في مشهد يلخص حجم التراجع الذي وصلت إليه مصر في عهد قائد الانقلاب عبد الفتاح السيسي، خرج وزير الخارجية بدر عبد العاطي أمام المقرر الخاص المعني بالحق في المياه، ليشكو أن نصيب الفرد المصري من المياه انحدر إلى أقل من 490 مترًا مكعبًا سنويًّا؛ أي داخل منطقة «الندرة المطلقة» وفق المؤشرات العالمية التي تعتبر ما دون 500 متر مكعب للفرد سنويًا كارثة مائية مكتملة الأركان.

 

لكن بدل أن يكون هذا الرقم صفارة إنذار لمراجعة سياسات فاشلة في ملف نهر النيل وسد النهضة وإدارة الموارد، تحوّل إلى أداة استجداء جديدة: «ساعدونا.. نحن عطاشى»، بعد أن فقدت مصر أوراق قوتها التفاوضية والعسكرية والدبلوماسية، وحُوِّل ملف المياه من ورقة ضغط إلى ورقة شكوى معلّقة في أروقة الأمم المتحدة.

 

استجداء في الأمم المتحدة بدل قوة على طاولة التفاوض

 

حين يقف وزير خارجية بلد ظل لعقود «سيد حوض النيل» ليعلن أن نصيب الفرد هبط إلى أقل من 490 مترًا مكعبًا، فهو يعترف ضمنًا بأن الدولة تقف في قلب منطقة الخطر، وأن أجيالًا كاملة مهددة في غذائها وزراعتها وحياتها. لكن الخطاب الرسمي يتعامل مع هذه الحقيقة كقدر سماوي لا علاقة له بسد النهضة ولا بإهدار المياه ولا بانهيار ملف التفاوض.

 

خبير الموارد المائية نادر نور الدين حذر مرارًا من أن ما نعيشه ليس فقط «ندرة طبيعية» بل «أزمة إدارة»، مشيرًا إلى أن قرارات فتح بوابات السد العالي وتصريف المياه تتم أحيانًا بطريقة تفتقد للمرونة والتخطيط، وتُغرق مناطق بينما تترك أخرى عطشى، في ظل غياب رؤية متكاملة لإدارة كل قطرة ماء.

هذا النوع من النقد يعني بوضوح أن السلطة لا تستطيع أن تختبئ خلف شماعة المناخ والزيادة السكانية إلى الأبد.

 

ورغم أن خطاب بدر عبد العاطي في لقاء المقرر الأممي حاول إلباس الأزمة ثوب «المظلومية التقليدية» لمصر أمام العالم، فإن جوهر المشكلة في الداخل: إدارة مركزية مغلقة لا تسمع لصوت خبير إلا إذا خدم الرواية الرسمية، وميل دائم لتحويل القضايا الوجودية إلى قصص بكائيات على أبواب المؤسسات الدولية بدل تحويلها إلى أوراق ضغط حقيقية في التفاوض مع إثيوبيا ودول الحوض.

 

سد النهضة بين تحذيرات الخبراء وصمت السلطة

 

في الوقت الذي يستجدي فيه وزير الخارجية التعاطف الدولي بأرقام نصيب الفرد من المياه، يذكّرنا أستاذ الجيولوجيا والموارد المائية عباس شراقي بأن أزمة مصر ليست فقط في «القلة» بل في «الاقتطاع القسري»؛ إذ أكد أن ملء وتشغيل سد النهضة خلال السنوات الماضية ألحق ضررًا واضحًا بحصة مصر من مياه النيل، وتحدث عن تقديرات لفواقد مائية ضخمة تراكمت مع كل ملء جديد للخزان الإثيوبي.

هذه ليست مجرد أرقام تقنية، بل إقرار من خبير مصري بأن الدولة سمحت عمليًا بإعادة توزيع موازين القوة المائية في الحوض لصالح أديس أبابا.

 

وزير الري الأسبق محمد نصر علام ذهب أبعد من ذلك عندما وصف سد النهضة بأنه مشروع «سياسي» قبل أن يكون تنمويًا، هدفه الحقيقي التحكم في مياه النيل وتقليص الدور المصري التاريخي والجيوسياسي في المنطقة، وليس مجرد توليد الكهرباء كما تروج إثيوبيا.

التحذير هنا واضح: ترك السد يتمدد بلا اتفاق ملزم يعني قبولًا ضمنيًا بأن تتحول مصر من دولة تتحكم في بوابة النهر إلى دولة تنتظر «مواعيد وصول الشحنة» من المياه من خلف الحدود.

 

بدل أن تبني السلطة استراتيجيتها على هذا النوع من التحذيرات، فضّلت أن تحوّل الملف إلى حالة ضجيج إعلامي ولقاءات بروتوكولية، ثم تقف اليوم على باب المقررين الأمميين لتقول: «نصيب الفرد المصري أقل من 490 مترًا مكعبًا، اشفقوا علينا».

الترجمة السياسية لهذا المشهد أن القاهرة انتقلت من موقع «صانع المعادلة» إلى موقع «الضحية التي تبيع ضعفها للغرب طلبًا للمساعدات والمنح».

 

تآكل الدور الإقليمي: حين تملأ إثيوبيا الفراغ وتتكلم القاهرة بلغة الشكوى

 

خبير المياه ضياء الدين القوصي حذر أكثر من مرة من أن استمرار الوضع الحالي قد يضع أمن مصر المائي تحت رحمة سنوات الفيضان والجفاف، مشيرًا إلى أن خطورة سد النهضة لا تتعلق فقط بالسعة التخزينية، بل أيضًا بطريقة التشغيل الأحادي وغير المنسق، وأن أي مواسم جفاف متتالية قد تجعل القاهرة تدفع الثمن وحدها إذا لم تحصل على ضمانات حقيقية في اتفاق ملزم.

 

في المقابل، تشرح خبيرة الشؤون الإفريقية أماني الطويل كيف ملأت إثيوبيا الفراغ الذي تركته مصر في إفريقيا خلال السنوات الماضية، وتحولت تدريجيًا إلى قوة إقليمية تستثمر في ورقة النيل كأداة نفوذ ومساومة، مستفيدة من تراجع الدور المصري السياسي والدبلوماسي على مستوى القارة.

وبكلمات أخرى: حين انسحبت القاهرة من إفريقيا، لم تبقِ الكرسي فارغًا؛ أديس أبابا جلست عليه وبنت عليه مشروعًا مائيًا عملاقًا يغيّر قواعد اللعبة.

 

هنا تصبح لغة «الاستجداء» التي جسدها لقاء وزير الخارجية مع المقرر الأممي نتيجة منطقية لمسار طويل من التنازلات؛ فبدل أن تكون مصر صاحبة اليد العليا في ملف النيل، تتقمص الآن دور الدولة الضعيفة التي تجمع شهادات خبراء ومذكرات إلى مجلس الأمن وتقارير إلى الأمم المتحدة، بينما تستمر إثيوبيا في تشغيل السد وفق رؤيتها ومصالحها، وتتعامل مع الاعتراضات المصرية كضجيج لا يوقف توربينًا ولا يفرغ خزانًا.

 

في الخلاصة، الأرقام التي قدمها بدر عبد العاطي للمقرر الخاص ليست مجرد «مظ مظلومية»؛ إنها اعتراف رسمي بأن مصر دخلت حزام «الندرة المطلقة» للمياه، ليس فقط بفعل الجغرافيا والمناخ، بل بفعل سياسات سلطة فرطت في أوراق القوة، وضيعت فرصة فرض اتفاق ملزم على سد النهضة، وقبلت أن تتحول من دولة كانت تُعرِّف نفسها بأنها «هبة النيل» إلى دولة تقف على أبواب المؤسسات الدولية تستجدي حقها في شربة ماء.

وبين تحذيرات عباس شراقي ونادر نور الدين ومحمد نصر علام وضياء القوصي وتحليلات أماني الطويل، تتشكل لوحة واحدة: أزمة مياه في جوهرها، لكنها في العمق أزمة نظام فقد القدرة على حماية أمنه القومي، ثم جاء ليطلب من العالم أن يواسيه بدل أن يحاسبه.