تتصاعد أسعار الدواجن في السوق المصرية مع اقتراب شهر رمضان، في وقت تتراجع فيه قدرة الأسر على تحمّل كلفة البروتين الحيواني.

 

الزيادات الأخيرة لم تعد تُقرأ فقط باعتبارها موجة موسمية عابرة، بل كاشفًا لأزمة أعمق في بنية سوق الدواجن، يتحكم فيها سماسرة الوسطاء، وترتبط بتكلفة أعلاف مستوردة وسلسلة توزيع مرتبكة، بينما يجد المستهلك نفسه في النهاية أمام فاتورة أعلى دون حماية حقيقية.

 

سوق تحت سيطرة السماسرة وشبهات احتكار

 

محمود العسقلاني، رئيس جمعية «مواطنين ضد الغلاء»، يصف المشهد ببساطة حادة: السوق خاضعة لسيطرة «سماسرة» يتحكمون في تحديد الأسعار اليومية.

 

بحسب طرحه، لا تتحرك الأسعار وفق كلفة الإنتاج وحدها، بل وفق هوامش وأسقف يضعها الوسطاء بين المزرعة ومحلات التجزئة، في ظل ضعف آليات الرقابة.

 

هذا النمط يخلق فجوة مستمرة بين سعر المزرعة وسعر المستهلك.

 

فحتى مع حديث الجهات الرسمية عن استقرار نسبي، يبقى المستهلك أمام زيادات متلاحقة، خاصة في المواسم مثل رمضان، حيث ترتفع كميات الاستهلاك، وتزداد حساسية الأسر لأي زيادة في الأسعار.

 

شبهات الممارسات الاحتكارية لا تتوقف عند مستوى التجزئة فقط، بل تمتد إلى حلقات الوساطة وتجار الجملة، حيث تُتهم بعض الدوائر بالسعي لتعطيش السوق مرحليًا، أو تمرير زيادات سريعة بحجة نقص المعروض، رغم أن الأرقام المعلنة عن الإنتاج لا تؤكد وجود عجز حاد حتى الآن.

 

ارتفاع موسمي أم أزمة هيكلية مستمرة؟

 

حسين أبو صدام، نقيب الفلاحين، يميل إلى قراءة مختلفة.

 

يرى أن جزءًا معتبرًا من ارتفاع الأسعار يعود إلى زيادة الطلب قبيل رمضان، مع تحوّل كثير من الأسر إلى اللحوم البيضاء بعد الارتفاع الكبير في أسعار اللحوم الحمراء.

 

من وجهة نظره، ما يحدث يمكن اعتباره «ارتفاعًا طبيعيًا» في ظل زيادة الإقبال والاستهلاك الموسمي.

 

أبو صدام يشير إلى أن أسعار الدواجن في المزارع شهدت مؤخرًا استقرارًا نسبيًا عند نحو 70 جنيهًا للكيلو، مع توقع استمرار هذا المستوى خلال رمضان، رغم أن الأسعار كانت قد لامست مستويات أعلى في فترات سابقة ثم تراجعت قليلًا.

 

في المقابل، تحذر أصوات أخرى من الاكتفاء بتفسير «الطلب الموسمي».

 

فالزيادات المتكررة خلال العام، وليس في رمضان فقط، تعكس هشاشة واضحة في توازن السوق، وتظهر أن أي تغير محدود في الطلب أو في المعروض ينتقل بسرعة إلى سعر المستهلك، في ظل غياب مخزون استراتيجي كافٍ، وضعف التدخل المنظم لضبط الأسعار.

 

شعبة الدواجن: ضغوط الخسائر والأعلاف ترفع الكيلو نحو 90 جنيهًا

 

شعبة الدواجن باتحاد الغرف التجارية تقدّم تفسيرًا أقرب إلى المنتجين.

 

الدكتور عبد العزيز السيد، رئيس الشعبة، يؤكد أن الأسعار الحالية جاءت بعد عدة أشهر من الخسائر الكبيرة التي تكبدها المربّون، بسبب بيع الدواجن بأسعار «غير عادلة» لفترات طويلة مقارنة بتكلفة الإنتاج.

 

يضيف أن تكاليف الشتاء، من تدفئة وعلاج ونفوق أعلى نسبيًا، رفعت الكلفة بصورة إضافية، حتى وصل سعر الكيلو في المزرعة إلى نحو 76 جنيهًا.

 

هذا السعر ينعكس مباشرة على المستهلك بعد إضافة هوامش النقل والتوزيع والبيع بالتجزئة.

 

رئيس الشعبة يتوقع أن يصل سعر الكيلو إلى 90 جنيهًا في شهر رمضان إذا استمرت ضغوط الأعلاف والطاقة والطلب الموسمي، ولم تتدخل الدولة بأدوات أكثر فاعلية على مستوى الإمداد أو دعم مدخلات الإنتاج أو كسر حلقات الوساطة غير المنضبطة.

 

إلى جانب ذلك، يربط خبراء اقتصاديون ارتفاع الأسعار بتكلفة الأعلاف المستوردة، خاصة الذرة والصويا التي تمثل أكثر من 90% من مكونات الغذاء للدواجن.

 

أي زيادة في أسعار هذه المدخلات دوليًا، أو أي أزمة في توفير العملة الصعبة للاستيراد، تنعكس فورًا على تكلفة الإنتاج، ثم على سعر الكيلو للمستهلك.

 

كما تلعب تكاليف النقل والطاقة دورًا إضافيًا في الضغط على المنتج النهائي، في ظل ارتفاع أسعار الوقود والخدمات اللوجستية.

 

ومع تذبذب الأسعار خلال الأسابيع الماضية، يظهر بوضوح أن السوق شديدة الحساسية لعوامل العرض والطلب، وأن غياب تدخل منظم يترك المستهلك في مواجهة موجات ارتفاع متتالية.

 

مائدة رمضان تحت ضغط… ودواجن خارج متناول محدودي الدخل

 

الدواجن تمثل عنصرًا أساسيًا في سلة البروتين للأسر المصرية، خصوصًا في شهر رمضان، حيث ترتفع معدلات الاستهلاك وتكثر العزومات وتزداد أهمية اللحوم في الوجبات اليومية.

 

مع كل زيادة في الأسعار، تتقلص خيارات ملايين الأسر، خاصة محدودي ومتوسطي الدخل، الذين يعتمدون على الدواجن بوصفها «البروتين الأرخص» بعد خروج اللحوم الحمراء من حسابات كثيرين.

 

التحليلات الميدانية تشير إلى أن استمرار ارتفاع الأسعار قد يدفع شرائح أوسع إلى تقليل الكميات، أو الاكتفاء بشراء الدواجن في أيام محددة، أو التحول إلى أجزاء أقل سعرًا مثل الأجنحة والأرجل، بدلًا من شراء الدجاجة كاملة كما كان معتادًا.

 

ورغم تأكيدات من بعض المسؤولين حول «استقرار نسبي» للأسعار في المزارع، يبقى الفارق بين المزرعة والمستهلك كبيرًا، وتظل السوق عرضة لتقلبات شبه يومية بين ارتفاع وهبوط، ما يربك ميزانيات الأسر ويصعّب وضع خطة إنفاق واضحة للشهر الفضيل.

 

في هذا السياق، تبدو الحاجة ملحّة لتشديد الرقابة على حلقات التوزيع، وضبط هوامش الربح، والتعامل بجدية مع شكاوى الممارسات الاحتكارية، إلى جانب مراجعة سياسات استيراد الأعلاف وتوفيرها بسعر وتدفق مستقرين، إن أرادت الحكومة تخفيف الضغط عن المستهلك، ومنع خروج الدواجن هي الأخرى من متناول فئات واسعة من المصريين في رمضان.