مصطفى عبد السلام
رئيس قسم الاقتصاد في موقع وصحيفة "العربي الجديد"
زمة هيئة موانئ دبي العالمية الحالية أكبر من إقالة أفراد ولو كانوا بحجم أكبر مسؤول تنفيذي بها، ولا تكمن في إزاحة اسم سلطان بن سليم رئيس مجلس إدارتها السابق، والذي أقالته السلطات المسؤولة في أبوظبي يوم الجمعة الماضي، على خلفية علاقته القوية والمتشابكة بالملياردير الأميركي ومجرم الجنس المدان جيفري إبستين، بعد ضغوط دولية متزايدة.
ولا تكمن الأزمة في اسم رئيس مجلس إدارة الشركة الجديد عيسى كاظم، والذي تكشف الوثائق أنه كان موجودًا ضمن ملفات إبستين، حسب رسالة بريد إلكتروني منشورة على موقع وزارة العدل الأميركية. ولا تكمن أيضًا في إعلان مؤسسات دولية، منها وكالة تمويل التنمية البريطانية وصندوق التقاعد الكندي "لا كايس"، تعليق استثماراتهما الجديدة في الشركة الإماراتية التي تصنف على أنها إحدى أكبر شركات تشغيل الموانئ حول العالم، ولكنها تكمن فيما هو أكبر، في الأنباء المتداولة من وقت إلى آخر حول سمعة شركة موانئ دبي، والمعارك وعلامات الاستفهام التي تثار حولها، ومحاولات التشكيك المستمرة في بعض أنشطتها.
فعلى مدى السنوات الماضية كانت شركة موانئ دبي من أبرز الشركات العالمية الأكثر إثارة للجدل في عالم التجارة والمناطق الحرة والموانئ واللوجستيات، حيث لاحقتها الشائعات في دول عدة، وعند بعض المتابعين إلى أنشطة الشركة، تحولت من مجرد مطور لوجستي وشركة تجارية إلى أداة نفوذ وذراع قوي ومشروع سياسي بثوب اقتصادي، بل وفي فترة ما بعد 2020 تحولت موانئ دبي عند البعض إلى منصّة إقليمية دولية للنفوذ الإسرائيلي في الموانئ ذات الحساسية المرتفعة.
وطوال سنوات مضت تم تداول أنباء عن تلاعب الشركة الإماراتية في الأسواق، بل ذهب البعض إلى حد توجيه انتقادات لإحدى أكبر شركات تشغيل الموانئ بأنها بمثابة "محتل" اقتصادي، وتمثل تهديدًا للأمن القومي لبعض الدول التي توجد بها كما ورد على لسان مسؤولين، وأنها تسعى من خلال النفوذ المالي وشراء الولاءات إلى محاولة فرض هيمنة كاملة، ليس على معظم موانئ العالم فقط، بل على دوائر صنع القرار في تلك الدول، خاصة أن السيطرة على الموانئ تعطي الشركة قدرة على الولوج إلى معلومات حساسة تتعلق بأنشطة التجارة الخارجية والصادرات والأمن البحري واحتياجات الأسواق.
أحدث مثال على ذلك، الخطوة التي أقدمت عليها الحكومة الصومالية الشهر الماضي، حيث ألغت جميع الاتفاقات مع الإمارات وموانئ دبي، بما في ذلك الصفقات والعقود المتعلقة بالموانئ والتعاون الدفاعي والأمني، وحجة مقديشو هي اتهام الدولة الخليجية بتقويض سيادتها الوطنية.
وأثار رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر ووزراء بحكومته في أكتوبر 2024 زوبعة حول ممارسات التوظيف في شركة موانئ دبي العالمية، وهي الخطوة التي دفعتها إلى الانسحاب من قمة الاستثمار الحكومية البريطانية، ثم الإعلان لاحقًا عن استثمار بقيمة مليار جنيه إسترليني في ميناء لندن غيتواي.
وقبلها كان قرار الحكومة البريطانية المثير للجدل في عام 2024 والتي عرقلت استثمارات إماراتية بمليارات الدولارات في شركات كبرى، على رأسها صفقة الاستحواذ على 14.6% من مجموعة فودافون للاتصالات، وصفقة استحواذ أخرى على مجموعة تلغراف الإعلامية بزعم تهديد الأمن القومي البريطاني.
وبعضنا تابع ما جرى في الولايات المتحدة في بداية العام 2006 عقب شراء شركة موانئ دبي العالمية شركة "بي أند أو" البريطانية لإدارة الموانئ، ومحاولة الشركة الإماراتية الاستحواذ على ستة موانئ أميركية كبرى بموجب صفقة بقيمة 6.85 مليارات دولار. وعقب إتمام الصفقة انفجر الوضع داخل الإدارة الأميركية، حيث نشب جدل حول أنشطة موانئ دبي، وبرز نقاش جاد وساخن حول تهديد الشركة العالمية الأمن القومي في الولايات المتحدة، وعرفت الأزمة وقتها بأزمة الموانئ الأميركية.
وعلى الرغم من موافقة إدارة جورج بوش الابن على الصفقة في ذلك الوقت ودفاعها بقوة عنها، إلا أن شخصيات سياسية أميركية نافذة ومختلفة رأت أن الاستحواذ الإماراتي على الموانئ الأميركية يمثل خطرًا على الأمن القومي للبلاد، وأن إدارة موانئ دبي للموانئ الأميركية سيهدد أمن تلك الموانئ. بل وتم تقديم تشريع إلى الكونغرس لتأخير البيع واجهه بوش بالفيتو، وانتهى الجدل برفض المجلس التشريعي الصفقة وانسحاب الشركة الإماراتية من صفقة الاستحواذ على الموانئ الأميركية.
وداخل المنطقة، لا يمكن لأحد إنكار مدى تغلغل شركة موانئ دبي العالمية في قطاع الموانئ المصري خلال السنوات الأخيرة. فالشركة تسيطر على 90% من ميناء العين السخنة، و32% من أسهم ميناء الإسكندرية، كما تشارك بنسبة 49% في عدد من مشروعات هيئة قناة السويس، فضلًا عن نفوذها المتنامي في موانئ مصرية عدة منها دمياط وسفاجا، والعاشر من رمضان.
وفي 2018 اتهمت جيبوتي شركة موانئ دبي العالمية بتعزيز نفوذها بشكل يضر بمصالح الدولة، وقررت تجريدها من الامتيازات والسيطرة على محطة حاويات "دوراليه". وأنهت جيبوتي من جانب واحد امتياز الشركة، وأجبرت موظفيها على مغادرة البلاد.
يتكرر المشهد في دول أخرى منها الجزائر، حيث تدير محطة الحاويات في ميناء الجزائر العاصمة منذ عام 2009 بموجب عقد امتياز مدته 30 عامًا. وتتولى تشغيل محطة الحاويات في ميناء جن جن بمحافظة جيجل شرقي البلاد، وهو من أكبر الموانئ في الجزائر، بعقد بدأ في عام 2009 ويمتد 30 سنة.
ويتعقد الموقف في ظل حالة توتر العلاقة بين العاصمتين العربيتين، وتلويح بقطع الجزائر لعلاقاتها الدبلوماسية مع أبو ظبي، خاصة بعد أن باشرت الإجراءات اللازمة لإلغاء الاتفاقية المتعلقة بالخدمات الجوية مع الإمارات، في 13 مايو 2013.
ولا ننسى دور موانئ دبي العالمية في تعميق مشروعات التطبيع مع دولة الاحتلال والمشاركة في تطوير الموانئ والمناطق الحرة والبنى التحتية للتجارة الإسرائيلية ووضعها على خريطة التجارة الدولية، ففي 2020 وقعت موانئ دبي عددًا من مذكرات التفاهم مع شركة دوفرتاوار العبرية، بهدف فرص تطوير البنية التحتية اللازمة للتجارة بين الإمارات وإسرائيل، وتعزيز الحركة التجارية في عموم المنطقة.

