أعلنت جماعة أنصار الله الحوثية مسؤوليتها عن هجوم صاروخي استهدف جنوب السعودية، وقالت إنه تسبب في اندلاع حرائق بمدينة جيزان المطلة على البحر الأحمر، وذلك بعد ساعات من توعدها بالرد على غارات سعودية استهدفت مواقع عسكرية تابعة لها في محافظة الحديدة وجزيرة كمران اليمنيتين.

 

ويفتح تبادل الهجمات جبهة جديدة في صراع إقليمي يتسع يومًا بعد آخر، ويهدد بإسقاط حالة التهدئة الهشة التي سادت الحدود السعودية اليمنية منذ عام 2022. كما يأتي التصعيد في وقت أصبحت فيه الموانئ السعودية على البحر الأحمر ذات أهمية متزايدة لنقل النفط، بسبب تعطل حركة الملاحة في مضيق هرمز وامتداد التوتر العسكري إلى طرق التجارة والطاقة في المنطقة.

 

هجوم على جيزان وإنذارات سعودية

 

قالت جماعة الحوثي، عبر بيان نشرته على تطبيق تلغرام، إن قوة صاروخية يمنية نفذت هجومًا على مدينة جيزان جنوب السعودية، زاعمة أن الهجوم أدى إلى اندلاع حرائق في المدينة. ولم تصدر السلطات السعودية تعليقًا فوريًا يؤكد وقوع أضرار أو يوضح طبيعة الهجوم ومدى تأثيره.

 

وفي الساعات الأولى من السبت، أطلق الدفاع المدني السعودي تحذيرات مبكرة لسكان منطقتي جيزان وينبع من خطر محتمل، قبل أن يرفع التحذير بعد دقائق. وسبق أن أصدرت الجهات السعودية إنذارات مماثلة عند رصد صواريخ أو طائرات مسيّرة متجهة إلى أراضي المملكة.

 

ويأتي الهجوم بعد تهديدات حوثية مباشرة بالرد على الغارات السعودية، إذ وصفت الجماعة العمليات العسكرية التي استهدفت مواقعها في اليمن بأنها “تصعيد خطير”، مؤكدة أن الهجوم لن يمر دون رد.

 

ويثير استهداف جيزان مخاوف من عودة الهجمات العابرة للحدود، بعد فترة من التراجع النسبي في المواجهات المباشرة بين الطرفين. كما يعيد إلى الواجهة خطر استهداف المدن والمنشآت الاقتصادية السعودية القريبة من الحدود اليمنية.

 

غارات على الحديدة وكمران

 

كانت السعودية قد شنت، الجمعة، غارات جوية على مواقع للحوثيين في مدينة الحديدة الساحلية وجزيرة كمران، وقال التحالف الذي تقوده الرياض إن الضربات استهدفت مواقع عسكرية وأهدافًا تهدد السفن التجارية وحركة الملاحة في البحر الأحمر.

 

ووفق مصدر أمني يمني، طالت الغارات قاعدة بحرية في رأس الخطيب بمدينة الحديدة، ومعسكرًا عسكريًا في جزيرة كمران، بالإضافة إلى مبنى للاتصالات بالقرب من ميناء الحديدة.

وأفادت قناة المسيرة التابعة للحوثيين بإصابة شخصين، أحدهما عامل في الحديدة والآخر امرأة في جزيرة كمران، مشيرة إلى تعرض منشآت اتصالات ومواقع أخرى للقصف.

 

وقالت السعودية إن عملياتها العسكرية جاءت ردًا على هجمات استهدفت سفنًا تجارية وسعودية في البحر الأحمر، متهمة الحوثيين بتهديد أمن الملاحة الدولية وتعريض السفن وطاقمها للخطر.

 

ويعد ميناء الحديدة أحد أهم الموانئ الواقعة تحت سيطرة الحوثيين، كما يمثل شريانًا رئيسيًا لدخول السلع والمساعدات إلى مناطق واسعة من اليمن. ولذلك فإن استهداف منشآت قريبة منه يثير مخاوف من تأثير العمليات العسكرية على حركة السفن والإمدادات الإنسانية والتجارية.

 

حصار بحري وتهديد لطرق النفط

 

سبق التصعيد إعلان الحوثيين فرض ما وصفوه بحصار بحري على السعودية، وتحذير السفن من التعامل مع الموانئ أو الشركات السعودية. وأرسلت الجماعة رسائل لاسلكية إلى السفن الموجودة في البحر الأحمر، هددت فيها باستهداف السفن التابعة “للعدو السعودي” حال عدم الامتثال لتعليماتها.

 

وأعلن الحوثيون مهاجمة سفينتين سعوديتين خلال الأسبوع الجاري، بينما أكدت وكالة الأنباء السعودية تعرض السفينة السعودية “NCC MASA” للاستهداف أثناء إبحارها في البحر الأحمر، موضحة أن الهجوم تسبب في إصابة طفيفة في بدنها، قبل أن تستأنف السفينة رحلتها.

 

ويحمل هذا التطور خطورة خاصة بالنسبة إلى السعودية، بعدما أصبحت موانئ البحر الأحمر، وعلى رأسها ميناء ينبع، طريقًا أساسيًا لصادرات النفط الخام. وجاء هذا التحول نتيجة الاضطرابات التي أثرت على الملاحة في مضيق هرمز، ما دفع الرياض إلى الاعتماد بدرجة أكبر على الموانئ الغربية لتأمين حركة الصادرات.

 

وأظهرت بيانات شركة كيبلر أن جميع صادرات النفط الخام السعودية المنقولة بحرًا خلال شهري أبريل ومايو غادرت من ميناء ينبع. كما شكلت صادرات البحر الأحمر نحو 92% من إجمالي الصادرات البحرية السعودية في يونيو، و78% من صادرات يوليو حتى الآن.

 

ويعني ذلك أن أي تصعيد ممتد في البحر الأحمر قد لا يقتصر تأثيره على السعودية واليمن، بل يمكن أن يضرب أسواق النفط والتجارة العالمية، ويرفع تكاليف التأمين والشحن ويهدد السفن العابرة للمنطقة.

 

إحتمالات إنهيار هدنة 2022

 

كما يهدد تبادل الهجمات الأخير بانهيار الهدنة غير الرسمية التي بدأت عام 2022، وظلت قائمة رغم انتهاء مدتها القانونية. ويخشى مراقبون من أن تؤدي الضربات المتبادلة إلى إعادة الحرب اليمنية إلى نقطة الصفر، بعد أكثر من عقد من الصراع الذي تسبب في مقتل وتشريد مئات الآلاف وخلق واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم.

 

ومع استمرار التوتر بين الولايات المتحدة وإيران، وامتداد الضربات العسكرية إلى أكثر من ساحة، يبدو البحر الأحمر والحدود السعودية اليمنية مرشحين لمزيد من التصعيد، في وقت تغيب فيه أي مؤشرات واضحة على مسار سياسي قادر على وقف الانزلاق نحو مواجهة إقليمية أوسع.