كشفت صور حديثة للأقمار الصناعية عن تشغيل ضعيف ومتذبذب لسد النهضة الإثيوبي، رغم اكتمال تخزين يقدَّر بنحو 54 مليار متر مكعب في بحيرته.

 

في المقابل، أعلنت وزارة الموارد المائية والري في مصر حالة استنفار لإدارة إيراد نهر النيل، وسط طلب «مضاعف» على المياه مع غياب الأمطار وموجة حر غير معتادة في هذا التوقيت من العام، بينما يبقى الملف السياسي للسد مجمدًا مع استمرار ما تصفه القاهرة بـ«التعنت الإثيوبي».

 

 

تشغيل ضعيف وسحب محدود من بحيرة السد

 

الصور الرادارية التي جرى تحليلها مؤخرًا أظهرت أن سد النهضة يمر بمرحلة تشغيل «ضعيفة» منذ إعادة تشغيل بعض التوربينات في نوفمبر الماضي، بعد توقف كامل استمر لأسابيع.

 

بحسب تقديرات الدكتور عباس شراقي، أستاذ الموارد المائية بجامعة القاهرة، فإن الإيراد المائي الحالي عند السد في فبراير لا يتجاوز 20 مليون متر مكعب يوميًا، وهو معدل متواضع قياسًا بحجم بحيرة تخزين بهذا الحجم.

 

تشير الصور كذلك إلى تشغيل محدود لتوربين واحد فقط في كل جناح من أجنحة السد، بدلًا من تشغيل موسع يتناسب مع الخطاب الإثيوبي عن «سد عملاق لتوليد الكهرباء».

 

شراقي أوضح أن إجمالي السحب من البحيرة منذ الافتتاح الرسمي في سبتمبر لم يتجاوز 10 مليارات متر مكعب، ما أدى لانخفاض منسوب البحيرة بنحو 6 أمتار فقط، ليستقر المنسوب عند 634 مترًا فوق سطح البحر، بتخزين يقارب 54 مليار متر مكعب.

 

هذه الأرقام تعني أن إثيوبيا تحتفظ بكمية ضخمة من المياه خلف السد، مقابل تشغيل فعلي محدود للطاقة.

 

من زاوية فنية، يعكس ذلك إما مشكلات تشغيلية وتوربينية، أو اختيارًا سياسيًا لإدارة المنسوب بحذر، لكن من زاوية دول المصب، يبقى الجوهر واحدًا: مخزون كبير دون إطار قانوني ملزم لأسلوب الملء والتشغيل، خاصة في فترات الجفاف.

 

استنفار مصري أمام طلب مضاعف وغياب الأمطار

 

بالتوازي مع معطيات تشغيل سد النهضة، تواجه مصر وضعًا مائيًا معقدًا هذا الموسم.

 

وزارة الموارد المائية والري أعلنت حالة الاستنفار لإدارة إيراد النيل، في ظل عدم سقوط أمطار تُذكر على البلاد هذا الشتاء، مع موجة حر مبكرة رفعت الطلب على مياه الشرب والري في وقت يفترض نظريًا أن يكون فيه الاستهلاك أقل.

 

الوزير الدكتور هاني سويلم ترأس اجتماعًا دوريًا للجنة الدائمة لتنظيم إيراد نهر النيل، لوضع سيناريوهات التعامل مع ما وصفه بتحديات «الندرة المائية» والطلب المتزايد.

 

الوزارة تحدثت عن «إدارة مرنة» تضمن تلبية الاحتياجات المتصاعدة، مؤكدة جاهزية السد العالي والقناطر الرئيسية للتعامل مع أي طارئ هيدرولوجي، وضمان وصول المياه إلى قطاعات الري والشرب والكهرباء.

 

وفق بيان رسمي، تزامن الوضع الحالي مع نهاية فترة السدة الشتوية وبداية «الرية العامة» في جميع المحافظات، ما خلق طلبًا مضاعفًا على مياه الري في وقت قصير.

 

هذا أدى إلى اتخاذ إجراءات تشغيلية إضافية، بينها:

 

•  موازنات تشغيل على القناطر الرئيسية والفاصلة.

 

•  تشغيل مكثف لمحطات الرفع.

 

•  ضخ تصرفات ودرجات محددة لشبكة الترع في توقيتات محسوبة.

 

سويلم أكد استمرار متابعة التصرفات على مدار الساعة، والتأكد من جاهزية جسور المجاري المائية ومحطات الرفع ووحدات الطوارئ، لضمان بقاء المناسيب مناسبة أمام مآخذ محطات مياه الشرب ومحطات الكهرباء.

 

هذه اللغة تعكس أن الوزارة تتحرك في هامش ضيق بين إيراد محدد، وطلب متزايد، وملف إقليمي مفتوح على المجهول.

 

سد النهضة بين تعثر فني وجمود تفاوضي

 

تعثر تشغيل سد النهضة فنيًا لا يعني أن الخطر الاستراتيجي تراجع بالنسبة لمصر والسودان.

 

فبعد أكثر من عقد من المفاوضات المتقطعة، ما زالت القاهرة تتمسك بموقف ثابت تعتبر فيه النيل «قضية وجودية لا تقبل المساومة»، وتطالب باتفاق قانوني ملزم لملء وتشغيل السد، خصوصًا في سنوات الجفاف والجفاف الممتد.

 

رغم ذلك، اصطدم المسار التفاوضي بما وصفته مصر مرارًا بـ«التعنت الإثيوبي» والمراوغة في الالتزام بأي صيغة ملزمة، سواء في إطار الاتحاد الأفريقي أو عبر جولات ثنائية وثلاثية سابقة.

 

وفي ديسمبر 2023، أعلنت القاهرة رسميًا توقف المسار التفاوضي، مع تحميل أديس أبابا مسؤولية إفشال الوصول إلى اتفاق، والتأكيد على احتفاظ مصر بحقها في حماية أمنها المائي بكافة الوسائل.

 

على الأرض، يعني ذلك أن مصر تواجه اليوم معادلة صعبة:

 

•  سد ضخم يختزن عشرات المليارات من الأمتار المكعبة خلف حدودها.

 

•  تشغيل متذبذب لا يمكن التنبؤ به بشكل شفاف.

 

•  غياب اتفاق ملزم يُنظم التصرف في سنوات الفيضان الضعيف والجفاف.

 

وفي الوقت نفسه، تضطر القاهرة إلى إدارة ندرة مائية داخلية متصاعدة، مع نمو سكاني مستمر، وتغير مناخي يزيد الضغط على الموارد المتاحة.

 

الصور الأخيرة لسد النهضة تقدم إشارة واضحة إلى أن المشروع لا يعمل حتى الآن بالطريقة التي روّجت لها إثيوبيا، لكن من ناحية مصر، لا يقلل ذلك من خطورة وجود مخزون مائي ضخم يُدار بإرادة أحادية، بلا ضمانات قانونية أو آلية مشتركة لإدارة الأزمات.

 

وفي ظل هذا الواقع، تصبح أي موجة جفاف جديدة أو خلل هيدرولوجي حاد اختبارًا مباشرًا لقدرة الدولة المصرية على حماية أمنها المائي، في غياب مظلة تفاوضية فعّالة، ومع استمرار سد النهضة كعامل ضغط دائم على معادلة النيل بأكملها.