كذبت الشبكة المصرية لحقوق الإنسان ادعاء وزارة الداخلية بشأن وفاة مواطن حتى الموت داخل أحد أقسام الشرطة. 

 

وأعلنت الشبكة وفاة المحاسب عمرو جميل محمود محمد (38 عامًا) داخل حجز قسم شرطة 15 مايو بحلوان يوم السبت الماضي، بعد ساعات من القبض عليه مساء الجمعة، عقب مشاجرة مع أحد ضباط القسم، واتهامه بالاتجار في المخدرات، وحيازة سلاح أبيض، وهي اتهامات مثّلت صدمة لكل من عرف المتوفى وعاشره، لما عُرف عنه من حسن السيرة، وعدم تورطه سابقًا في أية قضايا.

 

تفنيد مزاعم الداخلية حول الوفاة 

 

وعزت وزارة الداخلية سبب الوفاة إلى مشاجرة داخل الحجز بين المتوفى وأحد النزلاء، وهو ما كذبته الشبكة المصرية استنادًا إلى شهادات ومصادر مباشرة تؤكد وجود آثار تعذيب واضحة ومتفرقة على جسد المتوفى، شملت القدم والرأس وأجزاء أخرى من الجسم، إضافة إلى آثار ربط بحبل في القدم، وهي إصابات لا يمكن منطقيًا أن تنتج عن مشاجرة عادية بين محتجزين، بل تثير شبهة قوية بتعرضه لتعذيب بدني داخل مقر الاحتجاز.

 

كما أثار التقرير تساؤلًا بالغ الخطورة حول ما ورد من أن تقرير طبيب مستشفى النصر بحلوان أرجع الوفاة إلى سكتة قلبية، في تجاهل لما أكدته المصادر وشهود العيان من وجود آثار تعذيب متعددة وواضحة على الجثمان، وهو ما عاينه أيضًا وكيل نيابة 15 مايو الذي شاهد تلك الإصابات، وأمر بإرسال الجثمان إلى مشرحة زينهم لبيان ما به من إصابات.

 

وأقر التقرير بوجودها. وهو ما – حال ثبوته – يشير إلى محاولة لتبرئة الجناة، وطمس معالم جريمة محتملة، بخاصة في ظل التناقض الصارخ بين هذا التقرير والرواية اللاحقة لوزارة الداخلية التي تحدثت عن مشاجرة داخل الحجز، بحسب الشبكة المصرية لحقوق الإنسان.

 

وجاء في بيان وزارة الداخلية أن المتوفى شعر بحالة إعياء بعد الواقعة، وتم نقله إلى المستشفى حيث توفي، مع تأييد عدد من النزلاء لهذه الرواية. غير أن هذا الطرح لا يبدد الشكوك، بل يفتح بابًا واسعًا للتساؤل في ظل تضارب الروايات الطبية والرسمية حول السبب الحقيقي للوفاة، وهو تضارب لا يمكن قبوله في واقعة وفاة داخل مكان احتجاز يخضع للمسؤولية القانونية الكاملة لجهة الاحتجاز.

 

تساؤلات حول الوفاة 

 

وفي هذا السياق، طرحت الشبكة المصرية استفسارات مشروعة لا يمكن القفز عليها:

 

- لماذا طُلب من أسرة المتوفى الإقرار بأن الوفاة طبيعية حتى يتسنى لهم استلام الجثمان، على الرغم من أن الوفاة حدثت داخل مقر احتجاز رسمي؟

- لماذا لم يتم إبلاغ الأسرة منذ البداية بأن الوفاة – وفق رواية الداخلية – نتجت عن مشاجرة داخل الحجز، وليس بالسكتة القلبية كما ورد في التقرير الطبي الأولي؟

- كيف يمكن تفسير وجود آثار كلابش وربط وتعذيب واضحة على القدم والجسد، في حين تصف الرواية الرسمية الواقعة بأنها مجرد مشاجرة، مع الفارق الطبي والقانوني الجلي بين إصابات المشاجرات وآثار التعذيب؟

- ضرورة مراجعة كافة تسجيلات كاميرات المراقبة المنتشرة داخل قسم شرطة 15 مايو، والتدقيق فيها منذ لحظة دخول المتوفى إلى القسم وحتى خروجه منه وقد لفظ أنفاسه الأخيرة، باعتبارها دليلًا حاسمًا لكشف حقيقة ما جرى وتحديد المسؤوليات بدقة.

 

محاولة طمس الحقيقة

 

وقالت الشبكة المصرية إنها ترى أن هذه الملابسات مجتمعة تشكل شبهة جدية بمحاولة طمس حقيقة ما جرى داخل مكان احتجاز يفترض أن يكون مسؤولًا قانونًا عن حماية حياة وسلامة المحتجزين، لا أن يتحول إلى بيئة تهدد أرواحهم. 

 

وأكدت أن سلامة أي محتجز تظل مسؤولية كاملة ومباشرة لجهة احتجازه، بغض النظر عن طبيعة الاتهامات المنسوبة إليه.

 

وشددت على أن ما حدث – وفق الوقائع المنشورة – يمثل مؤشرًا خطيرًا على استمرار الانتهاكات داخل أماكن الاحتجاز، بما يهدد حياة المواطنين ويقوض الثقة في سيادة القانون، إذ لا يجوز أن تنتهي إجراءات القبض والاحتجاز بوفاة محتجز في ظروف غامضة دون تحقيق جاد ومستقل يكشف الحقيقة كاملة.

 

وعليه، طالبت الشبكة المصرية بفتح تحقيق عاجل وشفاف ومستقل في ملابسات الوفاة، ومحاسبة كل من يثبت تورطه – فعلًا أو تقصيرًا – في أي اعتداء أو إهمال أدى إلى وفاة المتوفى، ووقف كافة أشكال العنف ضد المحبوسين، تأكيدًا على أن تطبيق القانون لا يكون بالتعذيب أو الانتقام، بل بالعدالة والمساءلة وصون كرامة الإنسان.