أطلق قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي تصريحات مشددة حول حصانة الوثيقة الدستورية في محاولة لامتصاص الغضب الشعبي المتصاعد، مؤكداً استمراره في سدة الحكم حتى اليوم الأخير من ولايته الممتدة لعام 2030.
وفي هذا السياق، تثير تلك التأكيدات الصادرة في 14 أكتوبر ردود فعل متباينة تعيد تسليط الضوء على المناورات السياسية المتكررة لفرض الأمر الواقع وتأبيد الهيمنة الفردية على حساب خيارات التداول الديمقراطي للمصريين.
مناورات دستورية في ظل التدهور الاقتصادي
وعلى صعيد متصل، جاءت تصريحات الجنرال خلال احتفالات أكاديمية الشرطة في 15 أكتوبر متزامنة مع تصاعد حملات إلكترونية موجهة تطالب بفتح مدد الرئاسة وتجاوز السقف الزمني القانوني المحدد لنهاية الولاية الثالثة الحالية.
ومن هذا المنطلق، ربطت الدوائر السياسية بين إطلاق هذا الخطاب وبين تفاقم الأزمات الاقتصادية وتآكل القدرة الشرائية للمواطنين، فضلاً عن تصاعد السخط الشعبي العارم ضد السياسات الحكومية المتبعة وارتفاع أعباء المعيشة اليومية.
واستناداً إلى ذلك، يرى المستشار في مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية الدكتور عماد جاد أن دعوات تعديل الدستور تحولت إلى عبء سياسي ضاغط على أجهزة الدولة في ظل الاختناق المالي الراهن.
وبناءً على ذلك، يوضح المستشار السياسي الدكتور عماد جاد أن المواقف المعلنة قد تشير إلى توافق داخل المؤسسات على تجميد خيار التعديل مؤقتاً، معتبراً أن التراجع عن هذا التعهد سيواجه برفض مجتمعي واسع.
وفي غضون ذلك، يشدد المستشار الأكاديمي الدكتور عماد جاد على أن تفكيك الأزمة يتطلب خطوات تنفيذية تتجاوز الوعود الشفهية، وفي مقدمتها تشكيل حكومة جديدة وفتح المجال العام بصورة حقيقية لجميع القوى الوطنية الفاعلة.
ومن زاوية موازية، يؤكد المستشار بمركز الأهرام الدكتور عماد جاد ضرورة إنهاء التداخل بين صلاحيات السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية، مشيراً إلى أن غياب التوازن المؤسسي يعطل الإصلاح السياسي ويضاعف حدة الاحتقان الشعبي الداخلي.
وإلى جانب ذلك، اعتبرت الحركة المدنية الديمقراطية أن الرهان الحقيقي لا يكمن في إطلاق العبارات التطمينية، بل في تفعيل نصوص الدستور وتمكين الأحزاب والنقابات ومنظمات المجتمع المدني من ممارسة دورها الدستوري دون وصاية أمنية.
وبحكم هذه الوقائع، يظهر المشهد السياسي مأزوماً بفعل استخدام الخطاب الدعائي حول المؤامرات وحروب الجيل الرابع لتبرير الإخفاقات التنموية، وتمرير إجراءات التقشف القاسية التي تسحق الطبقات المتوسطة والفقيرة بمختلف المحافظات والمدن المصرية.
استعادة تجربة تعديلات عام 2019 الدستورية
وتأسيساً على تلك الرؤية، يستحضر الشارع تجربة تعديلات عام 2019 التي نسفت المبادئ التي أقرها دستور عام 2014 بعد ثورة يناير 2011، حين جرى تمديد الفترة الرئاسية من 4 إلى 6 سنوات.
وبالتوازي مع هذا المسار، يذكر المتابعون التعهدات المتلفزة التي أطلقها السيسي عام 2017 لشبكة سي إن بي سي الأمريكية، حين أعلن رفضه المساس بالمدد الرئاسية قبل أن ينقلب نظامه على تعهداته لاحقاً.
وانطلاقاً من هذا التناقض، يؤكد الباحث في علم الاجتماع السياسي عمار علي حسن أن التاريخ القريب يفرض الحذر البالغ تجاه الوعود الرسمية، خاصة أن تعديلات 2019 سمحت بولاية ثالثة تنتهي عام 2030.
وتماشياً مع هذه القراءة، يرى الباحث السياسي عمار علي حسن أن التصريحات المجردة لا تصنع واقعاً ديمقراطياً ما لم ترتبط بإجراءات عملية واضحة وملزمة توقف تغول السلطة وتمنح الضمانات القانونية للتداول السلمي للسلطة.
وعلاوة على ذلك، يشير الباحث في علم الاجتماع عمار علي حسن إلى أن المعارضة تعرضت لعمليات إنهاك وعزل ممنهجة وتشويه إعلامي طوال السنوات الماضية، ما أدى إلى تجفيف مواردها ومحاصرة نشاطها الميداني بالكامل.
وفي ضوء هذا التشخيص، يطرح الباحث عمار علي حسن ضرورة استثمار السنوات المتبقية لبناء كتلة شعبية صلبة وتقديم بدائل حقيقية من خارج الدوائر المغلقة، بالاعتماد على كفاءات وخبرات مهنية مستقلة وغير مستهلكة إعلامياً.
واستكمالاً لهذا المسار، يشدد الباحث عمار علي حسن على حتمية ممارسة ضغط سياسي متواصل لإلزام مؤسسات الحكم بتعهداتها، مؤكداً أن الانفراجة الاقتصادية تظل مستحيلة دون فتح المجال العام وإنهاء حالة الانسداد السياسي الخانق.
ومن المفارقات هنا، أن الآلة الإعلامية تسارع لتسويق استقرار وهمي بينما ترصد المؤشرات الحقوقية تراجعاً غير مسبوق في الحريات، مع تزايد التوجس المجتمعي من تكرار مسرحيات الاستفتاءات المصممة لتأبيد البقاء في سدة السلطة.
استحقاق 2030 وتحديات التداول السلمي للسلطة
وفي المقابل، تتطلب الاستعدادات لخوض استحقاقات عام 2030 الرئاسية نسف البيئة التشريعية والأمنية الخانقة، والانتقال من مرحلة البيانات البروتوكولية إلى فرض شروط النزاهة الانتخابية والتنافسية الحقيقية بين مختلف التيارات والقوى المدنية المصرية.
وبناءً على هذه المتطلبات، يرى المحامي والسياسي طارق العوضي أن التطمينات الشفهية تظل بلا قيمة فعلية ما لم تترجم إلى إجراءات ملموسة تعيد بناء المؤسسات وتفتح الفضاء العام أمام التعددية السياسية والإعلامية.
وفي هذا الإطار، يؤكد المحامي والسياسي طارق العوضي أن تأسيس مسار ديمقراطي حقيقي يفرض الإفراج العاجل عن سجناء الرأي، ووقف الملاحقات الأمنية للمعارضين، وعدم التعامل مع العمل الحزبي السلمي باعتباره تهديداً لأمن واستقرار البلاد.
وتأكيداً لهذا الطرح، يوضح الناشط السياسي طارق العوضي أن الاستحقاق الرئاسي المقبل يتطلب انتخابات نزيهة تتوافر فيها ضمانات تكافؤ الفرص، وحياد مؤسسات الدولة، ووقف الهيمنة على وسائل الإعلام لتمكين المواطنين من الاختيار الحر.
وعلى وقع هذه التحديات، جاء تصنيف منظمة فريدوم هاوس الدولية لعام 2026 ليضع مصر ضمن قائمة الدول غير الحرة، مؤكداً استمرار التضييق الصارم على المعارضة الفاعلة وخنق الحريات المدنية وحرية التجمع والتعبير.
وجدير بالذكر في هذا الصدد، أن تقرير منظمة مراسلون بلا حدود لعام 2026 وضع البلاد في المرتبة 169 من أصل 180 دولة، ما يبرز الغياب التام للتعددية الإعلامية والملاحقات المستمرة للصحفيين المستقلين.
وبموجب تلك المعطيات، فإن مواجهة الأزمات المصيرية المتفاقمة منذ أحداث يوليو 2013 تستلزم قطيعة تامة مع سياسات الإقصاء والتفرد بالقرار، وإعادة الاعتبار لإرادة الشعب كصاحب السيادة ومصدر السلطات الوحيد وفق نصوص الدستور.
وفي تفاصيل المشهد، تظل القوى الوطنية والمدنية أمام اختبار تنظيم صفوفها وتجاوز حالة التفكك الراهنة لانتزاع الضمانات الدستورية، وقطع الطريق أمام أي محاولات جديدة للالتفاف على مواعيد انتهاء الولاية الرئاسية المقررة.
وهكذا يظل استحقاق عام 2030 محطة فاصلة تظهر مدى جدية الوعود بالسماح بتداول حقيقي للسلطة، في وقت تؤكد فيه الوقائع أن التغيير الديمقراطي لا يتحقق بالهبات السلطوية، بل بالإصرار الشعبي على إنهاء الحكم الفردي لقائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي.

