تُثار مسألة تعديل الدستور في مصر مجددًا في ظل تصاعد أحاديث سياسية وإعلامية عن مرحلة ما بعد عام 2030، وهو الموعد الذي تنتهي فيه الولاية الحالية لقائد الانقلاب عبد الفتاح السيسي وفق النصوص الدستورية القائمة.
ورغم عدم صدور أي إعلان رسمي من الدولة بشأن وجود نية لتعديل الدستور مرة أخرى، فإن الجدل عاد بقوة في ضوء تصريحات ومقالات وتحليلات تناولت مستقبل السلطة التنفيذية، إضافة إلى نقاشات داخل بعض الأوساط السياسية حول شكل المرحلة المقبلة وآليات ضمان الاستقرار السياسي. كما يأتي هذا الجدل في سياق سبق أن شهد تعديلات دستورية واسعة عام 2019، وهو ما يجعل أي حديث جديد عن تعديل الدستور محل اهتمام واسع من المراقبين.
والشهر الماضي، وعبر مواقع التواصل الاجتماعي، دشن مؤيدون للسيسي استطلاع رأي يقول: "هل تؤيد تعديلاً دستورياً لمنح الرئيس فترة رئاسية جديدة في ظل الظروف الحالية؟".
وسبقت تلك المطالبات والاستطلاعات دعوة المذيع محمد الباز، في يوليو 2018 ويناير الماضي، لتعديل مدة الرئيس، ليتبعها في الشهر ذاته تصريحٌ لرئيس حزب "العدل" عبد المنعم إمام، لجريدة "الشروق" بأنه قد تحدث تعديلات دستورية بترشح السيسي لفترة رئاسية أخرى، كما أكد النائب عصام هلال، لموقع "الوطن"، في إبريل الماضي، أن تعديل الدستور وارد.
بين التأييد والمعارضة
ويؤكد خبراء قانون دستوري أن الدستور المصري يجيز من حيث المبدأ تعديله عبر الإجراءات المنصوص عليها في المادة 226، لكن ذلك يتطلب مسارًا دستوريًا محددًا يبدأ بطلب رسمي ثم موافقة مجلس النواب والاستفتاء الشعبي. ويشدد هؤلاء على أن أي تعديل لا يصبح نافذًا إلا بعد استكمال جميع هذه المراحل.
من جانبها، ترى قوى وشخصيات معارضة أن إعادة طرح فكرة تعديل الدستور بعد سنوات قليلة من تعديلات 2019 تثير تساؤلات بشأن استقرار القواعد الدستورية في البلاد. وتعتبر أن الدساتير يفترض أن توفر إطارًا ثابتًا للحياة السياسية، وأن تكرار تعديل النصوص المتعلقة ببنية السلطة التنفيذية أو مدد الرئاسة قد يضعف الثقة في مبدأ تداول السلطة ويجعل القواعد الدستورية أكثر ارتباطًا بالظروف السياسية الآنية من ارتباطها بالمبادئ الدائمة. كما ترى المعارضة أن الأولوية ينبغي أن تتركز على تطبيق النصوص الدستورية القائمة، ولا سيما المواد المتعلقة بالحريات العامة واستقلال القضاء وتعزيز الرقابة البرلمانية، بدلًا من فتح الباب أمام تعديلات جديدة تخص هيكل السلطة السياسية.
ويذهب معارضون أيضًا إلى أن الجدل الحالي يعكس غياب نقاش سياسي واسع حول مرحلة ما بعد 2030، معتبرين أن تداول السلطة بصورة منتظمة يمثل أحد أهم عناصر الاستقرار السياسي وليس مصدرًا للاضطراب. ويرون أن وجود مؤسسات قوية وأحزاب فاعلة وانتخابات تنافسية هو الضمان الحقيقي لاستمرار الدولة، بغض النظر عن الأشخاص. وفي هذا السياق، يدعو عدد من الأحزاب والحركات المعارضة إلى فتح حوار وطني أوسع بشأن مستقبل النظام السياسي، يشمل إصلاح قوانين الانتخابات والأحزاب والإعلام، بما يهيئ بيئة تسمح بتعدد المرشحين وتوسيع المشاركة السياسية، بدلًا من حصر النقاش في مسألة تعديل مدد الرئاسة.
من جانبه، انتقد الناشط جمال والي ما أسماه التلميحات غير المبررة من بعض المنتفعين بالأجهزة السيادية، وبمجلسي النواب والشيوخ، ومن أبواق الإعلام الرسمي؛ لتغيير بعض مواد الدستور، خاصةً مدد الرئاسة.
وأوضح أن السيسي عام 2030 سيكون بعمر 76 سنة، قضى منها 16 سنة متواصلة في الحكم، متسائلاً: "ماذا يستطيع الرئيس السيسي أن يقدمه في هذا السن، ولم يقدر على تقديمه طوال المدة التي مضت؟".
في المقابل، يرى مؤيدون للسلطة أن الدستور نفسه وضع آلية قانونية لتعديله إذا اقتضت المصلحة العامة ذلك، وأن أي تعديل مستقبلي -إن طُرح- سيكون خاضعًا لإجراءات دستورية واضحة تبدأ بموافقة البرلمان وتنتهي بالاستفتاء الشعبي، بما يجعل القرار النهائي بيد الناخبين. ويشيرون إلى أن العديد من الدول أجرت تعديلات دستورية استجابة لتحولات سياسية أو اقتصادية أو أمنية، وأن تقييم الحاجة إلى أي تعديل يجب أن يتم في ضوء ظروف الدولة ومتطلبات المرحلة، وليس باعتبار مبدأ التعديل أمرًا استثنائيًا في حد ذاته. ويرى هؤلاء أن الجدل الدائر حاليًا يبقى في إطار التكهنات السياسية ما لم يصدر أي تحرك رسمي أو مشروع تعديل مقدم وفق الإجراءات التي ينص عليها الدستور.
هل يسمح الدستور بإجراء تعديلات جديدة؟
يسمح الدستور المصري من حيث المبدأ بإجراء تعديلات دستورية جديدة، إذ ينظم ذلك في المادة 226 من الدستور المصري، التي تحدد الجهات المخولة باقتراح التعديل وآليات مناقشته وإقراره. ويجوز أن يتقدم بطلب التعديل رئيس الجمهورية أو خُمس أعضاء مجلس النواب، ثم يناقش البرلمان الطلب، وإذا وافق عليه من حيث المبدأ بأغلبية أعضائه، تُعد الصياغة النهائية وتُطرح للاستفتاء الشعبي خلال المدة التي يحددها الدستور، ولا يصبح التعديل نافذًا إلا بعد موافقة الناخبين في الاستفتاء العام.
لكن الدستور يضع قيودًا على سلطة التعديل، إذ تنص المادة نفسها على عدم جواز تعديل النصوص المتعلقة بإعادة انتخاب رئيس الجمهورية أو بمبادئ الحرية والمساواة، ما لم يكن التعديل متعلقًا بمزيد من الضمانات. ويهدف هذا القيد إلى حماية بعض المبادئ الدستورية الأساسية من التغيير الذي قد يمس جوهر النظام الدستوري أو الحقوق والحريات، مع الإبقاء على إمكانية تطوير النصوص إذا كان ذلك يؤدي إلى تعزيز الضمانات الديمقراطية والحقوقية.
وشهدت مصر بالفعل تعديلات دستورية عدة منذ إقرار دستور عام 2014، كان أبرزها تعديلات عام 2019 التي أُقرت بعد موافقة مجلس النواب المصري ثم الاستفتاء الشعبي، وشملت تمديد مدة الرئاسة من أربع إلى ست سنوات، وإعادة تشكيل بعض المؤسسات الدستورية، واستحداث مجلس الشيوخ، إلى جانب تعديلات أخرى تتعلق بالسلطة القضائية والقوات المسلحة. ويعني ذلك أن الدستور لا يحظر إجراء تعديلات جديدة مستقبلاً، لكنه يشترط الالتزام بالإجراءات والقيود المنصوص عليها في المادة 226.
ما أبرز السيناريوهات لما بعد 2030؟
بعد انتهاء الولاية الحالية لقائد الانقلاب في عام 2030، يمكن تصور عدة سيناريوهات دستورية وسياسية، أبرزها:
1 - انتقال السلطة وفق الدستور الحالي (السيناريو الدستوري)
إذا لم يطرأ أي تعديل على المادة 140، تُجرى انتخابات رئاسية لاختيار رئيس جديد، مع التزام النص الدستوري القائم الذي يحدد مدة الرئاسة بست سنوات ولمدتين رئاسيتين كحد أقصى. ويُعد هذا السيناريو الأكثر اتساقًا مع أحكام الدستور بصيغته الحالية. وهذا السيناريو بعيد التحقيق في ظل سلطة الانقلاب الحالية.
2 - تعديل الدستور قبل عام 2030
يجيز الدستور تعديل مواده وفق الإجراءات المنصوص عليها في المادة 226، والتي تبدأ بطلب من رئيس الجمهورية أو خُمس أعضاء مجلس النواب، ثم موافقة البرلمان، وأخيرًا طرح التعديل في استفتاء شعبي. ومن الناحية القانونية، يمكن أن يشمل أي تعديل المواد المنظمة لفترة الرئاسة إذا استوفى هذه الإجراءات، مع بقاء الأمر رهينًا بالإرادة السياسية والبرلمانية وموافقة الناخبين. وهذا السيناريو هو الأقرب للتحقيق في ظل المعطيات الحالية التي تتبعها الأجهزة الإعلامية والسياسية التابعة لسلطة الانقلاب.
3- بروز قيادة جديدة من داخل النظام أو خارجه
قد تتجه الدولة إلى الدفع بمرشح جديد يحظى بدعم مؤسسات الحكم أو يبرز من خلال المنافسة الانتخابية، بما يفتح الباب أمام انتقال السلطة إلى قيادة أخرى مع استمرار السياسات العامة أو إدخال تعديلات عليها وفق نتائج الانتخابات. ويُعد هذا السيناريو هو النمط المعتاد في الأنظمة الجمهورية التي تلتزم بقيود مدد الرئاسة دون تعديلها. وهذا السيناريو قد يبدو مستحيل التحقيق في الوقت الحالي، ولكن يمكن لسلطة الانقلاب أن تبرز شخصية منافسة من حيث الشكل لقائد الانقلاب بغية إضفاء نوع من الشرعية على العملية الانتخابية.
ملاحظة: لا توجد حتى الآن أي إجراءات رسمية معلنة أو مشروع تعديل دستوري مطروح يتعلق بمدة الرئاسة أو شروط الترشح بعد عام 2030، وبالتالي تبقى جميع السيناريوهات المستقبلية في إطار التحليل السياسي، بينما يظل الإطار القانوني الحاكم هو النصوص الدستورية النافذة.

