدرته على الإكراه. كان هاجس ابن خلدون، بعبارة أخرى، أن يصبح الأمراء تجارًا.
أما المفارقة التي نعيشها اليوم فهي معكوسة تقريبًا: ماذا يحدُث عندما يصبح التجار أمراء؟ في هذا السياق، يمثل إيلون ماسك النموذج الأكثر وضوحًا لهذه المفارقة، لكن اختزال القضية في شخصيته يفوّت الفكرة الأساسية، ذلك أنّ ماسك ليس مجرد ملياردير بالغ الثراء، ولا تكمن المشكلة في حجم ثروته بحد ذاته، بل في نوع السلطة التي أصبحت الثروة التكنولوجية قادرة على إنتاجها؛ سلطة تتجاوز الحدود التقليدية بين الاقتصاد والسياسة، وبين الشركة والدولة، وبين المجالَين الخاص والعام.
لقد امتلك الرأسماليون الكبار تاريخيًا نفوذًا سياسيًا هائلًا، وهذه ليست ظاهرة جديدة، إنما الجديد أنّ شركات التكنولوجيا لم تعد تملك المال والمصانع فحسب، بل تتحكّم بالبنية التحتية للاتصال والمعلومات والأقمار الصناعية والمنصات الرقمية والذكاء الاصطناعي، لذلك لم يعد السؤال مقتصرًا على نفوذ رأس المال في السياسة، بل أصبح متعلقًا بتحول رأس المال نفسه إلى سلطة سياسية موازية.
تكشف تجربة ماسك هذه النقلة بوضوح، إذ تمتد إمبراطوريته من السيارات الكهربائية إلى الفضاء والأقمار الصناعية والاتصالات ومنصة إكس والذكاء الاصطناعي، وفي لحظات معينة من الأزمات الدولية يمكن لقرار يتخذه رجل أعمال واحد أن يدخل مباشرة في حسابات دول وحكومات وجيوش، مما يجعلنا نغادر الصورة التقليدية لرجل الأعمال، ونقترب أكثر من صورة "الأمير"، بالمعنى السياسي للسلطة.
يلتقط أورايلي هذه المفارقة بذكاء، فقد قامت إحدى الحجج الأخلاقية والسياسية للرأسمالية على أنّ السوق يوزع القوة ويكبح احتكارها، وأنّ المنافسة وتعدد الملكية والمصالح المتبادلة تضع قيودًا على النزوع نحو السلطة المطلقة. ولكن ماذا لو انتهت العملية نفسها إلى تراكم القوة الاقتصادية والتكنولوجية والإعلامية، وربما السياسية أيضًا، في يد أفراد معدودين؟ لا تعود المشكلة، عندئذ، اللامساواة في الثروة فحسب، بل اللامساواة في السلطة.
تزداد خطورة السؤال مع الذكاء الاصطناعي، لأنّ قادة شركات التكنولوجيا يتحدثون باستمرار عن مفهوم "مواءمة الذكاء الاصطناعي (AI Alignment)"، أي ضمان انسجامه مع القيم والمصالح الإنسانية، لكن هنالك سؤالًا يسبق ذلك: من يحدّد هذه القيم؟ ومن يراقب من يملكون الخوارزميات والبيانات والبنية التحتية التي سيقوم عليها جانب متزايد من حياتنا؟
يفترض النظام الديمقراطي وجود آليات للمساءلة والتصحيح، أو ما تُسمّى "حلقات التغذية الراجعة" (Feedback Loops): الانتخابات، والبرلمانات، والقضاء، والإعلام، والهيئات الرقابية، وقد طورت الرأسمالية بدورها آليات للمحاسبة داخل الشركات، من مجالس الإدارة والمساهمين إلى الإفصاح والرقابة، إلّا أنّ النموذج الجديد يمنح المؤسس، في حالات متزايدة، قدرة استثنائية على جمع رؤوس أموال هائلة مع الاحتفاظ بدرجة كبيرة من السيطرة على القرار.
كان ابن خلدون يخشى على السوق والعمران عندما يدخل الأمير إلى التجارة حاملًا معه سلطته. أما اليوم وبعد قرون، يبدو السؤال: ماذا يحدث للدولة والسياسة والديمقراطية عندما يخرج التاجر من السوق حاملًا معه ثروته ومنصته وخوارزمياته وأقماره الصناعية ويدخل بها إلى مجال السلطة؟!

