أطلقت جهات رقابية ومهنية في القاهرة تحذيرات واضحة بشأن اعتماد عدد من شركات التطوير العقاري على نموذج تمويل يقوم على استخدام حصيلة مبيعات مشروعات جديدة لتغطية التزامات مشروعات قديمة، ما أدى إلى تفاقم المخاطر على المشترين وتزايد الدعوات لإقرار حساب ضمان مستقل لكل مشروع لحماية أموالهم ومنع توظيفها في غير أغراض البناء المتفق عليها.

 

وبالتالي، فإن ما يبدو للبعض مجرد نقاش فني حول آليات التمويل يخفي خلفه أزمة سياسية وإنسانية أعمق، إذ يتحول غياب الحوكمة والرقابة الجادة إلى أداة لنقل كلفة الفشل من الشركات إلى المواطنين الذين يدفعون مدخرات عمرهم في وحدات قد لا تُكتمل، بينما تكتفي الدولة بإدارة الأزمة عبر تصريحات مطمئنة دون معالجة بنيوية لنموذج عقاري يقوم على بيع الوهم في أبراج مغلقة وكمبوندات لا ترى فيها سوى أرقام وتدفقات نقدية لا تراعي حق الناس في سكن آمن ومستقر.

 

نموذج تمويل هش.

حساب ضمان مطلوب.

ثقة المستثمر على المحك.

 

الإعتماد على تدفقات بيع المراحل الجديدة لتمويل مشروعات قائمة

 

غير أن تحذيرات الخبراء تكشف أن بعض المطورين يعتمدون على تدفقات بيع المراحل الجديدة لتمويل استكمال مشروعات قائمة، في نموذج يعمل بكفاءة زمن الانتعاش حين تتدفق الحجوزات والأقساط، لكنه يتحول إلى عبء شديد الهشاشة عند تباطؤ الطلب أو ارتفاع تكلفة التمويل، ما يعني عملياً أن توقف المبيعات أو تعثرها قد ينعكس فوراً على وتيرة التنفيذ ويترك المشترين عالقين بين أقساط مسددة ومبانٍ لا تكتمل.

 

علاوة على ذلك، يصف الخبير الاقتصادي والمحلل المالي هاني توفيق هذا الوضع بأنه "أشبه بفقاعة عقارية تتغذى على نفسها"، إذ يرى أن استمرار الاعتماد على مبيعات المستقبل لتغطية التزامات الماضي يجعل السوق أقرب إلى سلسلة لا يمكن أن تستمر دون توسع دائم في البيع، محذراً من أن أي هزة في الطلب أو تشديد في شروط التمويل البنكي قد تدفع بعض الشركات إلى التعثر، بما يهدد أموال المشترين الذين دخلوا هذه المشروعات على أساس وعود تسليم لا تستند إلى حسابات ضمان واضحة ومحمية قانونياً.

 

فتح حساب ضمان مستقل لكل مشروع

 

بناءً على ذلك، يدعو خبراء قانونيون وماليون إلى إلزام شركات التطوير بفتح حساب ضمان مستقل لكل مشروع، بحيث تُودع فيه جميع مبالغ المشترين ولا تُستخدم إلا في تمويل أعمال البناء والبنية التحتية المرتبطة بالمشروع نفسه، مؤكدين أن الفصل بين التدفقات المالية للمشروعات المختلفة هو خطوة أساسية لتقليل المخاطر النظامية في القطاع ومنع تحويل أموال المشترين إلى وسيلة لسد فجوات تمويلية في مشروعات أخرى قد لا يكون لهم أي علاقة بها من الأساس.

 

كما أن المطور العقاري يواجه اليوم اختباراً حقيقياً في ظل هذه الدعوات، إذ يوضح خبير التمويل العقاري شريف الدسوقي أن تطبيق حسابات الضمان سيحد من قدرة الشركات على استخدام السيولة بحرية، لكنه في المقابل يعيد بناء الثقة مع البنوك والمشترين على حد سواء، لأن كل طرف سيكون قادراً على متابعة حركة الأموال وتوجيهها، ما يقلل احتمالات التلاعب أو التوسع في مشروعات جديدة قبل استكمال القديمة، ويضع حداً لنموذج "الدورة الدائمة" الذي يخفي هشاشة مالية تحت غطاء مبيعات نشطة.

 

ومن ثم، فإن جوهر الأزمة لا يتصل فقط بنقص السيولة أو ارتفاع تكاليف البناء بفعل التضخم وتقلبات سعر الصرف، بل يرتبط بالحوكمة وضعف الرقابة على إدارة أموال المشروعات، إذ يتوقع المشتري عندما يسدد أقساط وحدته أن تُستخدم هذه الأموال في تنفيذ المشروع الذي تعاقد عليه، لا في سد فجوات تمويلية لغيره، ما يجعل غياب قواعد واضحة للتدفقات النقدية شكلاً من أشكال الإخلال بحقوق المستهلك، خاصة حين تُترك هذه القرارات بالكامل لإدارة الشركات دون شفافية حقيقية.

 

وبالتالي، فإن تطبيق حسابات الضمان لا يمثل رفاهية تنظيمية بل ضرورة لإنقاذ سمعة السوق العقارية واستعادة ثقة المشترين والممولين، إذ يشير الخبير المصرفي وائل عبد الحميد إلى أن البنوك نفسها تتردد في تمويل بعض المشروعات حين لا تجد فصلاً واضحاً بين أموال العملاء وتدفقات الشركة العامة، موضحاً أن إنشاء نظم رقابة مالية صارمة قد يسهم في فتح قنوات تمويل جديدة من خلال طمأنة المؤسسات المالية إلى أن القروض لن تذهب لسد فجوات غير محسوبة، بل ستتجه مباشرة نحو مشروعات ذات هياكل تمويل واضحة ومحددة.

 

القطاع بحاجة لإعادة تنظيم نشاطه وتمويله

 

كما أن استمرار الضغوط على القطاع العقاري في ظل ارتفاع أسعار الفائدة وتراجع القوة الشرائية يدفع مراقبين إلى التساؤل عن دور الجهات التنظيمية، إذ يرون أن ترك السوق يعمل وفق نموذج "المبيعات تمول الالتزامات السابقة" دون تدخل حقيقي يشبه ما جرى في أسواق أخرى قبل انفجار الفقاعات، حيث تخلت الدول عن مسؤوليتها في ضبط الإيقاع التنظيمي، ثم وجدت نفسها أمام موجات تعثر واسعة يدفع ثمنها المواطنون، بينما تنجو بعض الشركات مستندة إلى قربها من مراكز صنع القرار أو قدرتها على إعادة الهيكلة بأقل خسائر ممكنة.

 

غير أن الحديث عن حسابات الضمان لا ينفصل عن سياق أوسع يتعلق بحق الناس في سكن آمن، إذ يؤكد باحثون في العدالة الحضرية أن الأزمة العقارية الحالية ليست مجرد أزمة أرقام أو تمويل، بل انعكاس لنموذج تطوير يركز على المشروعات الفاخرة والكمبوندات المغلقة، متجاهلاً احتياجات الشرائح الأوسع من المجتمع، ما يجعل أي تعثر في هذه المشروعات ضرباً جديداً من الإقصاء، حيث تُباع الأحلام في عقود طويلة الأجل ثم تُترك الأسر معلقة بين خوف التسليم الناقص وهاجس انهيار الشركات في منتصف الطريق.

 

علاوة على ذلك، فإن استعادة الثقة في السوق لا يمكن أن تتم عبر حملات دعائية أو عروض سداد ممتدة فقط، بل تحتاج إلى شفافية في الإفصاح المالي، ونشر تقارير دورية عن نسب الإنجاز واستخدام الأموال، وإتاحة معلومات للمشترين حول وضع مشروعاتهم الحقيقي، لأن تجاهل هذه المتطلبات يجعل الناس يعتمدون على الشائعات أو صور مواقع البناء، بينما تبقى الأرقام الفعلية حبيسة دفاتر شركات لا تخضع لرقابة حقيقية من جهات مستقلة تملك صلاحيات المحاسبة والعقاب.

 

بناءً على ذلك، يربط البعض بين النقاش الدائر حول الحسابات المستقلة وبين تجارب دول فرضت نظم صارمة لحماية المشترين، حيث لا يُسمح فيها بسحب الأموال من حساب المشروع إلا وفق نسب إنجاز محددة ومعتمدة من مهندسين مستقلين، ما يقلل مخاطر التعثر ويحمي المستهلك، ويمنع استخدام التدفقات النقدية لتمويل مغامرات توسعية على حساب مشروعات قائمة، وهو ما يدفع كثيرين للمطالبة باستلهام هذه النماذج بدلاً من الاكتفاء بتعديل جزئي لا يغير جوهر المشكلة.

 

ضرورة تعزيز قواعد الحوكمة والإفصاح المالي

 

كما أن مستقبل القطاع العقاري في المرحلة المقبلة سيتوقف بدرجة كبيرة على قدرة الجهات التنظيمية على اتخاذ قرارات جريئة، إذ يرى مراقبون أن تعزيز قواعد الحوكمة والإفصاح المالي أصبح لا يقل أهمية عن توفير التمويل نفسه، لأن المال وحده لا يكفي لإنقاذ سوق يفتقر إلى الثقة، بينما يمكن لإصلاحات تنظيمية محكمة أن تعيد ترتيب الأولويات وتمنح المشترين شعوراً بأن الدولة حاضرة لحماية أموالهم، لا مجرد ضامن غير فعّال لعقود طويلة الأجل تقف وراءها شركات تبحث عن النجاة بأي ثمن.

 

ومن ثم، فإن الأزمة الحالية تمثل لحظة اختبار حقيقية لعلاقة الدولة بالمواطن في ملف السكن، فإما أن تُقر قواعد صارمة تلزم المطورين بحسابات ضمان مستقلة وحوكمة شفافة، وتُفعل رقابة حقيقية على تدفقات الأموال، وإما أن تستمر دوامة الاعتماد على مبيعات جديدة لسداد التزامات قديمة، حتى يأتي اليوم الذي يكتشف فيه آلاف المشترين أن أحلامهم في السكن المستقر كانت جزءاً من نموذج مالي هش، يدفعون ثمنه وحدهم بينما ينصرف الفاعلون الكبار بلا حساب.