حين تُمدِّد الدولة إدراج أسماء على قوائم الإرهاب لخمس سنوات، ثم يظهر ضمن الأسماء إبراهيم منير (نائب المرشد العام لجماعة الإخوان) رغم أنه متوفّى منذ عام 2022، فالمسألة لا يمكن تفسيرها كخطأ عابر أو “تفصيلة إدارية”. وجود اسم متوفّى داخل قرار يفترض أنه مبني على فحص ومراجعة وتجديد للخطورة والضرورة، يكشف نمطًا أعمق: التعامي المتعمد عن الحقيقة لأن الهدف ليس إدارة خطر قائم، بل تثبيت وصم سياسي وإبقاء الخصومة مفتوحة حتى بعد موت الخصم.

 

الوفاة ليست معلومة هامشية قابلة للتجاوز. هي واقعة قاطعة تُنهي  وفق أبسط مبادئ العدالة  فكرة المسؤولية الجنائية الشخصية. فإذا كان شخص قد مات، فكيف يُبرَّر استمرار إدراجه في قائمة تُفرض بسببها قيود ووصمة اجتماعية وسياسية؟ هنا يتضح أن “قوائم الإرهاب” لا تُستخدم فقط كإجراء احترازي، بل تتحول إلى عقوبة ممتدة بالنيابة: عقوبة رمزية وإعلامية تمتد إلى عائلة المتوفى وسمعته وتاريخه، وتخدم خطابًا رسميًا يريد تثبيت الاتهام كحقيقة نهائية غير قابلة للنقاش.

 

القوائم تتحول إلى آلية وصم جماعي لا إلى تدبير قانوني محدّد

 

المفترض في أي منظومة عدالة أن القرارات الاستثنائية تُبنى على تدقيق فردي: لكل اسم أسباب محددة، ووقائع مرتبطة به، ومراجعة حقيقية عند التجديد. لكن إدراج المتوفى خصوصًا إن كان شخصية عامة ومعروفًا خبر وفاته يرسل رسالة معاكسة: أن القائمة تُدار بمنطق القوائم الجاهزة والتجديد الجماعي، وأن الغاية ليست وزن الوقائع بقدر ما هي إعادة إنتاج القرار نفسه كل عدة سنوات.

 

حين تتوسع الدولة في استخدام الإدراج لسنوات طويلة، يصبح الإدراج “واقعًا” قائمًا بذاته: الشخص يُصنّف إرهابيًا لأن اسمه على القائمة، لا لأن ملفه أُعيد فحصه وأثبت خطرًا مستمرًا. وهذا يخلق حلقة مغلقة تفتقد جوهر العدالة:

 

القرار يصنع الاتهام، والاتهام يبرر استمرار القرار، ثم يُقال للناس إن ذلك “قانوني” لأنه صادر عن محكمة. لكن القانون هنا يصبح شكلًا دون مضمون، لأن المضمون يتطلب مراجعة تتغير مع تغيّر الوقائع، وأهم الوقائع هنا أن المتهم مات وانتهى أي معنى “لمنع سفره” أو “تقييد تحركاته” أو “تحجيم خطره”.

 

الأخطر أن هذه القوائم تُستَخدم في المجال العام كسلاح سياسي: من يدخل القائمة يُنزَع عنه الحق في الدفاع داخل المجال العام، ويُختزل إلى وسم واحد. وعندما يُدرج متوفى مثل إبراهيم منير، فهذا يعني أن الدولة لا تريد فقط معاقبة الحي، بل تريد إلغاء إمكانية المراجعة التاريخية نفسها: تثبيت الرواية الرسمية حتى ضد من لم يعد حاضرًا ليرد.

 

ما الذي تكسبه السلطة من إبقاء اسم المتوفّى؟

 

ضمّ المتوفى إلى قوائم الإرهاب يحقق للسلطة عدة مكاسب سياسية ورمزية، حتى لو لم يكن له أي معنى أمني مباشر. أولها أن الإدراج يصبح رسالة ردع: “الوصم لا ينتهي”. الرسالة موجهة للأنصار والمتعاطفين والحيّز الاجتماعي المحيط بالاسم: من يعارض سيدفع ثمنًا لا يتوقف بوفاته، وسيظل موصومًا بعد موته. هذه الرسالة تخدم منطق السيطرة عبر الخوف لا منطق سيادة القانون.

 

ثانيها أن إبقاء الاسم خصوصًا لشخصية قيادية  يساهم في تثبيت سردية أن خصوم الدولة “خطر دائم”، حتى لو اختفى الشخص جسديًا. وهذا يبرر استمرار السياسات الاستثنائية، ويُنتج حالة طوارئ مستمرة بحجة مكافحة “تهديد” لا ينتهي. لكن الحقيقة أن التهديد هنا يتحول إلى مفهوم مطاطي: إذا كان المتوفى خطرًا، فمن ليس خطرًا إذن؟

 

ثالثها أن إدراج المتوفى يُستخدم لتبرير إجراءات تمتد لغيره: فحين تتحدث الدولة عن “شبكات” و“تمويل” و“كيانات”، يصبح الاسم المتوفى مجرد حجر في بناء اتهامي أكبر، يُستدعى لإكمال الرواية لا لتحديد المسؤولية الفردية. وهكذا يصبح القانون أداة لصناعة “مجال اتهامي” واسع يلتهم الفوارق بين الأحياء والأموات، بين الفعل والنية، وبين الإدانة والإدانة المتخيّلة.


واخيرا وجود اسم إبراهيم منير  المتوفى عام 2022  ضمن قرار تمديد إدراج أسماء على قوائم الإرهاب لخمس سنوات، إن صحّ كما ورد في الخبر، لا يفضح فقط خللًا إداريًا بل يكشف اختيارًا سياسيًا متعمدًا: تحويل القوائم إلى وسيلة وصم وعقاب لا تنتهي عند حدود الوقائع ولا حتى عند حدود الحياة والموت. إن الدولة التي تُدرج الموتى لا تقاتل خطرًا حقيقيًا بقدر ما تُحارب ذاكرة المجتمع، وتُصادر حقه في التساؤل والمراجعة. هذه ليست عدالة، بل استخدام للقانون لتثبيت الخصومة وإدامتها، وإرسال رسالة مفادها أن السلطة لا تبحث عن الحقيقة بقدر ما تبحث عن الإخضاع.