تواجه السجون المصرية أزمة إنسانية متفاقمة مع ارتفاع درجات الحرارة إلى أكثر من 40 درجة، ووصولها إلى نحو 45 درجة في مناطق عدة، بينما يقبع ما يزيد على 60 ألف معتقل سياسي داخل زنازين مكتظة تفتقر إلى التهوية والمياه الكافية ووسائل التبريد، وسط تحذيرات حقوقية من تحول موجات الحر إلى سبب مباشر للمرض والموت داخل أماكن الاحتجاز.
ولا يعيش المعتقلون الأزمة المناخية بالطريقة نفسها التي يواجهها المواطنون خارج السجون، إذ يستطيع معظم الناس الاستعانة بالمراوح أو أجهزة التكييف أو الانتقال إلى أماكن أكثر تهوية، بينما يُحشر المحتجزون في مساحات ضيقة بأعداد تفوق طاقتها الاستيعابية، ويُحرمون في أحيان كثيرة من إدخال مراوح على نفقتهم أو الحصول على المياه بصورة منتظمة.
وتتضاعف المأساة بالنسبة إلى عشرات آلاف الأسر التي تتابع أوضاع أبنائها من الخارج، وتعيش قلقًا دائمًا على صحتهم وحياتهم، في ظل انقطاع الأخبار وصعوبة الزيارات وشكاوى الإهمال الطبي، بينما يظل الإفراج عن المعتقلين والعودة إلى منازلهم المطلب الأول لتلك الأسر بعد سنوات طويلة من الانتظار.
زنازين بلا هواء
رغم توسع السلطات المصرية في بناء السجون منذ عام 2013، فإن أماكن احتجاز المعتقلين السياسيين لا تزال تعاني تكدسًا شديدًا، بحسب شهادات معتقلين سابقين وأسر محتجزين، حيث تضم الزنزانة الواحدة أعدادًا تتجاوز بكثير المساحة المخصصة لها، بما يجعل النوم والحركة والتنفس أكثر صعوبة.
وتزداد خطورة هذا التكدس خلال الصيف، لأن الحرارة المرتفعة والرطوبة وانعدام حركة الهواء تتجمع داخل الزنازين المغلقة، فتتحول المساحات الضيقة إلى بيئة خانقة، خصوصًا بالنسبة إلى كبار السن وأصحاب الأمراض المزمنة ومن يعانون مشكلات في القلب أو الجهاز التنفسي.
كما يواجه المحتجزون حرمانًا من حقوق أساسية تضمنها لوائح السجون، من بينها التريض والقراءة والنوم المريح والحصول على غذاء ومياه نظيفة، إضافة إلى القيود المفروضة على الزيارات، ورفض إدخال وسائل تهوية أو مستلزمات تساعدهم على مواجهة الطقس القاسي.
وتشير روايات المعتقلين إلى غياب فتحات تهوية وإضاءة طبيعية مناسبة في عدد من أماكن الاحتجاز، إلى جانب استمرار الإضاءة الصناعية طوال اليوم، والمراقبة المتواصلة، وانقطاع المياه، والتمييز في المعاملة، وهي ممارسات تزيد الضغط النفسي والجسدي وتمنع المحتجزين من النوم والراحة.
وتتناقض هذه الشهادات مع تصريحات السلطات بشأن بناء سجون نموذجية تتوافق مع المعايير الدولية، إذ يؤكد المحتجزون أن الواقع داخل الزنازين لا يوفر الحد الأدنى من المساحة أو النظافة أو التهوية، وأن التكدس والإهمال يظلان سمتين أساسيتين في كثير من أماكن الاحتجاز.
حملة عايز أتنفس
أطلقت منظمات حقوقية مصرية، ابتداءً من 25 يوليو وحتى نهاية الشهر، حملة إعلامية تحت عنوان عايز أتنفس، بهدف تسليط الضوء على معاناة المحتجزين خلال موجات الحر، ورفع أصواتهم وأصوات أسرهم أمام الرأي العام والجهات المعنية.
ورفعت الحملة شعار الحرارة قد ترتفع لكن لا يجوز أن تتحول الزنازين إلى قبور مغلقة، مؤكدة أن التهوية والمياه والرعاية الصحية والحماية من الظروف المناخية القاسية ليست امتيازات تمنحها إدارة السجن، بل حقوق أساسية لا يجوز استخدامها وسيلة للعقاب.
وطالبت الحملة بتوفير تهوية مناسبة داخل جميع أماكن الاحتجاز، وصيانة وتشغيل المراوح ووسائل التبريد المتاحة، وضمان وصول مياه شرب نظيفة وكافية بصورة مستمرة، مع السماح للمحتجزين بالاستحمام وتغيير الملابس والحصول على مستلزمات النظافة الشخصية.
كما دعت إلى تقليل أعداد المحتجزين داخل الزنازين، والالتزام بالمساحات القانونية والإنسانية المقررة لكل فرد، وتوفير رعاية طبية عاجلة ودورية، خصوصًا لكبار السن والمرضى وأصحاب الأمراض المزمنة الذين تتضاعف المخاطر الصحية التي يواجهونها خلال موجات الحر.
وشددت الحملة على ضرورة السماح للجهات الحقوقية المستقلة بزيارة أماكن الاحتجاز، ورصد الأوضاع خلال فترات ارتفاع الحرارة، والتحقيق في حالات الإغماء أو الوفاة أو التدهور الصحي التي قد تنتج عن سوء التهوية أو نقص المياه أو الإهمال المتعمد.
وطالبت كذلك بمحاسبة المسؤولين عن الحرمان من الاحتياجات الأساسية، والإفراج عن المحتجزين تعسفيًا والمحبوسين احتياطيًا لفترات طويلة، وإنهاء استخدام الحبس الاحتياطي باعتباره عقوبة مفتوحة، بدلًا من كونه إجراءً قانونيًا محدود المدة.
التكدس عقاب مستمر
وفي تقرير بعنوان التكدس داخل السجون المصرية كأداة للعقاب النفسي والصحي، أكدت وحدة البحوث في رابطة أهالي المعتقلين المصريين أن التكدس لم يعد مشكلة مرتبطة بالمساحة فقط، بل أصبح عاملًا مضاعفًا للأخطار الصحية والإنسانية في ظل تغير المناخ.
وأوضح التقرير أن استمرار احتجاز أعداد كبيرة في بيئات تفتقر إلى التهوية والتبريد، رغم إمكانية اتخاذ إجراءات تخفيفية معروفة، يثير تساؤلات جدية بشأن التزام السلطات بحماية حياة المحتجزين وصحتهم ومنع تعرضهم لمعاملة قاسية أو مهينة.
وخلص إلى أن تجاهل المخاطر المناخية المتوقعة وعدم اتخاذ تدابير وقائية فعالة قد يحول التكدس إلى أداة لإنتاج معاناة يمكن توقعها مسبقًا، وهو ما قد يرقى وفق المعايير الدولية إلى معاملة قاسية أو لا إنسانية.
غير أن مأساة المعتقلين لا تقتصر على حرارة الصيف أو الرطوبة أو غياب العلاج، بل تبدأ من استمرار احتجازهم منذ عام 2013، وتجديد حبس كثير منهم بصورة متكررة، وإعادة إدراجهم في قضايا جديدة فيما يعرف بإعادة التدوير.
ويؤدي هذا المسار إلى قتل الأمل لدى المحتجزين وأسرهم، ويدفع بعضهم إلى الانهيار النفسي أو التفكير في الانتحار، بينما تبقى مطالب الإفراج والمحاسبة وتحسين ظروف الاحتجاز بلا استجابة حقيقية.
وتظل الحرارة في النهاية كاشفة لمأساة أوسع، عنوانها احتجاز آلاف البشر داخل ظروف تفتقر إلى أبسط معايير الكرامة، فيما تتحمل السلطات وكل من برر الانتهاكات أو صمت عنها مسؤولية ما يصيب هؤلاء المحتجزين من مرض أو موت أو انهيار نفسي.

