حين يخرج رئيس الهيئة العربية للتصنيع اللواء مختار عبد اللطيف ليعلن بثقة أن «مصر وصلت إلى مرحلة الاكتفاء الذاتي في تصنيع عربات مترو الأنفاق والبضائع»، يبدو الكلام لأول وهلة مبشِّرًا.

لكن ما إن ندخل إلى التفاصيل حتى نكتشف أن «الاكتفاء الذاتي» هنا أقرب إلى شعار دعائي منه إلى وصف دقيق لواقع صناعي معقد يعتمد – في جوهره – على استيراد التكنولوجيا والأنظمة الحساسة بمئات الملايين من الدولارات، بينما يقتصر «الجزء المحلي» على الهياكل والدهانات والمقاعد.

 

التجربة العملية لعقد تصنيع وتجميع 80 عربة مترو (10 قطارات مكيفة) داخل مصنع سيماف بالتعاون مع شركة هيونداي روتم، والقفز بين عقود استيراد كاملة من كوريا وإسبانيا وفرنسا واليابان والصين، تكشف أن ما لدينا حتى الآن هو «اكتفاء بالمساندة» لا «اكتفاء ذاتي»، وأن المصريين يُباع لهم حلم «صُنع في مصر» بينما قلب القطار وعقله يظلان مستوردين بالكامل.

 

ما حقيقة «الاكتفاء الذاتي» في مصنع سيماف؟

 

تصريح اللواء مختار عبد اللطيف يقوم على إنجاز حقيقي جزئي: خط إنتاج لعربات المترو بمصنع سيماف، وتجربة تصنيع وتجميع 80 عربة بالتعاون مع هيونداي روتم، مع نسبة مكوّن محلي لا يُستهان بها في الهياكل المعدنية والدهانات والزجاج والمقاعد والأبواب.

لكن كلمة «الاكتفاء الذاتي» تُوحي للمواطن أن العربة من الإبرة للصاروخ «صناعة مصرية 100٪»، وهذا ببساطة غير صحيح.

 

فالعقد مع هيونداي روتم، الذي وُقّع عام 2017 لتصنيع وتجميع 80 عربة مترو داخل مصر، قام على معادلة واضحة:

 

  • المكوّنات الحساسة (أنظمة الجر الكهربائي، وحدات التحكم الإلكترونية، أنظمة التكييف، تكنولوجيات الأمان والتشغيل) تُصنَّع في كوريا وتُشحن إلى مصر.
  • أما ما يُصنع محليًا فيشمل الهيكل الخارجي، التجهيزات الداخلية، وبعض العناصر الميكانيكية غير المعقّدة.

 

تقديرات مراقبين لنسبة المكوّن المحلي في هذه الدفعة تتراوح بين 40–50٪ فقط، مع «خطة» لزيادتها تدريجيًا في العقود المقبلة، لكن اللواء اختار أن يقفز فوق هذه التفاصيل ويقدّم الصورة النهائية على أنها «اكتفاء ذاتي»، لمجرد أن العربة خرجت من بوابة سيماف لا من ميناء الإسكندرية.

 

الأهم أن عقد 2017 نفسه لم يترجم إلى إنجاز سريع؛ فبين توقيعه وبدء دخول القطارات الخدمة فعليًا مرّت سنوات طويلة، نتيجة الحاجة لتطوير خطوط الإنتاج، واستيراد المكوّنات الحرجة، وإجراء اختبارات التشغيل والأمان، وتأخيرات التمويل والإجراءات المعتادة في العقود الحكومية.

النتيجة أن ما يمكن أن يُنجَز في دول صناعية خلال 3–4 سنوات، استغرق في الحالة المصرية نحو 8–9 سنوات كي يكتمل تشغيل الدفعة بالكامل، بينما تُسوَّق النتيجة إعلاميًا على أنها «قفزة صناعية» بلا أي إشارة لزمن التنفيذ أو حجم الاعتماد على الخارج.

 

أرقام العقود تفضح الوهم: مليارات الدولارات للقطارات المستوردة

 

لو كان لدينا حقًا «اكتفاء ذاتي» في تصنيع قطارات المترو، لكان المنطقي أن تتجه الدولة إلى سيماف في كل ما تحتاجه من عربات جديدة، لكن ما حدث هو العكس تقريبًا:

 

  • في 2017، حصلت هيونداي روتم على عقد توريد 256 عربة مترو كاملة (32 قطارًا) للمرحلة الثالثة من الخط الثالث لمترو القاهرة، بقيمة 433 مليار وون (نحو 377–404 ملايين دولار)، عقد يشمل التوريد والصيانة لثماني سنوات.
  • في 2021، وُقّع مع ألستوم عقد ضخم لتوريد 55 قطار مترو (9 عربات لكل قطار) لخط المترو الأول، مع عقد صيانة لثماني سنوات، بقيمة 876 مليون يورو.
  • في 2022–2024، أُبرمت اتفاقيات مع شركة تالجو الإسبانية لتوريد 7 قطارات نوم فاخرة، بقيمة تقارب 200 مليون يورو ممولة عبر قرض إسباني طويل الأجل.
  • في 2022، وُقّع عقد جديد بقيمة 656 مليون دولار مع هيونداي روتم لتصنيع وتوريد 40 قطار مترو (320 عربة) لخطَّي المترو الثاني والثالث، مع تصنيع جزئي محلي عبر مجمّع NERIC والهيئة العربية للتصنيع، لكن القلب التكنولوجي ظل كوريًا.

 

هذه الأرقام وحدها تكفي لتفنيد شعار «الاكتفاء الذاتي»:

 

  • مليارات الدولارات واليورو تُضخ في عقود استيراد قطارات كاملة أو شبه كاملة من كوريا وفرنسا وإسبانيا.
  • نسبة التصنيع المحلي، حين تُذكر، تكون في إطار «التجميع» وبعض المكوّنات البسيطة، بينما أنظمة الجر والتحكم والتكييف – أي عقل القطار وقلبه – تأتي من الخارج.

 

حتى في ملف قطارات النوم، لم تذهب الحكومة إلى «صناعة مصرية» بل إلى قرض إسباني طويل الأجل لشراء قطارات تالجو الجاهزة، مع وعود مستقبلية بنقل تكنولوجيا لم تظهر ثمارها بعد.

 

توطين صناعة المترو بين الشعار والتبعية المستمرة للتكنولوجيا الأجنبية

 

الحق أن التعاون مع شركات عالمية أمر طبيعي بل وضروري، ولا عيب في أن نستورد تكنولوجيا متقدمة ونتعلمها.

المشكلة ليست في العقد مع هيونداي روتم أو تالجو أو ألستوم أو ميتسوبيشي، بل في الطريقة التي تُباع بها هذه العقود للرأي العام تحت عناوين من نوع «اكتفاء ذاتي» و«تصنيع 100٪ في مصر» بينما الواقع يقول إننا في منتصف الطريق على أفضل تقدير.

 

اتفاقيات المونوريل مع الشركات الصينية، واتفاقات 2025 التي شهدها كامل الوزير لتوريد قطارات وبُنى تحتية وأنظمة إشارات مع شركات فرنسية ويابانية وصينية في مؤتمر TransMEA، كلها تعكس اتجاهًا واحدًا:

 

  • مصر تنفق بسخاء على شراء التكنولوجيا الجاهزة أو شبه الجاهزة.
  • نصيبها من «التوطين» يظل محدودًا في التجميع وبعض الأعمال المدنية والميكانيكية.
  • خطاب المسؤولين يقفز فوق هذه الحقائق ليُقدّم للمواطن صورة وردية عن «صناعة مصرية بالكامل».

 

لو أرادت الدولة مصداقية حقيقية في ملف التوطين، لقال اللواء مختار عبد اللطيف ببساطة:

«نجحنا في إنشاء خط إنتاج لعربات المترو في سيماف، نُصنّع فيه حاليًا نحو نصف المكونات، ونسعى لزيادتها إلى 70–80٪ خلال عشر سنوات، بالتعاون مع شركات عالمية لنقل التكنولوجيا».

 

هذا الخطاب الصريح كان سيُكسب المشروع احترامًا أكبر، ويضع الرأي العام أمام صورة دقيقة: نحن لا نزال في مرحلة «شراكة وتعلّم»، ولسنا في موقع «اكتفاء ذاتي» حقيقي.

 

أما الإصرار على استخدام مصطلحات من نوع «وصلنا إلى الاكتفاء الذاتي» لمجرد أن العربة خرجت من بوابة مصنع مصري وبداخلها أنظمة كورية ويابانية وإسبانية، فهو استمرار لسياسة «اللافتة قبل المضمون»؛ سياسة تغطي بها السلطة عجزها عن بناء قاعدة صناعية تكنولوجية حقيقية، وتكتفي بتلميع الصورة فوق شريط سكك حديد وسراب اسمه «صُنع في مصر».