قدم النائب محمد عبد الله زين الدين 6 أسئلة عاجلة إلى الحكومة بشأن العجز الحاد في عمال النظافة والخدمات المعاونة داخل مدارس الجمهورية، محذرا من بدء الدراسة وسط مرافق ملوثة وغياب خطة معلنة لسد النقص.
وتفضح الأزمة كيف تركت الحكومة المدارس سنوات بلا عمال بدلاء بعد خروج أعداد كبيرة إلى التقاعد، ثم دفعت المديرين والمعلمين وأولياء الأمور لتحمل كلفة النظافة، بينما يفترض أن تضمن الدولة بيئة صحية لملايين التلاميذ.
وبحسب السؤال البرلماني، طالب زين الدين وزارة التربية والتعليم بالكشف عن العدد الحقيقي للعجز موزعا على المحافظات والإدارات، وتحديد ما إذا كانت أعدت خطة للتعيين أو التعاقد قبل بدء العام الدراسي الجديد.
كما طالب النائب بتوضيح الجدول الزمني للتنفيذ، وأسباب استمرار النقص طوال السنوات الماضية، والمعوقات المالية والإدارية التي منعت سد الاحتياجات، وموقف الوزارة من إسناد أعمال النظافة والصيانة البسيطة إلى شركات متخصصة.
وفي المدارس المكتظة، يتحول نقص عامل واحد إلى أزمة يومية، لأن دورات المياه والفصول والساحات تحتاج إلى تنظيف متواصل، بينما يؤدي تراكم القمامة إلى روائح وحشرات ومخاطر عدوى تهدد الأطفال والمعلمين معا.
ومن جهة أخرى، تلجأ إدارات كثيرة إلى تشغيل عمالة يومية من خارج الوزارة، فتدبر أجورها من تبرعات أولياء الأمور أو مساهمات المعلمين ومجالس الأمناء، في ممارسة تنقل واجبا حكوميا أساسيا إلى جيوب الأسر.
وعلاوة على ذلك، يضع هذا الأسلوب مديري المدارس تحت ضغط أسبوعي لتوفير الأموال، ويعرضهم لمشكلات محاسبية وإدارية، لأن الإنفاق يجري أحيانا من تبرعات غير مستقرة دون بند مالي دائم أو تعاقدات واضحة.
مدارس بلا خدمات
ويرى الخبير التربوي كمال مغيث أن إنقاذ التعليم يبدأ بإعادة بناء المدرسة وزيادة الإنفاق عليها، وهو طرح يكشف تناقض الحكومة التي تتحدث عن التطوير، بينما تترك المرافق الأساسية بلا عمال أو موارد كافية.
وبناء على ذلك، فإن الحديث عن مناهج جديدة ومنصات رقمية يفقد معناه داخل مدرسة تعجز عن تنظيف دورات المياه، لأن كرامة الطالب وسلامته تبدأان من مقعد نظيف ومرفق آمن قبل أي حديث عن التحديث.
كذلك، تكشف الأزمة غياب التخطيط للإحلال الوظيفي، إذ كان خروج العمال إلى التقاعد معروفا مسبقا، لكن الحكومة لم تفتح تعيينات منتظمة، ولم تضع قاعدة بيانات معلنة توضح الاحتياج السنوي لكل مدرسة.
وفي المقابل، اكتفت وزارة التربية والتعليم خلال فترات سابقة بالحديث عن آليات لتوفير عمال الأمن والنظافة، ثم سمحت للمديريات بالاستعانة بخدمات معاونة، دون إعلان حجم التمويل أو عدد العمال المستهدفين فعليا.
وتقول النائبة أمل عصفور إن الوزارة خاطبت المديريات التعليمية لتغطية العجز في أعمال الأمن والنظافة والإدارة، مع تدبير مستحقات مالية، غير أن استمرار الشكاوى يكشف أن التحرك لم يتحول إلى حل شامل ومستدام.
ولهذا، تظل الاستعانة المؤقتة مسكنا لا يعالج أصل الأزمة، لأن العامل اليومي قد يترك المدرسة عند تأخر أجره، كما يصعب إخضاعه للتدريب والمساءلة نفسها المطبقة على العمالة الدائمة داخل الجهاز التعليمي.
ثم إن إسناد الخدمة إلى شركات خاصة قد يوفر عمالة سريعة، لكنه يثير أسئلة حول التكلفة ومعايير الاختيار والرقابة، واحتمال تحويل ميزانية النظافة إلى عقود مربحة لا تضمن بالضرورة جودة الخدمة داخل المدارس.
ومن ناحية ثالثة، تحتاج أي تعاقدات خارجية إلى تحديد عدد العمال وساعات العمل ومؤشرات النظافة وآلية الشكاوى، مع منع تحميل مجالس الأمناء أو أولياء الأمور أي رسوم إضافية مقابل خدمة تمولها الموازنة العامة.
نقص العمالة يهدد العملية التعليمية
ووصف الخبير التربوي حسن شحاتة قيام معلمين بتنظيف إحدى المدارس بأنه مشهد يعكس انتماءهم للمكان، لكن تحويل المبادرات الفردية إلى بديل دائم للعمالة يستهلك المعلمين ويخفي تقصير الوزارة في أداء مسؤولياتها.
وبالتالي، لا يمكن اعتبار عامل النظافة وظيفة هامشية، لأنه جزء من منظومة الوقاية المدرسية، خصوصا في المدارس ذات الكثافات المرتفعة، حيث يستخدم مئات التلاميذ المرافق نفسها خلال ساعات قليلة كل يوم.
فضلا عن ذلك، يؤدي غياب العمال أحيانا إلى تكليف معلمين أو تلاميذ بأعمال التنظيف بصورة غير رسمية، وهو سلوك يهدر وقت الدراسة ويحمّل الأطفال مسؤوليات لا تناسب أعمارهم ولا موقعهم داخل المدرسة.
وفي هذا السياق، سبق أن حذر النائب حسين طنطاوي من أن استمرار نقص العمالة يهدد العملية التعليمية ويخالف أبسط حقوق الطفل، متسائلا عن مصير الدرجات الوظيفية المخصصة لعمال النظافة وأسباب عدم سد العجز.
ومع ذلك، لم تنشر الوزارة حتى الآن رقما قوميا واضحا للعجز، ما يمنع قياس حجم المشكلة ومراقبة الاستجابة، ويترك كل إدارة تعليمية تواجه الأزمة بمواردها المحدودة وقدرتها على جمع التبرعات أو توفير عمالة مؤقتة.
وإضافة إلى ذلك، يفاقم تفاوت الموارد بين المناطق الظلم التعليمي، فالمدارس الموجودة في أحياء قادرة تجمع تبرعات أسرع، بينما تبقى مدارس القرى والمناطق الفقيرة أكثر عرضة لتراكم القمامة وتعطل المرافق.
ومن ثم، يصبح الفقر سببا مضاعفا لتدني الخدمة، إذ يدفع الطالب في المنطقة المحرومة ثمن نقص العمالة وضعف قدرة الأهالي على تمويل البديل، رغم أن حقه في مدرسة نظيفة لا يرتبط بدخل أسرته.
تمويل غائب ومحاسبة مؤجلة
لذلك، ينبغي أن تبدأ المواجهة بحصر معلن لكل مدرسة، ثم فتح تعاقدات ممولة مركزيا وفق الاحتياج والكثافة والمساحة، مع أولوية للمناطق الأشد فقرا، وإقرار حد أدنى من العمال لا يجوز النزول عنه.
وبالتوازي، تحتاج الحكومة إلى خطة إحلال سنوية تعوض المحالين إلى التقاعد قبل خروجهم، بدلا من انتظار تراكم العجز، مع تثبيت العمالة المؤقتة المستمرة متى استوفت الشروط وحصلت على التدريب المطلوب.
أما المحافظون، فيتحملون مسؤولية التنسيق بين المديريات التعليمية والأحياء والجهات الصحية، وتوفير دعم عاجل للمدارس المتضررة، لكن هذا الدور يجب ألا يتحول إلى بديل عن التزام وزارة التعليم بالتعيين والتمويل.
وفي النهاية، تكشف 6 أسئلة برلمانية أن الحكومة لا تملك حتى الآن إجابة معلنة عن حجم العجز أو موعد إنهائه، بينما تستعد المدارس لعام جديد بالحلول نفسها القائمة على التبرعات والعمالة اليومية.
وهكذا، تتحول نظافة المدارس من حق ممول من الدولة إلى خدمة مشروطة بقدرة المدير على جمع المال، في نموذج يعاقب الطلاب على فشل الإدارة ويعرض صحتهم للخطر تحت لافتة ترشيد الإنفاق.

