في وقتٍ تفرض فيه حكومة عبدالفتاح السيسي إجراءات صارمة لترشيد استهلاك الكهرباء، يتشكل مشهد متناقض يثير جدلًا واسعًا في الشارع: مدن حديثة تتلألأ أضواءها بلا انقطاع، مقابل أحياء وشوارع تقليدية تغرق في ظلام مبكر، وسط مخاوف متصاعدة من تداعيات أمنية واقتصادية.

 

القرارات التي أعلنتها الحكومة برئاسة مصطفى مدبولي، تقضي بإغلاق المحال التجارية والمطاعم والمراكز التجارية ودور السينما عند الساعة التاسعة مساءً، مع مد العمل حتى العاشرة في عطلات نهاية الأسبوع، إلى جانب إطفاء إنارة الشوارع والإعلانات وتقليص استهلاك الوقود الحكومي.

 

ترشيد قاسٍ في الشارع.. وإضاءة كاملة في المدن الجديدة

 

بينما تدخل هذه الإجراءات حيز التنفيذ في معظم المحافظات، تتزايد شكاوي المواطنين من أن تطبيقها يبدو غير متوازن، إذ تشير ملاحظات ميدانية إلى استمرار الإضاءة بكثافة في مدن ومشروعات حديثة مثل العاصمة الإدارية الجديدة والعلمين الجديدة، حيث تبدو الشوارع والميادين مضاءة بشكل كامل “كما لو كان النهار”.

 

في المقابل، تعيش أحياء شعبية ومناطق تقليدية في القاهرة ومحافظات أخرى حالة من الإظلام شبه الكامل مع حلول التاسعة مساءً، بعد إطفاء أعمدة الإنارة وتقليص الإضاءة العامة، ما حوّل شوارع بأكملها إلى مساحات معتمة.

 

هذا التباين خلق شعورًا متزايدًا لدى المواطنين بوجود فجوة في تطبيق سياسات الترشيد، وأثار تساؤلات حول معايير توزيع الأحمال الكهربائية وأولويات الإنفاق.

 

“مدينة أشباح”.. الحياة الليلية تختفي

 

مع أولى ليالي التطبيق، وصف مواطنون المشهد في العديد من الأحياء بأنه أقرب إلى “مدينة أشباح”، حيث اختفت الحركة تدريجيًا بعد ساعات قليلة من غروب الشمس، وأُغلقت المحال، وخفتت الأنوار، وتراجعت الكثافة البشرية بشكل ملحوظ.

 

ويؤكد عاملون في قطاعات خدمية، أن الشوارع التي كانت تنبض بالحياة حتى منتصف الليل أصبحت شبه خالية، ما أثر بشكل مباشر على مصادر دخلهم اليومية.

 

اقتصاديًا، تشير تقديرات إلى أن إغلاق المحال مبكرًا قد يؤدي إلى خسارة تتراوح بين 30% و50% من الإيرادات اليومية، خاصة أن النشاط التجاري يعتمد بدرجة كبيرة على الفترة المسائية.

 

 

مخاوف أمنية تتصاعد

 

الأثر الأكثر إثارة للقلق، بحسب مواطنين وخبراء، يتمثل في البعد الأمني، فمع تراجع الإضاءة وإغلاق الأنشطة، تتزايد المخاوف من: ارتفاع معدلات السرقة، وانتشار تجارة المخدرات، وحوادث التحرش والخطف، وضعف الإحساس بالأمان في الشوارع.

 

ويشير مواطنون إلى أن وجود الإضاءة والحركة التجارية كان يمثل عامل ردع طبيعي للجريمة، بينما يؤدي الظلام إلى خلق بيئة أكثر ملاءمة للأنشطة غير القانونية.

 

كما أعرب البعض عن قلقهم من تأثير ذلك على الأسر، خاصة النساء والأطفال، في ظل صعوبة الحركة ليلًا وانخفاض مستوى الأمان.

 

اقتصاد تحت الضغط

 

في موازاة المخاوف الأمنية، تتزايد الضغوط الاقتصادية على أصحاب الأعمال، خاصة المشروعات الصغيرة والمتوسطة التي تعتمد على ساعات العمل المسائية.

 

ويحذر خبراء من أن استمرار هذه السياسات قد يؤدي إلى: تسريح عمالة واسعة، وتراجع القوة الشرائية، وتباطؤ النشاط التجاري.

 

كما تواجه قطاعات مثل السينما والترفيه خسائر فورية بسبب تقليص ساعات التشغيل، ما يهدد استمرارية بعض الأنشطة.

 

السياحة بين الاستثناء والتأثر

 

ورغم استثناء المدن السياحية مثل شرم الشيخ والغردقة من مواعيد الإغلاق، إلا أن التأثير غير المباشر يظل قائمًا، إذ تتأثر تجربة السائح بإغلاق المتاجر والمرافق مبكرًا وتراجع الحياة الليلية التي تُعد عنصر جذب أساسي.