أعلن مؤشر «هينلي» لجوازات السفر العالمية احتلال جواز السفر المصري المركز 86 في إصدار يوليو 2026، بعد أن كان في المركز 81 في فبراير الماضي، في تراجع جديد يعكس تقلص عدد الوجهات المتاحة دون تأشيرة إلى 49 دولة فقط مقابل 50 وجهة قبل شهور قليلة، بينما يأتي هذا الانخفاض في ظل تمركز مصر في الشرائح الدنيا من التصنيف العالمي لحرية السفر.
وبالتالي، فإن فقدان المصريين خمس درجات في الترتيب خلال أقل من نصف عام لا يمكن قراءته كمجرد تغير رقمي عابر، بل كأحد تجليات أزمة سياسية واقتصادية أعمق، حيث يعكس ضعف الثقة الدولية في الدولة وقدرتها على حماية مواطنيها وضبط حركة الهجرة غير النظامية، بينما يدفع المواطن العادي الثمن مضاعفا عبر تعقيد إجراءات السفر وارتفاع رسوم التأشيرات وكثرة حالات الرفض، في وقت تتفاخر فيه السلطات بإنجازات شكلية لا تغير واقع المصريين أمام بوابات العالم المغلقة.
غير أن بيانات المؤشر تُظهر بوضوح أن جواز السفر المصري بات يتيح لحامليه دخول 49 وجهة فقط دون تأشيرة مسبقة، مقارنة بدول تتصدر القائمة مثل سنغافورة التي تمنح مواطنيها الوصول إلى 192 وجهة، والإمارات التي تتيح السفر إلى 188 دولة، ما يضع المصري عمليا في ذيل حركة السفر العالمية، ويكشف الفجوة الهائلة بين خطاب التنمية الرسمي والواقع الفعلي لحياة الناس على المعابر الحدودية.
إنعكاس لمستوى الثقة في منظومة الدولة القانونية والاقتصادية
علاوة على ذلك، يوضح الخبير في سياسات الهجرة الدولية أحمد قنديل أن مؤشر «هينلي» لا يقيس مجرد عدد الدول المتاحة دون تأشيرة، بل يعكس مستوى الثقة في منظومة الدولة القانونية والاقتصادية، مشيرا إلى أن استمرار مصر في هذه المراتب المتدنية يعني أن العالم ينظر إلى الجواز المصري باعتباره عالي المخاطر من حيث احتمالات الهجرة غير الشرعية أو البقاء بصورة غير قانونية، وهو ما ينعكس مباشرة على تشديد الإجراءات تجاه المصريين مقارنة بمواطني دول أقل ثراء لكنها أكثر استقرارا سياسيا.
بناءً على ذلك، فإن المسار المتذبذب لترتيب الجواز المصري بين نهاية 2025 وفبراير ثم يوليو 2026 يكشف أن التحسن المحدود السابق لم يكن نتيجة سياسة واضحة لتوسيع اتفاقيات الإعفاء من التأشيرات أو تحسين العلاقات الدولية، بل أقرب إلى تغيرات تقنية في المنهجية أو استثناءات مؤقتة، بينما تواصل دول أخرى العمل على رفع قوة جوازاتها من خلال توقيع مزيد من الاتفاقات الثنائية ومراجعة قوانين الهجرة بما يضمن حرية حركة أفضل لمواطنيها.
كما أن الخبير الاقتصادي السياسي زياد علي يرى أن ضعف الجواز المصري هو انعكاس مباشر للأزمة الاقتصادية المتفاقمة، موضحا أن ارتفاع معدلات التضخم والديون وتراجع الثقة في قدرة الدولة على توفير فرص عمل حقيقية يدفع كثيرين للبحث عن الهجرة أو الإقامة طويلة الأمد في الخارج، وهو ما يدفع الدول المستقبلة لتشديد شروط الدخول على المصريين خوفا من زيادة أعباء أنظمتها الاجتماعية، في حين تتعامل السلطة مع هذه القيود كحق طبيعي للدول الأخرى دون أن تراجع سياساتها التي تدفع الشباب إلى الهجرة القسرية.
كما أن تراجع الترتيب من 81 إلى 86 خلال أشهر قليلة، بعد أن كان في المركز 90 بنهاية 2025، يوضح أن التحسن السابق لم يتحول إلى اتجاه مستدام، إذ بقي عدد الوجهات المتاحة دون تأشيرة محدودا وتراجع من 50 إلى 49، في وقت تكثف فيه دول في المنطقة كالإمارات وقطر والأردن جهودها لتوقيع اتفاقيات إعفاء جديدة تعزز مكانة جوازاتها، بينما تستمر القاهرة في التركيز على مشاريع عمرانية واستعراضية لا تفتح أمام مواطنيها أبواب العالم، بل تزيد شعورهم بالحصار داخل حدود جغرافية وسياسية ضيقة.
إرتباط قوة جواز السفر بمؤشرات سياسية
لزيادة توضيح الصورة، يشير الباحث في العلاقات الدولية خالد منصور إلى أن قوة الجواز عادة ما ترتبط بمؤشرات مثل الاستقرار السياسي، احترام حقوق الإنسان، جودة المؤسسات، وشفافية الاقتصاد، موضحا أن أي دولة تعيش فترات من القمع السياسي، وانكماش اقتصادي، وملاحقات أمنية واسعة، تصبح في نظر العالم مصدر خطر محتمل، لذلك تُشدد إجراءات دخول مواطنيها، وتتقلص فرص توقيع اتفاقيات الإعفاء المتبادل من التأشيرات، وهو ما يفسر بقاء مصر في مناطق الترتيب المتأخر رغم خطاب رسمي متكرر عن "الجمهورية الجديدة".
ومن ثم، فإن ضعف الجواز المصري لا يمثل مجرد عائق للمسافرين بغرض السياحة أو العمل أو الدراسة، بل يتحول إلى عبء مالي ونفسي ثقيل، حيث يضطر المواطن إلى المرور بسلسلة طويلة من الإجراءات التي تشمل تقديم طلبات مسبقة، وحجز مواعيد في مراكز التأشيرات، وتجهيز ملفات مالية وإثباتات دخل وحجوزات فندقية وتذاكر طيران، ثم انتظار قرار قد ينتهي بالرفض دون استرداد ما دفعه من رسوم ومتعلقات، ما يعمق شعور الناس بالمهانة أمام بوابات سفارات لا ترى فيهم سوى أرقام في قوائم المرفوضين.
وبالتالي، يعيش المصري الذي يحلم بالسفر للعمل أو استكمال دراسة أو حتى قضاء إجازة قصيرة في الخارج تجربة مختلفة تماما عن مواطني الدول ذات الجوازات الأقوى، إذ يجد نفسه محاصرا بين متطلبات البنوك وشركات التأمين وجهات إصدار التأشيرات، بينما يتم استقبال الأوروبي أو الخليجي في مطارات عديدة حول العالم بختم دخول بسيط دون أسئلة مطولة، في مفارقة تكشف عمق التمييز العالمي الذي يضع المصري في خانة أقلية مقيدة الحركة داخل نظام دولي لا يساوي بين البشر.
غير أن هذه القيود لا تُناقش بجدية في المجال العام المصري، إذ ينشغل الإعلام الرسمي بالحديث عن "إنجازات كبرى" في مشروعات لا تعالج جذور الأزمة، بينما يتم تجاهل أن جواز السفر هو أحد أهم رموز المواطنة، وأن إضعافه يعني عمليا أن المصريين محرومون من حق أساسي هو حرية التنقل، في وقت يتم فيه التضييق عليهم داخل الداخل عبر القوانين الاستثنائية والأمنية، ما يخلق إحساسا عميقا بالحصار المزدوج داخليا وخارجيا.
الملفات الأمنية والعسكرية المضرية
علاوة على ذلك، فإن استمرار هذا التراجع في مؤشر «هينلي» يطرح أسئلة حادة حول أولويات السياسة الخارجية المصرية، إذ يبدو أن الملفات الأمنية والعسكرية تتصدر الاهتمام على حساب بناء شبكة علاقات متوازنة مع دول يمكن أن تفتح أبوابها للمصريين، بينما تُهمل ملفات حقوق الإنسان والديمقراطية التي أصبحت معيارا مركزيا في تقييم الشركاء لدى كثير من الدول الغربية والآسيوية، ما يجعل من الصعب على القاهرة إقناع تلك الدول بتخفيف القيود على دخول مواطنيها.
بناءً على ذلك، فإن معالجة ضعف الجواز المصري لا يمكن أن تتم عبر حملات ترويجية أو تصريحات مطمئنة، بل تحتاج إلى مراجعة جذرية لسياسات الدولة في الداخل والخارج، تبدأ بإعادة الاعتبار لحقوق المواطنين السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وتحسين سجل البلاد في ملفات الحريات والعدالة، ثم العمل على بناء شراكات حقيقية مع دول مختلفة على أساس المصالح المتبادلة واحترام الإنسان، بحيث يصبح منح المصريين حرية أكبر في السفر نتيجة طبيعية لتحسن صورة الدولة لا مجرد مطلب إداري.
كما أن التجارب الدولية تُظهر أن دولا خرجت من أزمات سياسية واقتصادية حادة استطاعت خلال سنوات قليلة تحسين ترتيب جوازاتها عبر إصلاحات حقيقية في بنية الحكم والاقتصاد، ما يعني أن بقاء الجواز المصري في هذا المستوى المتأخر ليس قدرا محتوما، بل نتيجة مباشرة لسياسات متراكمة، وأن تغيير هذه السياسات يمكن أن ينعكس تدريجيا على نظرة العالم للمصريين وعلى عدد الدول التي تستقبلهم دون أن تقابل كل طلب منهم بسيل من الشكوك والقيود.
حرية السفر وكرامة المواطن
لزيادة الضغط على هذا الملف، يحتاج المصريون إلى خطاب عام جديد يربط بين حرية السفر وكرامة المواطن، بحيث يتم النظر إلى جواز السفر ليس كوثيقة بيروقراطية، بل كترجمة عملية لقيمة الفرد أمام العالم، فإذا كان الجواز ضعيفا ومحدودا فإن ذلك يعني أن الدولة التي تصدره عاجزة عن حماية مواطنيها وعن بناء مكانة محترمة لهم، وهو ما يجب أن يتحول إلى موضوع نقاش سياسي جدي لا مجرد خبر عابر عن ترتيب جديد في مؤشر عالمي.
ومن ثم، فإن استمرار تجاهل هذا التراجع والاكتفاء بقراءة الأرقام على أنها "تحسن محدود" أو "تذبذب طبيعي" هو جزء من الأزمة، لأن التعامل مع قوة الجواز بمنطق التبرير يكرس واقع الحرمان من حرية الحركة، بينما يحتاج المصري إلى أن يسمع من حكومته خططا واضحة لرفع قيود التأشيرات عبر اتفاقيات ثنائية، وتحسين سجل البلاد الحقوقي، والحد من ممارسات تجعل العالم ينظر إلى حامل الجواز المصري كمرشح محتمل للهرب من بلده أكثر منه زائرا يعود إلى وطنه بعد رحلته.
كما أن النبرة الوطنية التي تتبنى الدفاع عن حق المصريين في السفر يجب أن تستند إلى حقائق لا يمكن إنكارها، أهمها أن المواطن لا يختار مكان ولادته ولا لون جوازه، وأن تحميله أعباء سياسات لم يشارك في صنعها هو شكل من أشكال العقاب الجماعي، إذ يدفع الناس ثمن فساد وغياب شفافية وحروب داخلية وخارجية لا قرار لهم فيها، ومع ذلك يجدون أنفسهم أمام سفارات تملك سلطة رفض أحلامهم بكامل البساطة.
لزيادة الوعي بخطورة الوضع، يمكن النظر إلى الأرقام التي يقدمها المؤشر باعتبارها مرآة صريحة لوضع مصر في العالم: ترتيب متأخر، عدد محدود من الوجهات، قيود متزايدة على السفر، في مقابل دول لا تملك موارد مصر الطبيعية لكنها توفر لمواطنيها جوازات قوية تعكس احترامها لهم ولدورهم في بناء صورة بلادهم بالخارج، ما يطرح السؤال الذي يتهرب منه كثيرون: لماذا يدفع المصري ثمن سياسات لا تمنحه حتى حق الحركة الحرة كبشر على هذا الكوكب.
لذلك، فإن أي حديث رسمي عن "دور مصر الإقليمي" أو "ثقلها الدولي" يبدو فارغا أمام واقع جواز سفر لا يسمح لصاحبه بحرية التنقل، إذ لا معنى لخطاب القوة حين يعجز المواطن عن الحصول على تأشيرة سياحة أو عمل أو دراسة دون معاناة طويلة، ولا قيمة لشعارات "الجمهورية الجديدة" إذا كان المصري محروما من حق بسيط هو أن يشعر بأن العالم مفتوح أمامه لا مغلق في وجهه بسبب سياسات لا يد له فيها.
ومن ثم، فإن إعادة الاعتبار لقوة الجواز المصري يجب أن تصبح جزءا من مشروع سياسي شامل لإعادة بناء الدولة على أسس أكثر عدلا وشفافية، لأن العالم لن يغير نظرته إلى هذا الجواز ما لم ير تغييرا حقيقيا في أوضاع المصريين داخل بلدهم، من حيث الحقوق والحريات والفرص الاقتصادية، وعندها فقط يمكن أن تتحول الأرقام في مؤشرات مثل «هينلي» من صورة قاتمة إلى مؤشر على استعادة المصريين حقهم الطبيعي في الحركة والاختيار والعيش الكريم داخل الحدود وخارجها.

