لم يعد توسع جهاز «مستقبل مصر للتنمية المستدامة»، التابع للقوات الجوية، مقصورًا على استصلاح الأراضي أو المشروعات الزراعية، بعدما أصبح حاضرًا بقوة في واحد من أكبر ملفات الحياة اليومية للمصريين: الغذاء والتموين. فخلال افتتاح مقر القيادة الاستراتيجية للدولة المصرية في العاصمة الإدارية الجديدة، أعلن الرئيس عبد الفتاح السيسي تكليف الجهاز، بالتنسيق مع وزارتي الزراعة والتموين، بإعداد برنامج وطني لخفض الأعباء المعيشية، في وقت يستعد فيه «مستقبل مصر» لإدارة شبكة قد تصل إلى نحو 40 ألف منفذ لبيع وتوزيع السلع الغذائية.

 

وتشمل الشبكة المستهدفة المجمعات الاستهلاكية التابعة للدولة، ومنافذ مشروع «جمعيتي»، وبدالي التموين، تحت علامة تجارية جديدة تحمل اسم «كاري أون»، في تحول كبير قد يضع جانبًا واسعًا من تجارة السلع الأساسية وإدارة منظومة التوزيع تحت إشراف جهاز يتبع القوات الجوية. وبحسب النص، فإن المشروع لا يقف عند تغيير أسماء المنافذ أو تحديث شكلها، بل يمتد إلى إعادة رسم خريطة ملكية وإدارة آلاف الأصول الحكومية، وتوحيد قواعد البيانات، وربما التمهيد لتحول أوسع من الدعم العيني إلى الدعم النقدي.

 

ويأتي هذا التوسع في وقت تتجاوز فيه الشبكة الجديدة، من حيث عدد المنافذ، أكبر سلاسل التجزئة الخاصة في مصر بمراحل، إذ لا يتجاوز إجمالي فروع «كازيون» و«سعودي» و«كارفور» و«بيم» مجتمعة، وفق البيانات الواردة في النص، نحو 1500 فرع، مقابل شبكة حكومية وتموينية قد تصل إلى 40 ألف منفذ تحت مظلة واحدة.

 

 

من مجمعات عبد الناصر إلى «كاري أون».. شبكة التموين القديمة تحت إدارة جديدة

 

تعود جذور المجمعات الاستهلاكية في مصر إلى أوائل ستينيات القرن الماضي، حين أنشأتها الدولة ضمن سياسات اقتصادية استهدفت توفير السلع الأساسية للمواطنين بأسعار مدعومة. وافتتح أول مجمع استهلاكي عام 1961، قبل أن تتوسع الشبكة خلال الستينيات والسبعينيات وتُنشأ خمس شركات لإدارتها، هي «النيل» و«الأهرام» في القاهرة والجيزة، و«الإسكندرية للمجمعات الاستهلاكية»، و«المصرية لتجارة الجملة» التي تخدم محافظات الوجه القبلي، و«العامة لتجارة الجملة» التي تغطي محافظات الوجه البحري.

 

وظلت هذه الشركات تنتقل بين تبعيات حكومية مختلفة. ففي عهد الرئيس حسني مبارك، انتقلت من الهيئة العامة للسلع التموينية إلى وزارة الاستثمار عقب صدور قانون قطاع الأعمال العام عام 1991. وبعد تولي السيسي الحكم في 2014، أُعيدت الشركات الخمس إلى الشركة القابضة للصناعات الغذائية التابعة لوزارة التموين، بموجب قرار رئيس مجلس الوزراء رقم 1123 لسنة 2014.

 

لكن المرحلة الحالية تشهد تحولًا جديدًا، مع صعود جهاز «مستقبل مصر» ودخوله إلى إدارة قطاع الغذاء والتوزيع. وبرزت علامة «كاري أون» باعتبارها المظلة الجديدة التي تسعى الدولة إلى جمع المجمعات الاستهلاكية ومنافذ «جمعيتي» وبدالي التموين تحتها.

 

وكشف تقرير إنجازات وزارة التموين لعام 2025، بحسب النص، عن استراتيجية لإطلاق «كاري أون» كعلامة موحدة لمنافذ الشركة القابضة للصناعات الغذائية، لتحل تدريجيًا محل أسماء قديمة مثل «النيل» و«الأهرام». وافتتحت الحكومة بالفعل أربعة فروع للعلامة الجديدة في كلية البنات والسيدة زينب والأميرية ومدينة الإنتاج الإعلامي، بحضور رئيس جهاز «مستقبل مصر» بهاء الغنام ومسؤولين حكوميين.

 

وبحسب أحد العاملين في فروع السلسلة، فإن المشروع يستهدف تقديم نموذج قريب من سلاسل التجزئة الخاصة، من خلال توفير تشكيلة واسعة من السلع بأسعار متنوعة، مع محاولة طرحها بأسعار أقل من المنافسين لجذب شرائح أكبر من المستهلكين.

 

 

40 ألف منفذ تحت مظلة واحدة.. و«مستقبل مصر» المدير الفعلي للمشروع

 

يكشف حجم الشبكة المستهدفة عن مستوى غير مسبوق من التوسع. فإلى جانب نحو 30 ألف بدال تمويني، توجد قرابة 8500 منفذ ضمن مشروع «جمعيتي»، فضلًا عن نحو 1892 فرعًا تابعة لشركات المجمعات الاستهلاكية وتجارة الجملة.

 

وتملك شركة الإسكندرية للمجمعات الاستهلاكية 199 فرعًا، بينما تملك شركة الأهرام 160 فرعًا. أما «المصرية لتجارة الجملة» فتملك 953 فرعًا، و«العامة لتجارة الجملة» 415 فرعًا. وبإضافة هذه الأصول إلى منافذ «جمعيتي» والبدالين التموينيين، تتشكل شبكة توزيع ضخمة تصل إلى عشرات الآلاف من نقاط البيع.

 

وبحسب مصدر بوزارة التموين وردت تصريحاته في النص، فإن جهاز «مستقبل مصر» هو المدير الفعلي لمشروع «كاري أون»، بينما بقيت وزارة التموين واجهته الرسمية بسبب اختصاصاتها القانونية الحالية في الإمداد والرقابة وتنظيم التوزيع. وأضاف المصدر أن الإدارة التنفيذية انتقلت فعليًا إلى الجهاز التابع للقوات الجوية، في انتظار قرار جمهوري قد ينقل إليه اختصاصات أوسع بصورة رسمية.

 

وتوقع المصدر نقل تبعية شركتي «النيل» و«الأهرام» إلى «مستقبل مصر»، بهدف تمكين الجهاز من حصر الأصول والعمالة وتقييمها، ووضع خطة لتعميم العلامة الجديدة على الفروع. كما أشار النص إلى أن شركتي «المصرية لتجارة الجملة» و«العامة لتجارة الجملة» من بين الكيانات المرشحة أيضًا للانتقال.

 

ويعني هذا أن الجهاز الذي تأسس رسميًا بالقرار الجمهوري رقم 591 لسنة 2022، وبدأ نشاطه من بوابة استصلاح الأراضي الصحراوية، بات يتحرك خلال سنوات قليلة إلى مجالات أوسع، من الاستحواذ على حصص في شركات خاصة إلى تولي مهام كانت تقوم بها جهات حكومية ومؤسسات أخرى.

 

ويتزامن ذلك مع تكليف الجهاز بإعداد برنامج لخفض الأعباء المعيشية بالتعاون مع وزارتي الزراعة والتموين، بما يضعه في موقع مركزي داخل سوق السلع الغذائية، من الإنتاج إلى الإمداد والتوزيع والبيع للمستهلك النهائي.

 

 

«كاري أون» وإعادة تشكيل الدعم.. من السلع التموينية إلى النقد

 

لا يتوقف مشروع «كاري أون» عند إدارة المنافذ، بل يرتبط أيضًا بمستقبل منظومة الدعم. وقال ماجد نادي، المتحدث باسم نقابة البدالين التموينيين، إن اجتماعًا تنسيقيًا مرتقبًا سيجمع ممثلي البدالين بمسؤولي جهاز «مستقبل مصر» ووزارة التموين لمناقشة آلية الانضمام إلى المشروع.

 

وتشير المعلومات الأولية، بحسب نادي، إلى اتجاه لربط بدالي التموين ومنافذ «جمعيتي» والمجمعات الاستهلاكية في قاعدة بيانات واحدة، تتيح للمواطن صرف مقرراته التموينية من أي منفذ داخل الشبكة، دون الالتزام بالنطاق الجغرافي المسجل على البطاقة.

 

ولم تُحسم بعد آلية احتساب هامش ربح البدالين، لكن نادي رجح أن يكون توحيد العلامة التجارية مقدمة للتحول من الدعم العيني إلى الدعم النقدي. وكان وزير التموين شريف فاروق قد أشار في أكتوبر 2024 إلى إمكانية بدء هذا التحول اعتبارًا من موازنة 2025/2026.

 

ويبلغ عدد بطاقات التموين، وفق البيانات الواردة في النص، نحو 21 مليون بطاقة يستفيد منها قرابة 60.8 مليون مواطن، ويحصل الفرد بموجبها على دعم سلعي بقيمة 50 جنيهًا شهريًا، بينما تبلغ مخصصات الدعم السلعي في الموازنة العامة للعام المالي 2025/2026 نحو 35.6 مليار جنيه.

 

وفي حال تطبيق الدعم النقدي عبر شبكة «كاري أون»، سيصبح المشروع نقطة رئيسية في إعادة تشكيل نظام التموين الذي ترسخت ملامحه منذ عقود. وقد تنتقل المنظومة من صرف سلع محددة ومدعومة إلى نموذج نقدي يستخدم المواطن من خلاله شبكة منافذ موحدة واسعة الانتشار.

 

هذا التحول يكتسب أهمية أكبر بالنظر إلى عدد العاملين والأصول المرتبطة بالشركات المستهدفة. إذ يعمل في أربع شركات فقط ما لا يقل عن 8242 عاملًا، دون احتساب موظفي شركة الأهرام. كما تتفاوت أوضاع الشركات ماليًا؛ فقد تحولت «الأهرام» من أرباح محدودة إلى خسائر تجاوزت 1.5 مليون جنيه عام 2020، بينما تجاوزت الخسائر المرحلة لشركة النيل أربعة ملايين جنيه. وفي المقابل، حققت الشركة العامة لتجارة الجملة أرباحًا تجاوزت 67 مليون جنيه.

 

وبذلك، لا يبدو مشروع «كاري أون» مجرد سلسلة متاجر جديدة، بل إعادة هيكلة واسعة لقطاع حكومي كامل. فمن المجمعات الاستهلاكية التي نشأت لتقديم السلع المدعومة، إلى عشرات الآلاف من البدالين والمنافذ، تتجه منظومة ضخمة نحو إدارة موحدة يرتبط مركزها بجهاز تابع للقوات الجوية، ليتحول «مستقبل مصر» خلال سنوات قليلة من جهاز لاستصلاح الأراضي إلى لاعب مركزي في إنتاج الغذاء وتوزيعه وبيعه وإدارة جانب كبير من منظومة الدعم.