تدخل الحرب في السودان طورًا مختلفًا، لا من حيث كثافة النيران فحسب، بل من حيث طبيعة الأهداف الاستراتيجية وتبدّل خرائط السيطرة. فقد تمكن الجيش السوداني من فك الحصار عن مدينتي الدلنج وكادوقلي في جنوب كردفان بعد معارك استمرت أسبوعًا، مستعيدًا مناطق رئيسية مثل هبيلا، ومحدثًا اختراقًا ميدانيًا اعتُبر الأهم منذ أشهر طويلة.

 

لم تكن العملية مجرد تقدم عسكري تقليدي، بل اعتمدت على تكتيكات تضليل واستنزاف أربكت قوات الدعم السريع والحركة الشعبية بقيادة عبد العزيز الحلو. تقدم الجيش أولًا عبر محاور فرعية جنوب الأبيض وصولًا إلى تخوم الدبيبات، ما دفع خصومه إلى حشد كثيف لقواتهم على الطريق الرئيسي المؤدي إلى الدلنج. عندها شن الجيش هجومًا مباغتًا من الجهة الشرقية، فك الحصار، ثم اندفع جنوبًا نحو كادوقلي بعد تدمير أرتال عسكرية كانت تسيطر على الطرق الحيوية.

 

هذا التحول لا يختزل في استعادة مدينتين، بل يمثل كسرًا لحصار دام أكثر من عامين، تسبب في تجويع السكان، وتعطيل الخدمات، وقصف متواصل طال الأحياء السكنية. اليوم، ومع فتح خطوط الإمداد من بورتسودان مرورًا بالنيل الأبيض والأبيض وأبوجبيهة وصولًا إلى كادوقلي، تتغير معادلات القوة في جنوب كردفان جذريًا.

 

المسيرات والانتقال إلى حرب التكنولوجيا

 

العامل الفارق في هذه الجولة لم يكن عدديًا بقدر ما كان تقنيًا. فقد لعبت المسيرات الحديثة دورًا حاسمًا في ترجيح كفة الجيش، سواء عبر الضربات الدقيقة التي أزالت أكثر من 15 موقعًا لقوات الدعم السريع، أو من خلال مهام الاستطلاع التي أحبطت الكمائن وقطعت خطوط الإمداد.

 

هذا الاستخدام المكثف للطائرات المسيّرة يعكس انتقال الجيش إلى نمط قتال أكثر مرونة وفاعلية، بعد إعادة هيكلة متحركاته وترميم تشكيلاته القتالية. تصريحات المتحدثين العسكريين تشير بوضوح إلى أن الدلنج وكادوقلي كانتا “الاختبار العملي الأول” لهذه التشكيلات المعدّلة، وأن الهدف يتجاوز فك الحصار إلى “اكتساح بري شامل”.

 

وصول الجيش إلى كادوقلي ليس حدثًا تكتيكيًا عابرًا، بل فاصلة زمنية بين مرحلتين: مرحلة الدفاع الطويل تحت الحصار، ومرحلة الهجوم المنظم الذي قد يمتد إلى غرب وجنوب كردفان، وربما يفتح الطريق نحو دارفور. الخيارات المطروحة أمام القيادة العسكرية تشمل التقدم نحو تلودي والجبال الجنوبية الشرقية، وفرض حصار محكم على معاقل الحركة الشعبية في كاودا وأم دورين، وصولًا إلى قطع آخر طرق الإمداد المؤدية إلى الخرسانة في غرب كردفان.

 

طريق الصادرات.. معركة الإرادات المفتوحة

 

في شمال كردفان، تتخذ المواجهة طابعًا مختلفًا لكنه لا يقل خطورة. فمحيط مدينة بارا وطريق الصادرات الرابط بين أم درمان والأبيض يشهدان معارك استنزاف حادة. السيطرة على هذا الطريق تعني التحكم في شريان لوجستي يربط العاصمة بالعمق الغربي، وبالتالي يحدد قدرة أي طرف على التمدد نحو غرب كردفان ودارفور.

 

خريطة السيطرة تعكس حالة انقسام حاد: الجيش يحتفظ بالأبيض وأم روابة وعدد من البلدات، بينما تنتشر قوات الدعم السريع في مناطق واسعة شمال وغرب الولاية. ويبدو أن القيادة العسكرية في الأبيض – حيث نُقلت غرفة العمليات الرئيسية – تستعد لعملية واسعة نحو الخوي والنهود، بهدف حسم معركة كردفان قبل الانتقال غربًا.

 

في المقابل، يحشد الدعم السريع قواته غرب الأبيض ويكثف قصفه المدفعي، في محاولة لإعاقة أي التفاف عسكري قد ينطلق من الدلنج نحو أبو زبد، وهو سيناريو قد يوقعه في كماشة استراتيجية تجبره على الانسحاب من طول طريق الصادرات. هكذا تتحول كردفان إلى مسرح اختبار لإرادة الطرفين: إما كسر التوازن الحالي، أو الدخول في استنزاف طويل ينهك الجميع.

 

النيل الأزرق.. تدويل الحرب وتقاطعات الإقليم

 

ومع تراجع مواقعها في كردفان، سارعت قوات الدعم السريع والحركة الشعبية إلى تنشيط جبهة النيل الأزرق، الإقليم الغني بالموارد والحساس جغرافيًا بحكم حدوده مع إثيوبيا وجنوب السودان، واحتضانه لخزان الروصيرص الاستراتيجي.

 

الجيش أعلن سحق قوة مهاجمة في منطقة السلك بمحلية باو، بعد اشتباكات تكررت في الأشهر الماضية. كما نفذ الطيران ضربات على مواقع في يابوس وملكن وخور البودي قرب الحدود الإثيوبية. غير أن أخطر ما في المشهد ليس الاشتباكات نفسها، بل الاتهامات المتبادلة حول دور إقليمي في تغذية الصراع.

 

تقارير إعلامية تحدثت عن وجود قواعد في منطقتي أصوصا وبني شنقول داخل إثيوبيا، تضم عناصر من الدعم السريع والحركة الشعبية، مع منصات إطلاق مسيرات حديثة. كما أشار مسؤولون سودانيون إلى تدفق إمدادات عبر جنوب السودان، من بينها مئات الشاحنات المحملة بالوقود. نائب رئيس مجلس السيادة مالك عقار تحدث صراحة عن وصول دعم عبر ميناء مومباسا مرورًا بجوبا، واتهامات بتواطؤ شخصيات نافذة هناك، رغم تأكيده أن حكومة الجنوب رسميًا لا تتبنى هذا المسار.

 

هذه الاتهامات، إن صحت، تعني أن الحرب لم تعد سودانية خالصة، بل باتت تتقاطع مع ملفات إقليمية معقدة: سد النهضة، التوتر الإثيوبي الإريتري، التنافس المصري الإثيوبي، وتوازنات القرن الإفريقي. أي اشتعال مباشر على الحدود قد يفتح الباب أمام صراع أوسع يتجاوز الخرطوم وجوبا وأديس أبابا.

 

في المقابل، تشير تحركات دبلوماسية أخيرة – من زيارات إقليمية رفيعة إلى اتصالات مكثفة – إلى إدراك متزايد بخطورة الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة. لكن الواقع الميداني يقول إن المعركة تتقدم أسرع من الدبلوماسية.

 

بين الحسم والانفجار الكبير

 

ما يجري في كردفان والنيل الأزرق ليس مجرد تبادل مواقع، بل إعادة رسم لخريطة القوة في السودان. فك الحصار عن الدلنج وكادوقلي منح الجيش دفعة معنوية واستراتيجية، لكنه في الوقت ذاته دفع خصومه إلى فتح جبهات جديدة، بعضها يتاخم حدودًا دولية ملتهبة.

 

السؤال لم يعد إن كان الجيش قادرًا على التقدم، بل ما إذا كان هذا التقدم سيُفضي إلى حسم داخلي، أم إلى تدويل أوسع للحرب. فالخطوط التي تُرسم اليوم في جبال جنوب كردفان وعلى ضفاف النيل الأزرق قد تحدد شكل الدولة السودانية في السنوات المقبلة، أو تفتح الباب أمام انفجار إقليمي لا يمكن احتواء تداعياته بسهولة.

 

السودان يقف عند منعطف حاد: إما استعادة زمام المبادرة داخليًا وإعادة فرض الدولة على كامل الجغرافيا، أو الانزلاق إلى صراع تتداخل فيه الجيوش والحدود والمصالح الدولية. وفي الحروب المفتوحة، لا يكون السؤال عن من يربح الجولة، بل عن من ينجو من تداعياتها.