عصام شعبان
باحث في الأنثروبولوجيا الاجتماعية بجامعة القاهرة
تكشف حالة الطبيبة المصرية أمنية سويدان، وما تعرّضت له من احتجاز وتحقيق وإحالة سريعة على المحاكمة، ملامحَ مرحلة جديدة من الضبط السلطوي. فالتهمة منشور في وسائل التواصل الاجتماعي، لكنّ الإجراء لا يتعلّق بمدى صحّة الوقائع بقدر ما يوضّح علاقة السلطة في مصر بالشكوى وتجريمها، بغرض إخفاء ما يشعر به الناس ومواقفهم تجاه الخدمات العامّة أو الأوضاع المعيشية. والمنشور، الذي تشتكي فيه صاحبته من حالات إهمال طبّي وعنف في مستشفى جامعي، داخل قسم التوليد، أقرب إلى تنفيس عن غضبٍ يحمل مطالبَ برفع مظالم ووقف انتهاكات، مع تأكيد حقّ المصريات في خدمة طبّية مهنية تحترم كرامتهن، وهو ما ذهبت إليه بيانات تضامنية طالبت بالإفراج عنها، والتحقيق في شهادتها، والتصدّي لمظاهر العنف التي تطاول النساء. كما أنّ شكواها لا تندرج ضمن ما يعتبره النظام محرّمًا؛ فلا هي تُنافس على السلطة، ولا تسعى إلى المشاركة فيها، بما يستدعي العنف الذي اعتادت السلطة ممارسته مع المعارضة، من قمع الخصوم ومطاردتهم وتكييف القضايا لهم.
في الوقت نفسه، تكشف الواقعة أنّ أجهزة السلطة أصبحت أكثر حساسيةً تجاه الشكوى بمختلف أشكالها، حتّى لو تعلّقت بانتهاكاتٍ داخل مستشفى... وهكذا تنتقل إلى خانة التجريم، ويصبح التعبير عنها فعلًا يستدعي العقاب، بل تشويه صاحبه، في اتّساع للسلطوية من إدارة المجال السياسي إلى الضبط الاجتماعي، ومن منع أشكال التعبير والعمل السياسي إلى ضبط الكلام عن الألم، أو المطالبة بتحسين خدمة، أو التصدّي لانتهاك. وهذا، إلى جانب أنّه غير قابل للتطبيق في أيّ مجتمع، يمثّل شططًا، فالشكوى ليست ظاهرةً طارئةً، بل أقدم أشكال التعبير الإنساني، والصلة الباقية بين المحكومين والسلطة. ويكفي أن نستعيد ما كتبه الفلاح الفصيح إلى الحاكم مطالبًا بالعدل، وما دوّنته القصّة دفاعًا عن حقّ المظلوم في أن يُسمع صوته، بما فيها عبارته: "لا تكن كالسيل ضدّ الشاكي". وعبر آلاف السنين، ورغم تغير أنظمة الحكم والوسائط، ظلّ المصري يشكو، وتشابهت مطالبه في العدل والمساواة ورفض مظاهر العسف.
وسبق أن التقط عالم الاجتماع سيّد عويس هذا الجانب في كتابه "هتاف الصامتين"، حين حلّل ظاهرة الكتابة على المركبات والحيطان بوصفها جهازًا إعلاميًا شعبيًا مبتكرًا، ووسيلةً يبتدعها الناس لإيصال أصواتهم وإعلان وجودهم، لكي يقرأهم أو يسمعهم آخرون. وبين ألف عبارة جمعها من 1967 إلى 1970، رصد (وحلّل) تعبيرات المصريين عن الخوف من المجهول بعد هزيمة 1967، إلى جانب مشاعر الحبّ والفرح والحزن والانتماء والسخرية. ولاحظ أنّهم، حين يحبّون أو يكرهون، يشتكون، ويستعيرون عبارات العتب من الأغاني، ومنها أغاني أمّ كلثوم مثالًا. وانتهى إلى أنّ الصامتين، في أيّ مجتمع، لا يظلّون صامتين إلى الأبد، بل إنّ أصواتهم، بأسلوبٍ ما، ترتفع بين حين وحين.
ويلتقي جيمس سكوت مع هذا التوصيف في كتابه "المقاومة بالحيلة". فمن خلال دراساته الميدانية لمناطق ريفية، يوضّح أنّ الضعفاء يرتدون أحيانًا قناع الطاعة، بأداء مسرحي في حضرة الأقوياء تفرضه موازين القوى، لكنّه لا يعني الرضا أو الاستسلام. وعوضًا عن المواجهة المباشرة، يبتكرون ما يسمّيه "السياسة التحتية" أو "المقاومة اليومية"، التي تتجسّد في الشكوى والسخرية والشهادات الخفية والحكايات.
فالناس لا تكفّ عن التعبير عن مظالمها عندما تُغلق أبواب السياسة أو تصبح ممارستها مكلفةً، وإنّما تبحث عن أشكال أخرى للتعبير، ولا يواجهون مشاغلهم وعلاقتهم بالسلطة بطريقة واحدة؛ فهناك من يختار الصمت، أو يتحايل، أو يرفع صوته بمطالبه. والسلطة، في المقابل، تسعى إلى تعميم الصمت بتجريم الشكوى، على الرغم من أنّها ليست خروجًا على النظام، بقدر ما تمثّل إحدى آليات المراجعة، إذا أنصتت إليها المؤسّسات وراجعت السياسات التي تعمّق الخلل. أمّا معاقبة أصحاب الشكاوى، فلا تعني سوى الدفع إلى مزيد من الصمت، وخنق المجتمع وإدخاله في حالة موات، وهذا غير ممكن.
واليوم، أصبحت الكتابة في منصّات التواصل الاجتماعي وسيطًا جديدًا؛ تغيّرت الجدران، لكنّ الظاهرة تتكرّر. فما زال الناس يبحثون عن نافذة يقولون منها إنّ هناك خللًا يحتاج إلى إصلاح، أو ظلمًا يحتاج إلى إنصاف، أو مؤسّسات وسياسات تحتاج إلى مراجعة. لذلك، لا تبدو شهادة سويدان، الناشطة في فعّاليات أهلية، فعلًا استثنائيًا، فهي تمثّل امتدادًا لهتاف المقيَّدين الذين أُغلقت أمامهم منافذ التعبير وفرص التمثيل عبر الوسائط المؤسّسية، بعدما ضيّقت السلطة الخناق على المجال العام، فلجؤوا إلى ما يمتلكونه من أدوات، مستخدمين الفضاء الرقمي رئةً يتنفّس عبرها الجمهور ويعبّر عن احتقانه. وليس هذا مستغربًا في مجتمع حيّ ومتفاعل، مرّ بموجة ثورية عارمة وآمال عريضة، ثمّ ازدادت أعباء أفراده حتّى غدوا مثقلين بالهموم، فمن الطبيعي أن يبحث أفراده عن مساحات بديلة للتعبير حين تضيق القنوات المؤسّسية.
والشكوى، بهذا المعنى، ليست سلوكًا سلبيًا، بقدر ما هي مؤشّر على وجود مظالم، وقد تعكس تراجع الثقة في القنوات الرسمية. وفي شكلها الفردي، تصبح تعبيرًا عن محنة، ومقاومة تسعى إلى قول الحقيقة كما يراها أصحابها. وهذا ما ينطبق على قضية الطبيبة، التي أُجّلت محاكمتها قبل الإفراج عنها بكفالة مالية كبيرة، في نمط من الضغط متكرّر في قضايا الرأي، صاحبه هجوم وتشكيك وطعن في شخصها، بينما لم تحمل سوى شهادة عن وقائع قالت إنّها شاهدتها في أثناء فترة الامتياز. لكنّها سرعان ما تحوّلت إلى قضية رأي عامّ، ومع خروجها ظهر عشرات الطبيبات والأطبّاء، ومعهم نساء يروين تجارب مشابهة، وعاد الحديث عن "العنف التوليدي" بوصفه وقائع مؤلمة تستدعي المواجهة. هنا وجدت الشهادة صدىً وحالة تماثل مع آخرين، فتحوّلت إلى تعبير عن خبرة اجتماعية مشتركة خرجت إلى العلن، كما أنّ الاصطفاف حولها وبناء التضامن عكسا رغبةً في المحاسبة واسترداد كرامة المعنّفات. وإذا كانت ردّة الفعل على الانتهاك تحمل غضبًا طبيعيًا وإنسانيًا يتجاوز، في مداه، الانتماء إلى رؤى نسوية، فإنّها تعبّر عن خبرات أليمة متشابهة، ظلّ أصحابها عاجزين عن التعبير عنها، أو ربّما اكتفوا بروايتها داخل دوائرهم الاجتماعية الآمنة تنفيسًا وترياقًا يعالجان الشعور بالإهانة والظلم.
وفي حالة الطبيبة التي عبّرت عن وقائع شاهدتها، واجهتها السلطة بمسار قانوني، لكن ليس بالتحقيق في الادّعاء بقدر ما هو بالعقاب: الاحتجاز والتحقيق والمحاكمة، وامتدادًا إلى التشهير والتشكيك، بما في ذلك الحديث عن حالتها النفسية. وهو أسلوب يشير إلى استمرار استخدام المرض النفسي آليةَ تشويه وضبط، وجرى في واقعة وفاة الباحث أيمن هدهود، وآخرين احتجزتهم مصحّات نفسية في فترات زمنية مختلفة، وكأنّ نفي صدقية الشاهد والتشكيك في حالته يغنيان عن مناقشة ما يقول. وهي طريقة سلطوية معروفة؛ إذ يتحوّل النقاش من الوقائع إلى الشخص، ومن المشكلة إلى مَن كشفها والطعن فيه وإهانته عبر وسائل إعلام السلطة. وبالتالي، لا تتعلّق النتيجة والرسالة اللتان تصلان إلى الناس بهذه الحالة وحدها، بل هما تحذير وتخويف لكلّ من يفكّر في الإبلاغ عن فساد أو انتهاك، وهذا السلوك قد يقود إلى العقاب بدلًا من معالجة أوجه القصور. وبالتالي، تصبح الرسالة: الصمت خيار أكثر أمانًا، حتّى إن كانت كلفته ضخمة. لكنّه من قصر النظر أن تعتقد السلطة حينها أنّ الصمت هو تمثيل للحقيقة. وهذا التصوّر، وإن دُعم برضا زائف عن الواقع، مدعوم أحيانًا بمديح للسلطة من نخب تتبعها، فهو خداع، ويمثّل عمىً أو تعاميًا مسوَّغًا بإنكار المظالم، يرتكن إلى الصمت أو الخضوع وبسط الخوف بين فئات، عبر العقاب أو التهديد به، من خلال حالات منظورة.
إجمالًا، لا يقتصر المشهد على شهادة الطبيبة، ولا على أحد مظاهر العنف ضدّ المرأة التي تدّعي الدولة مكافحته، وأنّها تعيش أزهى عصورها من الحماية والرعاية ونسب التمثيل السياسي. فهناك قضية تكشفها الواقعة: الحقّ في الشكوى بوصفه أحد آخر أشكال المشاركة العامّة الممكنة في واقع تضيق فيه مساحات العمل العام. وحين يصبح التعبير عن الألم والمعاناة مخاطرةً، لا تخسر فئة وحدها حقوقها، بل تهدر المؤسّسات فرصة مراجعة نفسها، وتخسر الدولة واحدةً من آليات تصحيح الأخطاء. ربّما لهذا السبب تبدو عبارة الفلاح الفصيح، بعد آلاف السنين، صالحةً: "لا تكن كالسيل ضدّ الشاكي". ولن تنهار الدول لأنّ الناس يشتكون، وإنّما حين يصبح الإحباط والخوف أكبر من الأمل في الإصلاح، وحين تتجاهل السلطة مواطن الخلل، وتخنق المجتمع وتذهب به إلى حالة موات، وتغرق في السرديات الرسمية التي تصنعها عن الإنجاز ومواجهة الفساد والعنف، بينما هي تساهم في استدامته. وبهذا تعيش في ضلالات، وتتجاهل الواقع متجسّدًا في شكاوى، وإن قلَّت، أو في سرديات مستترة، وفي أحاديث جانبية، وفي حكايات المقاهي، وهمس النُّخب.
وذلك كلّه سيجد طريقة إلى النفاذ غدًا أو في مدى أبعد، لأنّ السطح الذي يبدو هادئًا، ومحمّلًا بمظاهر من الرضا والمدح أحيانًا، والصمت أحيانًا أخرى، ليس كذلك. وربّما يكون تمويهًا وتكيفًا مع آليات السيطرة، لكنّه بالنسبة إلى الفئات المقهورة واضح. والغضب، وإن بدا مستترًا، فإنّه يظهر أحيانًا في أشكال بديلة، منها الشكوى التي تريد السلطة تجريمها ومكافحتها خوفًا من تطوّرها، أو ردم منابع الأزمات.

