فتح طلب الإحاطة العاجل الذي تقدّم به وكيل لجنة القوى العاملة بمجلس النواب، إيهاب منصور، ملفًّا شديد الحساسية مسّه مئات الآلاف من المصريين خلال السنوات الأخيرة: ملف تعويضات نزع الملكية للمنفعة العامة.
فبينما ترفع الحكومة شعار المشروعات القومية وتوسعة الطرق والمحاور، يعيش مواطنون انتُزعت منازلهم ومحالّهم سنواتٍ طويلة بلا تعويض عادل ولا حتى تعويض من الأساس، في ظل انهيار قيمة الجنيه وتضخّم أسعار العقارات.
القضية لم تعد خلافًا إداريًا أو تأخيرًا في الإجراءات، بل تحوّلت – كما وصفها منصور نفسه – إلى "مأساة" متكاملة الأركان؛ تمسّ جوهر العدالة الاجتماعية، وتضع علامات استفهام خطيرة حول احترام الدستور والقانون، وكيف تُدار علاقة الدولة بمواطنيها عندما تتحوّل مشروعات الطرق إلى كابوس اقتلاع من الجذور.
تعطيل التعويض وتحويل المالك إلى مستأجر مهدّد بالطرد
يركّز طلب الإحاطة على نقطة محورية: تأخر صرف التعويضات لسنوات تتجاوز الأربع في عدد من المحافظات، وعلى رأسها الجيزة، في وقت شهدت فيه البلاد سلسلة متتالية من قرارات تحرير سعر الصرف، ما يعني أن القيمة الاسمية للتعويض – وهي أصلاً هزيلة – فقدت جزءًا كبيرًا من قدرتها الشرائية قبل أن تصل إلى أصحابها.
إيهاب منصور يشير بوضوح إلى أن مماطلة الحكومة دفعت كثيرين إلى بيع ما تبقّى لديهم من ممتلكات أو ادخار بسيط لمواجهة أعباء الحياة، قبل أن يتحوّلوا من مالكين لوحدات سكنية إلى مستأجرين عاجزين عن دفع الإيجار.
هنا تتحوّل سياسة "التطوير" إلى تجريف اجتماعي؛ العائلة التي كانت تمتلك شقة على الطريق الدائري مثلًا، صارت تبحث عن حجرة بالإيجار في أطراف المدينة، في ظل موجة أسعار عقارية لا ترحم.
أسوأ من ذلك أن بعض الأسر – كما ينقل منصور – أصيبت أمراضًا نفسية وجسدية نتيجة الضغط المستمر، وعدم اليقين، والشعور بالظلم؛ فهم لا يملكون منازلهم القديمة، ولا يجدون تعويضًا يمكّنهم من بداية جديدة. بينما تستمر الخطابات الرسمية في الحديث عن "إنجاز" المحاور والطرق كعلامة على نجاح الدولة في التطوير العمراني.
خرق صريح للدستور والقانون… وتعويضات لا تتجاوز 16% من القيمة الحقيقية
الدستور المصري في مادته (35) حاسم لا لبس فيه: "لا تُنزع الملكية إلا للمنفعة العامة، ومقابل تعويض عادل يدفع مقدمًا وفقًا للقانون".
ما يحدث، وفق طلب الإحاطة، هو العكس تمامًا؛ نزع ملكية يتم أولًا، ثم تُترك الأسر سنوات بلا مقابل، في انتهاك مباشر للدستور نفسه، فضلًا عن قانون نزع الملكية رقم 10 لسنة 1990 وتعديلاته بالقانون 187 لسنة 2020، الذي يشترط تقدير التعويض وفق الأسعار السائدة وقت قرار المنفعة العامة، مع إضافة 20% على التقدير.
لكن الواقع يكشف – كما يوضح منصور – عن سلسلة من المخالفات المتراكمة:
• تأخر الدفع بالمخالفة لمبدأ "يدفع مقدمًا".
• عدم إعادة تقييم التعويضات رغم تغيّر الأسعار بشكل درامي خلال سنوات التأخير.
• عدم إضافة نسبة 20% المنصوص عليها قانونًا في حالات عديدة.
• تقليل المساحات المحسوبة للوحدات السكنية عند تقدير التعويض، واحتساب صالات الاستقبال الكبيرة كغرفة واحدة، خلافًا لما نصّت عليه القرارات المنظمة.
الأرقام التي يُفصّلها طلب الإحاطة صادمة: تعويض غرفة واحدة بـ40 ألف جنيه، واعتبار الصالة والمطبخ غرفتين ضمن هذا الحساب، لتصل الوحدة المكوّنة من ثلاث غرف إلى 160 ألف جنيه، في وقت تجاوز فيه سعر الوحدة المطلة على الطريق الدائري مليون جنيه في أدنى التقديرات.
أي أن التعويض لا يتجاوز 16% من القيمة الفعلية للعقار بعد موجات الغلاء المتعاقبة، مع عدم وجود وحدات في القاهرة الكبرى تقل قيمتها عن 800 ألف جنيه تقريبًا.
بهذا المعنى، لا يعود الحديث عن "تعويض عادل" إلا غطاء لغويًّا لعملية استيلاء قسري مدعومة بالقانون، لكنّها من حيث الجوهر تُفقِد المواطن ثروته العقارية وتلقي به في سوق إيجارات ملتهب، بلا شبكة أمان حقيقية.
فوضى وزارية، غياب بيانات، وتوسّع سلطات نزع الملكية بلا رقابة
جانب آخر لا يقل خطورة في الملف هو الفوضى المؤسسية التي يصفها منصور؛ فالتعويضات لا تُحدّد وفق آلية موحدة، بل تختلف من وزارة لأخرى في الحي نفسه، وكأن كل جهة تعمل في جزيرة منعزلة. وزارة الري، ووزارة النقل، ووزارة الإسكان، ووزارة الأوقاف، والجهات المحلية… لكلٍّ تقديراته وأرقامه وإجراءاته، بينما المواطن هو الحلقة الأضعف التي تدفع الثمن.
ورغم مناشدات النائب بتدعيم الإدارات المالية – مثل هيئة المساحة في الجيزة – بموظفين لإنهاء الملفات المتراكمة، لم تُستجب مخاطباته لوزير الري أو لرئيس الجهاز المركزي للتنظيم والإدارة، في انعكاس لثقافة رسمية تتعامل مع شكاوى المواطنين وممثليهم باعتبارها ملفات ثانوية يمكن تركها للزمن.
الأخطر أن الحكومة – بحسب طلب الإحاطة – لا تقدّم لمجلس النواب أي بيانات تفصيلية عن:
• عدد العقارات التي نزعت ملكيتها لصالح المشروعات.
• أعداد الأسر المتضررة التي حصلت على التعويض، أو ما زالت تنتظر.
• حجم التمويل المتاح وغير المتاح لصرف هذه التعويضات.
في المقابل، منح تعديل قانون نزع الملكية عام 2020 رئيس الجمهورية (أو من يفوضه) سلطة تقرير المنفعة العامة، كما منح المحافظين سلطة الاستيلاء المؤقت في حالات الضرورة؛ أي أن توسيع سلطات نزع الملكية لم يُرافقه توسيع مماثل لآليات الرقابة أو الشفافية أو حماية الحقوق.
اليوم، يطالب إيهاب منصور بحضور رئيس الوزراء مصطفى مدبولي شخصيًا إلى البرلمان لمناقشة هذه الأزمة الممتدة، التي لا تخص الجيزة وحدها، بل تمسّ مشروعات مثل الطريق الدائري ومحاور كمال عامر وعمرو بن العاص وترسا–أنور السادات، وما ارتبط بها من هدم نحو 1200 عقار مأهول بالسكان مقابل تعويضات وُصفت بالهزيلة.
في الخلفية، تتشكّل معادلة قاسية: دولة توسّع الطرق والجسور والعاصمة الإدارية بوتيرة محمومة، بينما تُدار حقوق المواطنين المنزوعة ملكياتهم بالحد الأدنى من التعويض، وبالحد الأدنى من الشفافية، وبأقصى قدر من البطء والتجاهل.
وهنا يصبح السؤال الحقيقي ليس عن "سرعة الإنجاز" في الأسفلت والخرسانة، بل عن معنى المواطنة عندما يتحوّل حق السكن الآمن إلى مجرّد رقم صغير في خانة "التعويضات" على هامش المشروعات القومية.

