أثار الحكم النهائي الصادر في قضية الاعتداء على حقوق الملكية الفكرية للكاتبة والباحثة سهير عبد الحميد موجة واسعة من ردود الفعل السياسية والحقوقية والإعلامية، بعدما تحول الجدل من مسار قانوني ظل مفتوحًا طوال فترة نظر الطعون إلى سؤال سياسي وأخلاقي مباشر بشأن استمرار وزيرة الثقافة جيهان زكي في منصبها.

وبحسب المواقف التي توالت على منصات التواصل الاجتماعي، فإن صدور الحكم البات أغلق الباب أمام الحجة التي استند إليها المدافعون عن استمرار الوزيرة، وهي انتظار الكلمة النهائية للقضاء، وفتح في المقابل بابًا أوسع يتعلق بالمسؤولية السياسية وهيبة المنصب العام.

 

وتقاطع عدد كبير من المعلقين، رغم اختلاف أساليبهم وحدّة لغتهم، عند نقطة مركزية واحدة: أن القضية تمس بصورة مباشرة طبيعة الوزارة التي تتولاها جيهان زكي، باعتبار وزارة الثقافة من الجهات التي يفترض أن تتولى حماية الإبداع وحقوق المؤلفين وصون الملكية الفكرية.

ورأى هؤلاء أن استمرار الوزيرة في موقعها بعد صدور حكم نهائي في قضية مرتبطة بهذا المجال يضع الحكومة أمام اختبار حقيقي، ليس فقط بشأن تطبيق القانون، ولكن بشأن قدرتها على استشعار الحرج السياسي والاستجابة للرأي العام.

 

وفي مقابل المطالبات بالإقالة أو الاستقالة، ظهرت تحذيرات من استخدام أوصاف قانونية غير دقيقة، مع التأكيد في الوقت نفسه على أن الحكم أصبح نهائيًا، وأن المسؤولية لم تعد متعلقة بالوزيرة وحدها، بل تمتد كذلك إلى من رشحها للمنصب ووافق على استمرارها فيه رغم الجدل الذي سبق صدور الحكم البات.

 

 

الحكم البات ينهي المبررات.. مطالب بإقالة الوزيرة وتحميل الحكومة المسؤولية

 

اعتبر الحقوقي أسامة رشدي أن صدور الحكم النهائي أسقط آخر مبرر كان يمكن استخدامه للدفاع عن استمرار وزيرة الثقافة في موقعها.

وأشار إلى أن الجدل السابق حول تعيينها كان يواجه برد مفاده أن القضية لا تزال منظورة أمام محكمة النقض، وأن الحكومة ستتعامل مع الأمر بعد صدور الحكم النهائي.

وبعد صدور الحكم، رأى رشدي أن الحكومة أصبحت مطالبة بالوفاء بما قيل سابقًا، وأن السؤال لم يعد متعلقًا بانتظار القضاء، وإنما بما ستفعله السلطة التنفيذية الآن.

 

وربط رشدي بين طبيعة القضية وطبيعة المنصب، معتبرًا أن وجود وزيرة ثقافة صدر ضدها حكم نهائي في قضية تتعلق بحقوق الملكية الفكرية يخلق تناقضًا واضحًا مع مهمة الوزارة المفترض أن تحمي الإبداع والمبدعين.

كما وسع دائرة المسؤولية لتشمل من رشح الوزيرة، ومن وافق على تعيينها، ومن تجاهل التحذيرات السابقة، مؤكدًا أن المناصب العامة ينبغي أن تقوم على الكفاءة والنزاهة لا على العلاقات أو المجاملات.

 

 

 

ومن زاوية مشابهة، وصف الصحفي خالد محمود ما جرى بأنه نتيجة مباشرة لسياسة العناد الحكومي والانفصال عن الشارع.

ورأى أن التحذيرات من استمرار الوزيرة في منصبها لم تكن جديدة، وأن أصواتًا من المثقفين والكتاب طالبت من قبل بتغييرها، لكن الحكومة اختارت تجاهل هذه الدعوات، بما جعلها تواجه الآن مأزقًا سياسيًا وأخلاقيًا كان من الممكن تجنبه.

 

وبحسب خالد محمود، فإن المشكلة لم تعد في الواقعة القانونية وحدها، بل في استمرار الوزيرة في ممارسة عملها بصورة اعتيادية رغم صدور حكم نهائي، وهو ما يحول القضية إلى اختبار لمبدأ المساءلة.

واعتبر أن إصرار الحكومة على تجاهل المطالبات السابقة يرسخ انطباعًا بأن الرأي العام لا يحظى بالوزن الكافي عند اتخاذ القرارات، وأن السلطة لا تتحرك إلا حين تفرض الوقائع نفسها.

 

 

 

أما الناشطة شهيناز طاهر فطرحت المسألة بصيغة أكثر مباشرة، متسائلة عما إذا كانت الوزيرة ستستقيل، أو ما إذا كان مجلس الوزراء سيتدخل لإعفائها من منصبها.

وركزت في تعليقها على أن الحكم النهائي، بحسب ما ورد في التغريدة، ألزم الوزيرة بدفع تعويض مالي قدره 100 ألف جنيه، إلى جانب سحب الكتاب محل النزاع من الأسواق وعدم تداوله.

 

ورأت طاهر أن القضية تهز صورة المؤسسة الثقافية، لأن الوزيرة يفترض بها أن تكون مسؤولة عن حماية الإبداع وحقوق أصحابه.

ومن ثم، اعتبرت أن استمرارها في المنصب يطرح سؤالًا بشأن موقف مجلس الوزراء ومدى استعداده لاتخاذ قرار سياسي يتجاوز حدود الحكم القضائي إلى حماية صورة الوزارة ومصداقيتها.

 

 

 

من قضية قانونية إلى أزمة ثقة وهيبة دولة

 

ركزت الإعلامية رانيا بدوي على البعد السياسي والمؤسسي للقضية، مشيرة إلى أنه إذا أصبح الحكم نهائيًا بالفعل، فإن المسألة لم تعد قانونية فقط، بل تحولت إلى قضية ثقة وهيبة دولة.

وأقرت بأن عدم وجود نص قانوني يلزم الوزيرة بالاستقالة لا يحسم النقاش، لأن بقاء المسؤول في موقعه لا يخضع فقط لما هو جائز قانونًا، وإنما أيضًا للاعتبارات السياسية والأخلاقية المرتبطة بطبيعة المنصب.

 

وأوضحت بدوي أن وزارة الثقافة معنية بصون الملكية الفكرية وحماية الإبداع، ولذلك فإن استمرار مسؤول صدر ضده حكم نهائي في قضية تمس هذا المجال يبعث برسالة سلبية إلى الكتاب والباحثين والمبدعين.

واعتبرت أن المناصب العامة لا تُحمى بمجرد الاحتماء بالنصوص، وإنما كذلك بالمواءمة السياسية واستشعار الحرج والحفاظ على هيبة الدولة.

 

كما ربطت بين القضية والجدل السابق حول وزير التعليم، محذرة من أن تكرار الإصرار على بقاء مسؤولين تحيط بهم أزمات عامة يرسخ انطباعًا بأن الاعتبارات السياسية تتغلب على معايير المسؤولية والسمعة العامة، بما يضعف الثقة في المؤسسات.

 

 

وفي تعليق ساخر، قدم الصحفي سليم عزوز ما وصفه بأنه "درس في التحرير الصحفي"، محذرًا من إطلاق أوصاف قد تكون محل مساءلة قانونية، ومشيرًا إلى ضرورة الالتزام بصياغة دقيقة عند الحديث عن الحكم.

لكنه أكد في الوقت نفسه أن الحكم الصادر أصبح نهائيًا، وأن من رشحوا الوزيرة إلى المنصب يفترض أن يستشعروا حرجًا بالغًا من استمرار الوضع على ما هو عليه.

 

واعتبر عزوز أن الاستمرار في الدفاع عن بقاء الوزيرة بعد صدور الحكم يشبه الإصرار على وضع الحكومة نفسها في موقف أكثر إحراجًا، مستخدمًا تعبيرات شعبية ساخرة للتأكيد على أن العناد في هذه الحالة لا يواجه خصومًا سياسيين بقدر ما يضر بصورة أصحاب القرار أنفسهم.

 

 

 

من جانبه، وضع الناشط عبد الرحمن مطر القضية في سياق أوسع يتعلق بصورة الحكومة وتشكيلها، مستخدمًا لغة ساخرة وحادة في المقارنة بين وزيرة الثقافة والجدل الذي أثير حول مؤهلات وزير التعليم.

ورأى أن المفارقة تكمن في أن المسؤول عن الثقافة يواجه حكمًا في قضية كتاب وحقوق فكرية، بينما أحاطت بوزير التعليم اتهامات مرتبطة بالمؤهلات العلمية.

 

وبحسب طرح مطر، فإن القضية تتجاوز الأشخاص إلى طبيعة المعايير التي تحكم اختيار المسؤولين واستمرارهم في مناصبهم، معتبرًا أن عدم عزل أي من المسؤولين محل الجدل يعكس أزمة أعمق في آليات المحاسبة السياسية.

 

 

https://x.com/AbdElrahma41413/status/2074227725263380937

 

 

الهجوم يتسع.. من مسؤولية الوزيرة إلى مساءلة منظومة الاختيار

 

وسع السياسي أحمد لطفي دائرة الانتقاد لتشمل عددًا من أعضاء الحكومة، معتبرًا أن قضية وزيرة الثقافة ليست حالة منفصلة.

وأشار في تغريدته إلى ما قال إنه حكم نهائي ضد وزيرة الثقافة، وإلى الجدل المتعلق بمؤهلات وزير التعليم، وإلى قضية سابقة تخص وزيرة الإسكان انتهت، بحسب ما أورده، بالتصالح ورد المبلغ.

 

ومن خلال جمع هذه الملفات في تغريدة واحدة، سعى لطفي إلى تقديمها باعتبارها مؤشرات على أزمة أوسع في معايير اختيار المسؤولين والرقابة على أصحاب المناصب العامة، مختتمًا تعليقه بالإشارة إلى أن ما ظهر قد يكون مجرد جزء من مشكلات أكبر لا يعرفها الرأي العام.

 

 

 

أما السياسي عمرو عبد الهادي فتبنى لهجة شديدة الهجوم، وطالب بعزل الوزيرة استنادًا إلى صدور حكم نهائي وبات ضدها في القضية.

وأشار إلى الحكم بالتعويض المالي وسحب الكتاب من الأسواق وعدم تداوله، معتبرًا أن بقاء الوزيرة في منصبها بعد ذلك يفضح، من وجهة نظره، معايير السلطة في اختيار شاغلي المناصب العليا.

 

ولم يقتصر عبد الهادي على انتقاد الوزيرة، بل حمل السلطة السياسية والنظام مسؤولية استمرارها، مستخدمًا لغة ساخرة وحادة لاتهام الحكم بحماية أصحاب المناصب وعدم إخضاعهم للمساءلة بالمستوى الذي يطالب به الرأي العام.

 

 

 

وتكشف مجمل هذه المواقف عن انتقال القضية من نطاقها القضائي إلى ساحة الصراع حول معنى المسؤولية السياسية. فمعظم التعليقات لا تقول إن الحكم في حد ذاته يفرض قانونًا استقالة الوزيرة، لكنها تعتبر أن المنصب العام تحكمه معايير تتجاوز النصوص القانونية المباشرة، وفي مقدمتها الثقة والمصداقية والقدرة على تمثيل رسالة المؤسسة التي يديرها المسؤول.

 

كما أن الانتقادات لم تعد موجهة إلى جيهان زكي وحدها، بل أصبحت تشمل الحكومة ومنظومة الترشيح والتعيين والدفاع عن المسؤولين.

ويرى أصحاب هذه المواقف أن الإصرار على بقاء الوزيرة، بعد انتهاء المسار القضائي، سيعزز فكرة أن المناصب العامة محصنة من المحاسبة السياسية، بينما يرى آخرون أن القضية تمثل فرصة للحكومة لإظهار قدرتها على المراجعة والاستجابة لما تعتبره أصوات سياسية وثقافية مطلبًا يتعلق بهيبة الدولة وصورة مؤسساتها.

 

وفي النهاية، يظل السؤال الذي يجمع معظم هذه المواقف هو: هل تتعامل الحكومة مع الحكم بوصفه نهاية لمسار قضائي فقط، أم تعتبره بداية لمسار سياسي يستوجب قرارًا بشأن استمرار الوزيرة؟

وبين المطالبة بالإقالة، والدعوة إلى الاستقالة، والتحذير من أثر استمرارها على الثقة العامة، أصبحت القضية اختبارًا مباشرًا لموقف الحكومة من المساءلة حين يصل الجدل إلى أعلى المناصب التنفيذية.