أثار بيان وزارة الداخلية المصرية الأخير بشأن ما قالت إنه إحباط مخطط لحركة "حسم" موجة جديدة من الشكوك والانتقادات، ليس فقط بسبب طبيعة الاتهامات التي أعاد طرحها، بل أيضًا بسبب التوقيت الذي خرج فيه البيان، وبعد الطريقة التي قُدمت بها الوقائع والأسماء والاعترافات المصورة. الجدل لم يتوقف عند حدود الرواية الأمنية نفسها، بل امتد إلى سؤال أوسع يتعلق باستخدام هذا النوع من البيانات في لحظات سياسية واقتصادية ضاغطة، وإلى ما إذا كانت الوزارة تعيد إنتاج ملف قديم بصياغة جديدة لتصنع منه حدثًا عامًا يغطي على أزمات أخرى تتفاقم في الداخل المصري.

 

في هذا السياق، جاء تعليق الكاتب الصحفي قطب العربي ليضع البيان في إطار سياسي وإعلامي أشمل، إذ قال إن ما أعلنته وزارة الداخلية عن حركة "حسم" ورد معظمه من قبل في مسلسل "رأس الأفعى"، مضيفًا أن مدة العرض فقط لم تسمح بإذاعة فيديو اليوم، فجرى نشره مستقلًا ليصنعوا منه حدثًا يغطي على الإجراءات التقشفية الأخيرة. واعتبر العربي أن تلفيق الاتهامات ليس جديدًا على وزارة الداخلية، وأن الزج بأسماء معروف عنها التزامها النهج السلمي يتم بصورة مقصودة لتشويه صورة الإخوان وإبقائها كفزاعة أو شماعة يعلق عليها النظام أخطاءه، إلى جانب تغذية الاتجاهات اليمينية المتطرفة في الغرب لتصنيف الإخوان جماعة إرهابية.

 

الكاتب الصحفي قطب العربى ما أعلنته وزارة الداخلية في بيانها عن حركة حسم اليوم ورد معظمه في مسلسل رأس الأفعى..يبدو فقط أن مدة العرض لم تسمح بإذاعة فيديو اليوم فنشروه مستقلا ليصنعوا منه حدثا يغطي على الإجراءات التقشفية الأخيرة .. تلفيق الاتهامات ليس جديدا على وزارة الداخلية.. والزج بأسماء معروف عنها التزامها النهج السلمي هو أمر مقصود لتشويه صورة الإخوان وإبقائها كفزاعة أو شماعة يعلق عليها النظام أخطاءه، وتغذية الاتجاهات اليمينية المتطرفة في الغرب لتصنيف الاخوان كجماعة ارهابية.

 

 

توقيت البيان أعاد واقعة يوليو 2025 إلى دائرة الأسئلة

 

زاد الجدل بعد تداول سؤال مباشر عن سبب إعلان وزارة الداخلية الآن عن واقعة تعود إلى منتصف 2025، إذ كانت الوزارة قد أعلنت في يوليو 2025 تصفية مواطنين هما "أحمد محمد عبد الرازق أحمد غنيم" و"إيهاب عبد اللطيف محمد عبد القادر" خلال وجودهما في محافظة الجيزة، بتهمة الانتماء إلى حركة "حسم"، إلى جانب مقتل مواطن آخر وإصابة ضابط. إعادة هذه الواقعة الآن إلى الواجهة، بعد مرور نحو عام عليها، دفعت كثيرين إلى التساؤل عن سبب توقيت الإعلان، ولماذا يعاد فتح الملف بهذه الصورة في هذه اللحظة بالتحديد.

 

وقع منتصف 2025.. وزارة الداخلية تعلن تصفية مواطنين في يوليو 2025، هما«أحمد محمد عبد الرازق أحمد غنيم» و«إيهاب عبد اللطيف محمد عبد القادر»، خلالوجودهما في محافظة الجيزة، بتهمة الانتماء إلى حركة «حسم»، إلى جانب مقتل مواطنآخر وإصابة ضابط ما سبب إعلان وزارة الداخلية عن الحادث الآنرغم مرور نحو عام عليه؟

 

 

ومن هنا اتسع النقاش من مجرد بيان أمني إلى تساؤل سياسي وإعلامي عن الهدف من إعادة تقديم حادث قديم في إطار جديد. فالرواية الرسمية قالت إن الأجهزة الأمنية تمكنت في 7 تموز / يوليو الماضي من مداهمة مقر اختباء عنصرين من الحركة بمحافظة الجيزة، وزعمت أن الأفراد بادروا بإطلاق النار على القوات، ما أسفر عن مصرعهما واستشهاد أحد المواطنين وإصابة ضابط. لكن طرح الوقائع نفسها بعد أشهر طويلة، وربطها فجأة بملف أوسع عن "إحياء العمل المسلح"، جعل كثيرين يتعاملون مع البيان بوصفه بناءً دعائيًا أكثر منه مجرد تحديث أمني.

 

علي عبد الونيس.. اختفاء قسري ثم ظهور داخل رواية أمنية مكتملة

 

بعد أكثر من 6 أشهر من الغياب التام والاختفاء القسري، عاد اسم الشاب المصري علي محمود عبد الونيس إلى الظهور، لكن هذه المرة من داخل بيان رسمي لوزارة الداخلية ومن خلال مشاهد مصورة أثارت تساؤلات واسعة حول ظروف اختفائه وملابسات تسليمه من خارج البلاد. عبد الونيس كان قد اختفى منذ 19 آب / أغسطس الماضي بعد سفره من تركيا إلى نيجيريا، بحسب تصريحات زوجته زينب عبد السلام، التي قالت إنها فقدت الاتصال به فور مغادرته، ولم تصلها أي معلومات رسمية عن مكان احتجازه أو حالته الصحية.

 

وأضافت زوجته أن عدة أشهر مرت من دون أي تواصل أو إخطار رسمي، قبل أن ترد معلومات متفرقة من أشخاص أكدوا وجوده لدى الأجهزة الأمنية المصرية، وهو ما أثار قلقًا حقوقيًا وأسريًا متزايدًا حول مصيره. ثم جاء بيان وزارة الداخلية ليقول إن علي محمود عبد الونيس، الذي وصفته بأنه "قيادي هارب"، خضع لاحقًا لتحقيقات مكثفة بعد القبض عليه وتسليمه من نيجيريا، في إطار ما قالت إنه ملاحقة لعناصر تخطط للإضرار بمقدرات الدولة وتنفيذ سلسلة من العمليات العدائية ضد المنشآت الأمنية والاقتصادية في البلاد.

 

ومع نشر الداخلية ما وصفته باعترافات عبد الونيس، عادت الشكوك بصورة أكبر، لأن منظمات حقوقية عديدة شككت في تلك الاعترافات انطلاقًا من حقيقة أنه كان مختفيًا قسريًا لمدة ستة أشهر كاملة، من دون أي تواصل قانوني أو حضور محام. هذه الفترة الطويلة، بحسب المنتقدين، تجعل أي اعترافات صادرة عنه موضع جدل واسع بشأن الظروف التي سُجلت فيها، خصوصًا أن الفيديو الذي بثته الداخلية حمل رسائل شخصية وتنظيمية ودينية بدت لكثيرين جزءًا من بناء روائي مكتمل أكثر من كونها مادة قانونية مجردة.

 

وكانت زوجته زينب عبد السلام قد قالت إن زوجها "تعرض للتسليم للدولة المصرية بكل خيانة وغدر وتكتم"، مضيفة أنه مختف قسريًا منذ شهور من دون أي معلومات عن مكان احتجازه أو حالته الصحية والنفسية، وأن الأسرة لم تتلق أي إخطار رسمي بخصوص وضعه القانوني أو الجهة المحتجزة له.

 

 

وأضافت في تصريحات سابقة منذ شهور أنه وفق شهادات أشخاص، فهو موجود لدى الأجهزة الأمنية المصرية، لكنه خضع لتحقيقات من قبل جهاز الأمن الوطني مع استمرار منعه من التواصل مع ذويه أو محاميه، وهو ما اعتبرته انتهاكًا صارخًا لحقوقه الأساسية. كما قالت إن القضية أثارت قلقًا واسعًا لدى المنظمات الحقوقية الدولية، التي حذرت من ترحيل قسري لعبد الونيس من نيجيريا إلى مصر، معتبرة أن ذلك يعرضه لخطر التعذيب أو سوء المعاملة، خاصة في ظل وجود قضايا ذات طابع سياسي بحقه.

 

 

منظمات حقوقية تشكك في الرواية الرسمية ورسائل مصورة تثير مزيدًا من الجدل

 

في كانون الأول / ديسمبر الماضي، أصدرت عدة منظمات حقوقية، من بينها هيومن رايتس إيجيبت ومركز الشهاب لحقوق الإنسان، بيانات تحذر من استمرار الإخفاء القسري، مشددة على أن تسليمه لمصر يشكل تهديدًا مباشرًا لحياته وحريته في ظل التقارير المتكررة عن التعذيب وسوء المعاملة للمعتقلين السياسيين في البلاد. تلك المنظمات أكدت أيضًا أن المحاكمات التي صدرت ضده في مصر تفتقر إلى أدنى معايير النزاهة والعدالة، وأن أي إجراءات تعسفية بحقه تمثل انتهاكًا واضحًا للقوانين الدولية لحقوق الإنسان، بما في ذلك مبدأ عدم الإعادة القسرية واتفاقية الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب.

 

وأشارت زوجته كذلك إلى أن هذه المنظمات دعت السلطات النيجيرية إلى الالتزام بالقانون الدولي ومبدأ عدم الإعادة القسرية، وضمان سلامة عبد الونيس وحقه في محاكمة عادلة وعلنية حال توجيه أي اتهامات له.


 

وفي ديسمبر الماضي أصدرت عدة منظمات حقوقية، من بينها هيومن رايتس إيجيبت ومركز الشهاب لحقوق الإنسان، بيانات تحذر من استمرار الإخفاء القسري، مشددة على أن تسليمه لمصر يشكل تهديدًا مباشرًا لحياته وحريته في ظل التقارير المتكررة عن التعذيب وسوء المعاملة للمعتقلين السياسيين في البلاد. وأكدت تلك المنظمات أن المحاكمات التي صدرت ضده في مصر تفتقر إلى أدنى معايير النزاهة والعدالة، وأن أي إجراءات تعسفية تنتهك القوانين الدولية لحقوق الإنسان، بما في ذلك مبدأ عدم الإعادة القسرية واتفاقية الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب.

 

 

وفي المقابل، زعمت وزارة الداخلية تورط عبد الونيس في عدد من العمليات الإرهابية، رغم وجوده خارج البلاد، ومن بينها استهداف كمين العجيزي بالمنوفية، وتفجير مركز تدريب الشرطة بطنطا، واغتيال اللواء عادل رجائي بمدينة العبور، والمشاركة في التخطيط لتفجير معهد الأورام، والتواصل مع تنظيم "المرابطون"، والمشاركة في إنشاء معسكرات تدريب للعناصر المسلحة، والتخطيط لإعادة إحياء النشاط المسلح داخل البلاد. هذا الاتساع في لائحة الاتهامات، مقرونًا بفترة الاختفاء القسري الطويلة، زاد من تشكك المتابعين في طبيعة الملف والكيفية التي جرى بها بناؤه وإخراجه للرأي العام.

 

وخلال التسجيل الذي بثته الداخلية المصرية، وجّه عبد الونيس حديثه إلى ابنه وزوجته وقيادات تنظيم حركة "حسم"، محذرًا من الانخراط في أي أعمال مسلحة، وناصحًا ابنه بالتمسك بالدين الصحيح والابتعاد عن التطرف، وقال: "يا ابني.. خلي بالك من نفسك، نفسك غالية فلا تضيّعها فيما لا يستحق، لا تنخدع بأي شعارات أو أفكار تجرّك إلى طريق لا نهاية له إلا الخسارة". كما أوصى زوجته بالاعتناء بالطفل وتربيته على القيم الصحيحة، مؤكدًا أن الحياة أمانة يجب أن تُعاش بما يرضي الله.

 

ثم وجّه رسالة إلى قيادات التنظيم قال فيها: "كفاية.. كفاية إهدارًا لأرواح الشباب، وكفاية ضياعًا لأعمارهم في السجون أو في طرق لا تعود عليهم إلا بالخسارة. كثير من هذه الطرق لا يحركها إلا مصالح شخصية أو أوهام سلطة وجاه". وختم حديثه بالدعاء: "أنا بدعي ربنا يسامحني، وبطلب من كل اللي بيحبوني يدعولي بالمغفرة.. مفيش حد بيبقى جاهز يقابل ربنا وهو شايل ذنوب، ولا وهو مشارك في دم الدم كبيرة جدًا عند ربنا.. وأنا خايف من الحساب". لكن نشر هذه الرسائل بهذه الصياغة لم ينه الجدل، بل زاده حدة، لأن السؤال الذي بقي حاضرًا بقوة هو نفسه الذي بدأ به الجدل كله: هل نحن أمام رواية أمنية مكتملة فعلًا، أم أمام ملف أعيد إخراجه في توقيت محسوب ليؤدي وظيفة سياسية وإعلامية تتجاوز حدود الوقائع المعلنة نفسها.