اندلع حريق هائل داخل مصنع ملابس بالمنطقة الصناعية بمدينة 6 أكتوبر، حيث تصاعدت أعمدة الدخان الكثيفة في سماء المدينة، وهرعت فرق الحماية المدنية لمحاولة السيطرة على النيران التي التهمت أجزاء كبيرة من المصنع. الصحف المحلية أكدت إصابة 8 أشخاص على الأقل باختناق، وسط حالة استنفار أمني وتوافد لسيارات الإطفاء والإسعاف، لكن السيطرة على الحريق لم تكتمل بعد، مما يثير تساؤلات حول مدى جاهزية المنشآت الصناعية لمواجهة مثل هذه الكوارث. هذا الحادث ليس الأول، ولا يبدو أنه سيكون الأخير، في بلد تشهد تكرارًا مرعبًا للحرائق التي تكشف فشلاً متراكمًا في السلامة والرقابة.
الدخان لا يخفي سوى الإهمال المزمن، حيث تتكرر هذه المآسي في المناطق الصناعية دون أن تُحدث تغييرًا جذريًا في السياسات الحكومية، بينما يبقى العمال والعاملات أول ضحايا لنظام يفتقر إلى الوقاية والاستعداد الحقيقي.
نيران الإهمال في قلب المنطقة الصناعية
تلقت غرفة عمليات النجدة بلاغًا عاجلاً بنشوب حريق داخل مصنع ملابس بمدينة 6 أكتوبر، فانتقلت فورًا سيارات الإطفاء مصحوبة بفرق الإسعاف للميدان. تصاعد الدخان الأسود الكثيف من المبنى، مُشكّلاً سحابة تُغطّي المنطقة، بينما تجمّع العاملون خارج المصنع في حالة من الذعر والترقّب. رجال الحماية المدنية نجحوا في السيطرة على جزء من النيران بعد جهود مكثّفة، لكن عمليات التبريد مستمرة لمنع إعادة اشتعالها، وسط تقارير أولية تُفيد بإصابة 8 أفراد باختناق شديد نُقِلوا إلى المستشفيات.
أسباب الحريق غير معروفة حتى اللحظة، لكن التجربة تُشير إلى أن معظم الحرائق في المصانع تنبع من مخالفات أمنية مألوفة: أسلاك كهربائية مُتهالكة، مخازن مواد قابلة للاحتراق دون فصل، وغياب أنظمة إطفاء حديثة. المنطقة الصناعية بـ6 أكتوبر، التي تضم عشرات المنشآت، شهدت حوادث مشابهة سابقًا، مما يجعل هذا الحدث تكرارًا لنفس السيناريو المأساوي الذي يعرّض أرواح العمال للخطر يوميًا.
حرائق متكررة.. فشل رقابي مُزْمِن
حرائق المصانع في مصر ليست أحداثًا نادرة، بل وباءً ينتشر في المناطق الصناعية دون أن تُبذل جهودًا حقيقية للحد منه. من المنطقة الصناعية بالعاشر من رمضان إلى السادس من أكتوبر، تتكرر الكوارث بنفس الأسباب: إهمال في الصيانة، ضعف الرقابة على التراخيص، وغياب تدريبات إخلاء فعالة للعمال. الحكومة تُعلن عن حملات تفتيش دورية، لكنها تبقى شكلية، تُغلَق بتقارير مُطَمْئِنَة لا تُترجم إلى إجراءات ملموسة.
العاملون هم الضحايا الأولى دائمًا، يعملون في بيئات تفتقر إلى مَخارَج الطوارئ، وأجهزة كشف الدخان، وأسطوانات إطفاء صالحة، بينما تُدار المنشآت بمنطق الربح على حساب السلامة. الدولة، التي تتحدّث عن "التنمية الصناعية"، تتجاهل تخصيص ميزانيات كافية لمعايير السلامة الدولية، مما يحوّل المصانع إلى قنابل موقوتة تنفجر بين الحين والآخر، تُدمّر ممتلكات وتُهدّد أرواحًا.
رقابة شكلية ومسؤوليات مُتَقَتِّلَة
الرقابة على السلامة في المناطق الصناعية تبدو كلازمة مُتَكَرَّرَة في بيانات رسمية، لكن الواقع يُثبت عكس ذلك. شركات الإشراف الحكومي تفتقر إلى الأجهزة الحديثة والكوادر المُتَدرَّبَة، والتراخيص تُمنح دون تفتيش دوري حقيقي، بينما يُتَجَاهَلُ انتهاكات مثل تراكم القمامة القابلة للاحتراق أو الأبواب المُغْلَقَة في حالات الطوارئ. أصحاب المصانع يواجهون غرامات رمزية، والمسؤولون يختفون خلف تحقيقات لا تُثْمِرُ، تاركين العمال يدفعون الثمن بصحَّتهم وحياتهم.
هذا النمط يعكس فشلاً إداريًا أعمق: غياب قوانين صارمة تُلْزِمُ بمعايير عالمية، وضعف التنسيق بين الجهات الأمنية والصحية والصناعية، مما يجعل كل مصنع هدفًا محتملاً لكارثة. بدلاً من الاستثمار في الوقاية، تُرْكِزُ السلطات على الإطفاء بعد وقوع الحادث، في دورة مُفْرَغَة لا تُنْهِيْ الإهمال الأساسي.
وأخيرا فإنه متى تنتهي كوارث الإهمال؟
حريق مصنع الملابس بـ6 أكتوبر ليس مجرّد حدث عابر، بل إنذارٌ بأن المناطق الصناعية أصبحت مسرحًا لكوارث متكررة بسبب إهمال مُزْمِنٍ في السلامة والرقابة. إصابة العشرات باختناق وتهديد أرواح أخرى يكشف فجوة بين الوعود الرسمية والواقع المُرّ، حيث تُدَبَّرُ المصانع بمنطق الربح دون احترام للحياة البشرية. حان الوقت لإصلاح جذري: تطبيق معايير سلامة صارمة، تفتيش دوري حقيقي، ومحاسبة فورية للمُخْتَلِفِينَ، قبل أن تتحوّل كل منطقة صناعية إلى مصدر دَخَانٍ وألم.

