في أول يوم من شهر رمضان، حيث ينتظر الناس أذان المغرب على موائد مثقلة بالغلا وضيق الحال، تختار حكومة الانقلاب أن تبدأ الشهر بإشارة سياسية واقتصادية فجة: اقتراض جديد بقيمة 95 مليار جنيه عبر أذون خزانة، يُقدَّم في بعض الخطابات كجزء من “الاستعدادات” للموسم الرمضاني وحملات “دعم” و“حماية اجتماعية”. في السياق الساخر الذي يقدمه الفيديو المتداول
صباح الخير
— عائشة السيد - Aisha AlSayed (@aishaalsayed9) February 19, 2026
حكومة مصرنا الجميلة اقترضت 95 مليار جنيه في اول يوم من شهر رمضان الكريم للمساهمة في حملة افطار صائم مبكرا قبل اذان المغرب٠ pic.twitter.com/B6py2DHnqg
تصير الحكاية وكأن الحكومة “تتبرع” لمائدة إفطار صائم من جيب لا يخصها، بينما الحقيقة أن هذا الاقتراض يتم باسم الدولة وعلى حساب الحاضر والمستقبل معًا، وأن فاتورة “إفطار الصائم” لن تُدفع من خزائن السيسي وحكومته، بل من عرق ملايين المصريين وحقوق أجيال لم تولد بعد.
في بلد يواجه موجات متتالية من التضخم، وانهيارًا في القوة الشرائية للجنيه، وارتفاعًا جنونيًا في أسعار السلع الأساسية، يصبح كل إعلان جديد عن طرح أذون خزانة أو سندات أو الحصول على قروض خارجية بمثابة جرس إنذار إضافي بأن السلطة لا تنوي تغيير مسارها، بل تواصل إدارة الدولة بمنطق “العيش على الدَّين”، ثم تغليف ذلك بخطاب الرحمة الاجتماعية والحرص على الفقراء.
حملة “إفطار صائم” على حساب الأجيال
السخرية في وصف الاقتراض بأنه “مساهمة في حملة إفطار صائم مبكرًا قبل أذان المغرب” ليست مجرد نكتة، بل تلخيص لسياسة كاملة: حكومة الانقلاب تنفق بسخاء من أموال ليست في حوزتها، وتقدّم “مكرمات” و“حزم حماية” للفئات الأضعف، بينما تموّل كل ذلك عبر فتح خزائن الدَّين على مصراعيها. ما يُقدَّم للمواطن اليوم في صورة زيادة مؤقتة في دعم تمويني أو منحة نقدية موسمية، سيتم تحصيله منه أضعافًا عبر الضرائب غير المباشرة، وارتفاع الأسعار، وبيع الأصول العامة، وإفقار الخدمات الأساسية من صحة وتعليم ونقل.
في المقابل، لا يجرؤ النظام على فتح نقاش حقيقي حول أولويات الإنفاق: لماذا تُخصص موارد ضخمة لمشروعات بلا عائد مباشر على معيشة الناس؟ لماذا يُصرّ السيسي على استمرار نفس نمط “المشروعات الكبرى” التي تخدم صورة النظام أكثر مما تخدم الاقتصاد الحقيقي؟ لماذا تُدار الدولة كأنها شركة خاصة تُنقل بين البنوك والأسواق المالية لسدّ عجز مستمر، بينما يُحرم المجتمع من حقه في محاسبة من قرر ومن وقّع ومن استفاد؟ هذه الأسئلة تغيب عن الإعلام الرسمي وتُمنع من المجال العام، لذا تخرج في شكل سخرية مريرة على منصات التواصل، كما في الفيديو
https://x.com/i/status/2024399394284720547.
السيسي وحكومة الديون الدائمة
منذ اللحظة الأولى لحكم السيسي، كانت فلسفة الإدارة الاقتصادية واضحة: الاقتراض الكثيف، وبيع الأصول، وتوسيع الضرائب غير المباشرة، مع تضييق سياسي كامل يمنع أي معارضة من تقديم رؤية بديلة أو محاسبة جادة. تتوالى الحكومات والوزراء، لكن القاعدة الثابتة واحدة: كل أزمة تُقابَل بقرض جديد، وكل عجز يُغطّى بأذون خزانة وفوائد أعلى، وكل “حزمة اجتماعية” تأتي مصحوبة بخطوة أخرى في دوامة الدَّين.
حكومة الانقلاب لا ترى في المصريين شركاء، بل ترى فيهم “قاعدة تمويل” دائمة: ما لا تستطيع تحصيله اليوم بالضرائب، ستحصله غدًا عبر التضخم وتآكل قيمة الجنيه، وما لا تستطيع تغطيته من موارد حقيقية، ستغطيه باسمهم من الدائنين، ثم تُلقي عليهم عبء السداد. وبينما يُقدَّم السيسي باعتباره “راعي الفقراء” في الخطاب الرسمي، تكشف الأرقام والوقائع أن الفقراء هم أول من يُسحق تحت كلفة خدمة الدَّين ورفع الأسعار وخفض الدعم الحقيقي عن الخدمات العامة التي يحتاجونها للبقاء.
توقيت الاقتراض في أول رمضان ليس تفصيلاً؛ إنه رسالة ضمنية بأن النظام ماضٍ في طريقه بلا تردد، وأن موسماً يفترض أن يحمل معنى الرحمة والتكافل تحوّل تحت هذه السلطة إلى موسم لإعادة تدوير الصورة، وتوزيع بعض الفتات المدعوم بالديون، والترويج لنفس السياسات التي صنعت الأزمة. لا مراجعة، لا اعتراف بالإخفاق، لا تغيير لمسار ثبت فشله، بل إصرار على تحميل المجتمع مزيدًا من الأعباء، بينما تُصان امتيازات النخبة العسكرية والسياسية والمالية لحكومة الانقلاب.
ما بين ضحكة السخرية ومرارة الواقع
المواطن الذي يشاهد الفيديو
https://x.com/i/status/2024399394284720547
قد يضحك للحظة على فكرة “إفطار صائم ممول بالدَّين”، لكنه يعرف في قرارة نفسه أن هذه الكوميديا السوداء ليست ترفًا بل وسيلة لالتقاط الأنفاس في بلد لا يسمح بالاعتراض المنظم. حين تُغلق صناديق السياسة، وتُصادر الأحزاب المستقلة، ويُحاصر الإعلام الحر، تتحول السخرية إلى لغة شعبية لمواجهة سلطة ترفض سماع أي صوت آخر. لكن السخرية وحدها لا تكفي؛ فهي تكشف العجز والفشل، لكنها لا تغيّر المسار ما لم تتحول إلى وعي جمعي بأن ما يجري ليس قدرًا، بل نتيجة خيارات سياسية واقتصادية محددة، يتحمل السيسي وحكومته مسؤوليتها المباشرة.
واخيرا إفطار على الدَّين وصيام عن العدالة
اقتراض 95 مليار جنيه في أول يوم من رمضان لم يعد مجرد رقم في نشرة مالية، بل صار رمزًا لطريقة حكم كاملة: سلطة انقلابية تحوّل الدَّين إلى أسلوب حياة للدولة، وتحوّل حياة الناس إلى سلسلة لا تنتهي من التقشف الإجباري والصبر القسري. تحت هذه الإدارة، يصوم المصريون عن حقوقهم في اقتصاد عادل ودولة شفافة ومحاسبة حقيقية، ويفطرون كل يوم على وجبة جديدة من الغلاء والضرائب وقرارات تُتخذ باسمهم دون مشاركتهم. ما لم يتوقف هذا النمط من الحكم، وما لم يُحاسَب من قرر أن مستقبل البلد يُرهن لأجل بقاء نظام واحد ورئيس واحد، سيظل رمضان وغيره مجرد تواريخ تُضاف إلى أجندة الديون، لا محطات لالتقاط الأنفاس وبداية لمسار مختلف.

