فجّرت شهادة مصورة لسيدة مصرية موجة غضب واسعة بعدما كشفت، وفق روايتها، أن ضابط شرطة رفض دخول أحد مشروعات شركة إعمار الإماراتية لتحرير محضر بشأن مشكلة بينها وبين جاراتها، وأبلغها بأن التعليمات تمنعه من الدخول عبر البوابات، رغم أن الواقعة جرت على أرض مصرية وبين مواطنين مصريين.
لم تكن كلمات السيدة مجرد شكوى عابرة من إجراء أمني أو خلاف داخل تجمع سكني، بل تحولت إلى شهادة صادمة عن شكل جديد من النفوذ الأجنبي داخل مصر، تصل فيه سلطة الشركات والمستثمرين إلى حد وضع قيود على أجهزة الدولة نفسها، ومنع الشرطة من ممارسة اختصاصها الطبيعي داخل مناطق أصبحت، في نظر أصحابها، جزرًا منفصلة عن السيادة المصرية.
وأعادت الواقعة فتح ملف بيع الأراضي والأصول والمناطق الساحلية للشركات الإماراتية، وما صاحبه من اتهامات للنظام بالتفريط في السيادة مقابل الأموال، ومنح المستثمرين الأجانب امتيازات تتجاوز القوانين التي يخضع لها المواطن المصري في كل مكان. كما طرحت سؤالًا خطيرًا: إذا كانت الشرطة لا تستطيع الدخول إلى أرض مصرية، فمن صاحب السلطة الحقيقية داخل هذه المشروعات؟.
مواطنة تُمنع من حقها
قالت السيدة في شهادتها إنها اتصلت بالشرطة بسبب مشكلة بينها وبين جاراتها، متوقعة أن تنتقل القوة المختصة إلى موقع الواقعة لمعاينتها وتحرير المحضر وفق الإجراءات القانونية المعتادة، إلا أنها فوجئت برفض الدخول وإبلاغها بأن الشرطة ممنوعة من عبور بوابات المشروع.
وبحسب روايتها، قال لها الضابط إنه سيحرر المحضر في الخارج، فردت عليه متسائلة: كيف يحدث ذلك وأنا مواطنة مصرية وهذه أرض مصرية؟ فجاء الرد مقتضبًا وصادمًا: «دي التعليمات».
"احتلال وتجاوز للقانون".. شهادة نارية لسيدة تفضح غياب السلطة وتجاوزات شركة إعمار الإماراتية بمصر pic.twitter.com/ftxQgsULEU
— شبكة رصد (@RassdNewsN) July 25, 2026
هذه الكلمات وحدها كانت كافية لتفجير الغضب، لأنها لا تتحدث عن تعقيدات إدارية، بل عن تعليمات تعلو فوق حق المواطن وفوق اختصاص الشرطة. فالمحضر ليس ورقة تُكتب في أي مكان، وإنما إجراء يفترض أن تسبقه معاينة وسماع الشهود وفهم ملابسات الواقعة داخل موقعها الحقيقي.
منع الشرطة من الدخول، إذا صحت رواية السيدة، يعني عمليًا أن هناك مناطق داخل مصر لا تُعامل كغيرها من المناطق، وأن أبواب بعض المشروعات الاستثمارية أصبحت أقوى من سلطة الدولة نفسها. المواطن المصري يُفتش ويُمنع ويُسأل داخل بلده، بينما تتحول الشركة الأجنبية إلى سلطة موازية تحدد من يدخل ومن يخرج، حتى لو كان القادم رجل شرطة يؤدي واجبه.
المشهد يختصر حجم الانهيار الذي وصلت إليه مؤسسات الدولة تحت حكم يرفع شعارات السيادة، بينما يعجز عن فرض القانون داخل مشروع تملكه شركة أجنبية. فأي سيادة تبقى عندما يضطر المواطن إلى الخروج من المنطقة التي يعيش فيها ليطلب حماية الشرطة خارج بواباتها؟.
عقود البيع فوق القانون
أثارت الواقعة تعليقات غاضبة ربطت بين ما حدث وبين سياسات بيع الأراضي والأصول المصرية للمستثمرين الإماراتيين. وكتب أحمد علاء أن المصريين سيدفعون ثمن كل من شارك في بيع تراب البلاد وخيراتها، معتبرًا أن المشهد نتيجة مباشرة للتنازل عن الأرض وتحويلها إلى مناطق نفوذ لا يملك المواطن داخلها حتى حق الاستعانة بشرطة بلده.
أما وائل فربط بين الواقعة وبين التنازل عن الحقوق المصرية في ملفات أخرى، وكتب أن السيسي وقّع على التنازل عن النيل وعلى بيع الأراضي المصرية، وأن الجيش لم يعد قادرًا على الدفاع عن مياه النيل، كما لم تعد الشرطة قادرة على الدخول إلى أملاك الإماراتيين في مصر.
وأضاف أن كل شيء جرى بموجب عقود وُقعت وجرى الاتفاق عليها، في إشارة إلى أن الاعتراضات الشعبية اللاحقة لا تغير واقعًا صنعته السلطة بنفسها ومنحت بموجبه الشركات الأجنبية وضعًا استثنائيًا داخل البلاد.
هذا الطرح يعكس أزمة أعمق من واقعة فردية. فالنظام قدّم عمليات بيع الأراضي والشركات باعتبارها استثمارات تنقذ الاقتصاد، لكنه لم يكشف للمصريين تفاصيل كثير من العقود، ولا حجم الامتيازات الممنوحة للمستثمرين، ولا حدود سلطتهم داخل المشروعات التي حصلوا عليها.
ما يظهر اليوم هو الوجه الآخر لهذه الصفقات: مناطق مغلقة، بوابات تمنع أجهزة الدولة، إدارات خاصة تفرض تعليماتها، ومواطن مصري يجد نفسه غريبًا داخل وطنه. لم يعد الأمر استثمارًا يلتزم بالقانون المصري، بل قانون خاص يُفرض على المصريين لحماية مصالح الشركات وملاكها.
والكارثة أن السلطة التي باعت الأرض هي نفسها التي يُفترض أن تحمي السيادة عليها. لذلك يصعب انتظار مواجهة حقيقية من نظام صنع هذه العقود وقدم الامتيازات، ثم ترك المواطنين وحدهم أمام نفوذ اقتصادي وأمني يتضخم يومًا بعد يوم.
الخوف من إسكات الشهادة
لم تتوقف ردود الفعل عند حدود الغضب من منع الشرطة، بل امتدت إلى الخوف على السيدة نفسها بعد انتشار شهادتها. وطرح حساب باسم حسين سؤالًا مشروعًا عما إذا كانت ستتعرض للاعتقال أو الاختفاء القسري، وهل ستُجهز لها الاتهامات المعتادة لمجرد أنها تحدثت علنًا وكشفت ما جرى معها.
هذا الخوف لم يأتِ من فراغ، بل من سجل طويل في إسكات كل من يفضح تجاوزات السلطة أو يكشف تناقض خطابها. ففي مصر، يتحول صاحب الشكوى بسهولة إلى متهم، بينما تبقى الجهة صاحبة النفوذ خارج المحاسبة. ويصبح نشر فيديو أو طرح سؤال عن السيادة سببًا كافيًا للخوف من القبض أو الملاحقة.
السيدة لم تتحدث عن قضية سياسية معقدة، بل عن حق بدهي: أن تدخل الشرطة المصرية إلى أرض مصرية لحماية مواطنة مصرية. لكن هذا الحق البسيط أصبح في ظل الواقع الحالي مطلبًا خطيرًا، لأن الاعتراف به يفضح أن الدولة تنازلت عن جزء من سلطتها لحساب شركات أجنبية.
القضية لم تعد خلافًا بين جارات ولا مشكلة عند بوابة مشروع سكني. إنها دليل جديد على أن بيع الأرض لا يتوقف عند نقل الملكية، بل قد يمتد إلى نقل النفوذ والسيطرة وفرض تعليمات تتراجع أمامها مؤسسات الدولة.
وإذا كانت رواية السيدة تمثل ما يحدث فعلًا داخل هذه المشروعات، فإن السؤال لم يعد: لماذا مُنعت الشرطة من الدخول؟ بل: كم منطقة أخرى داخل مصر أصبحت خارج سلطة القانون، وكم عقدًا وقّعه السيسي منح المستثمر الأجنبي سلطة لا يملكها المواطن ولا الموظف ولا رجل الأمن؟.
ما جرى ليس استثمارًا ولا تطويرًا، بل صورة مهينة لدولة تتراجع خلف البوابات، ومواطن يُطرد من حقه، وشركة أجنبية تتصرف وكأنها صاحبة السيادة. إنها نتيجة طبيعية لنظام باع الأرض، ثم باع معها هيبة الدولة وحق المصريين في وطنهم.

