أعادت تصريحات وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش بشأن احتمال فقدان مصر شبه جزيرة سيناء، في حال شنّت هجومًا على إسرائيل، ملف السيادة المصرية على شبه الجزيرة إلى واجهة التوترات السياسية. وتثير هذه التصريحات تساؤلات بشأن حدود الخطاب الإسرائيلي تجاه مصر، ومدى انعكاسه على العلاقات بين البلدين، في ظل استمرار تداعيات الحرب في قطاع غزة والرفض المصري لتهجير الفلسطينيين إلى سيناء، وفقًا لما تناوله محمد القرضاوي في تقريره.
وفي التقرير الذي نشره موقع صوت الإمارات، يناقش القرضاوي الموقف المصري من التصريحات الإسرائيلية، وخلفيات استعادة سيناء، والإطار القانوني الذي يحكم العلاقات بين القاهرة وتل أبيب. كما يتناول موقف رئيس الانقلاب عبد الفتاح السيسي من التهديدات المتعلقة بالأراضي المصرية، في سياق تتداخل فيه قضايا السيادة الوطنية ومعاهدة السلام وأمن الحدود ومستقبل الفلسطينيين.
التهديدات الإسرائيلية بشأن سيناء.. ماذا حدث؟
أعادت تصريحات سموتريتش، التي تناقلتها وسائل إعلام في أكتوبر 2026، الحديث عن سيناء إلى صدارة التوتر السياسي، بعدما ألمح إلى احتمال خسارة مصر شبه الجزيرة إذا هاجمت إسرائيل. وفي 7 أكتوبر، نقلت وكالة الأناضول عن مصدر مصري مطلع أن القاهرة ترفض الزج بسيناء في الخطاب الإسرائيلي، مؤكدة كذلك رفضها تهجير الفلسطينيين من قطاع غزة.
وفي 14 أكتوبر، تناولت تقارير إعلامية رد السيسي على هذه التصريحات، إذ شدد على أن مصر خاضت حربًا لاستعادة أراضيها، وأنها لا تسعى إلى الاستيلاء على أراضي الآخرين.
وتستدعي هذه التطورات التمييز بين التصريحات السياسية والقرارات الرسمية؛ فالتهديدات المعلنة لا تغيّر الحدود الدولية، ولا تمنح في حد ذاتها أي طرف حقًا قانونيًا في أراضي دولة أخرى. ومن ثم، فإن تقييم أي تحول في الموقف الإسرائيلي يتطلب النظر إلى مواقف المؤسسات الرسمية والخطوات الفعلية على الأرض، بدلًا من الاكتفاء بالخطاب التصعيدي.
استعادة سيناء ومعاهدة السلام.. ماذا تقول الوقائع والوثائق؟
لا يمكن فهم حساسية ملف سيناء دون الرجوع إلى مسار استعادة شبه الجزيرة. فبعد احتلالها عام 1967، شكّلت حرب أكتوبر 1973 نقطة تحول في الصراع، ثم قادت المفاوضات إلى توقيع معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية في مارس 1979. واكتمل الانسحاب الإسرائيلي من سيناء عام 1982، فيما حُسم النزاع بشأن طابا لاحقًا عبر التحكيم، وعادت إلى السيادة المصرية عام 1989.
وتوضح هذه المحطات أن استعادة سيناء جاءت نتيجة مسار متكامل جمع بين العمل العسكري والدبلوماسية والإجراءات القانونية، ولم تكن حصيلة حدث منفرد. لذلك، ينبغي وضع أي تصريحات بشأن مستقبل شبه الجزيرة في سياق الحدود المعترف بها والاتفاقات التي نظّمت الانسحاب الإسرائيلي، لا التعامل معها باعتبارها قادرة على تغيير الواقع بمجرد إطلاقها.
وتحدد معاهدة السلام الإطار القانوني المنظم للعلاقات بين مصر وإسرائيل. وتتضمن المادة الرابعة ترتيبات أمنية ومناطق ذات قيود على القوات العسكرية، إلى جانب آليات تتيح تعديل بعض هذه الترتيبات باتفاق الطرفين. وتتولى القوة متعددة الجنسيات والمراقبون متابعة تنفيذ الأحكام الأمنية ذات الصلة والتحقق من الالتزام بها، وفقًا لاختصاصاتها المحددة.
وتكتسب هذه البنود أهمية عند تقييم التصريحات المتعلقة بسيناء؛ فالمعاهدة تنظم الالتزامات الأمنية بين البلدين، لكنها لا تمنح أيًا منهما حق الاستيلاء على أراضي الطرف الآخر أو تغيير الحدود من جانب واحد. كما يتطلب أي نقاش بشأن الترتيبات الأمنية أو تعديلها الاستناد إلى النصوص الرسمية والإجراءات المتفق عليها، لا إلى استنتاجات غير مدعومة بوثائق.
وفي هذا السياق، لا يكفي تصاعد الخطاب السياسي وحده لإثبات وجود تغيير في الموقف الرسمي أو في الالتزامات القانونية القائمة. ويظل التقييم مرتبطًا بما يصدر عن المؤسسات المعنية، وبأي خطوات عملية قد تؤثر في العلاقات الثنائية أو في الوضع الأمني على الحدود.
رفض تهجير الفلسطينيين إلى سيناء.. حسابات الأمن القومي وموقف السيسي
يمثل رفض مصر تهجير الفلسطينيين من قطاع غزة أحد المحاور الأساسية في موقفها من الحرب ومستقبل القضية الفلسطينية. وتؤكد القاهرة في خطابها الرسمي مخاطر نقل السكان خارج أرضهم، وما قد يترتب على ذلك من تداعيات إنسانية وسياسية، فضلًا عن انعكاساته على الأمن القومي المصري.
وتشير تحليلات المجموعة الدولية للأزمات بشأن الحرب في غزة ومخاطر امتدادها إلى شبه جزيرة سيناء إلى مخاوف من تدفق أعداد كبيرة من الفلسطينيين عبر الحدود، ومن تحول النزوح الناتج عن الحرب إلى واقع دائم.
ومن الضروري التمييز بين تقديم المساعدات الإنسانية والإجلاء الطبي المؤقت من جهة، والتهجير القسري أو الدائم من جهة أخرى. فرفض التهجير لا يعني رفض إغاثة المدنيين أو علاج المصابين، بل يرتبط بمنع فرض واقع ديموغرافي جديد يقوّض حق الفلسطينيين في البقاء على أرضهم.
وعلى هذا الأساس، يرتبط موقف القاهرة بشأن سيناء برؤيتها المعلنة لحل القضية الفلسطينية، وبمسؤوليتها عن حماية الحدود ومنع انتقال تداعيات الحرب إلى الأراضي المصرية. ويضع هذا الموقف السلطات المصرية أمام معادلة تتطلب التعامل مع المخاطر الأمنية والإنسانية والسياسية، من دون السماح بتحويل الأزمة إلى وسيلة لفرض ترتيبات سكانية جديدة.
وتزداد أهمية هذه المعادلة بالنظر إلى الموقع الاستراتيجي لشبه جزيرة سيناء، التي تربط بين البحر المتوسط وخليج السويس والبحر الأحمر. كما يجعل قربها من قطاع غزة والحدود الإقليمية منها عنصرًا رئيسيًا في الحسابات الأمنية المصرية. ولا تقتصر أهمية الموقع على الاعتبارات العسكرية، بل تمتد إلى التجارة والملاحة البحرية وأمن الحدود ومشروعات التنمية والبنية التحتية واستقرار المناطق المحيطة بقناة السويس.
ومع ذلك، لا يكفي الموقع الجغرافي وحده لإثبات نوايا سياسية أو عسكرية لدى أي طرف. فتقييم المخاطر المرتبطة بسيناء يستلزم الجمع بين الوقائع الميدانية والتصريحات الرسمية والاتفاقات القانونية، وتجنب استخلاص نتائج قاطعة اعتمادًا على الجغرافيا وحدها.
وفيما يتعلق برد السيسي على إسرائيل، يمكن قراءة تصريحاته في ضوء ثلاثة محاور تعلن القاهرة التمسك بها: حماية السيادة الوطنية، ورفض تهجير الفلسطينيين، والحفاظ على إطار السلام المنظم للعلاقات مع إسرائيل. لكن تحديد مدى فاعلية هذا الموقف لا يعتمد على التصريحات وحدها، بل يتطلب فحص التحركات الدبلوماسية، والتعامل مع المؤسسات الدولية، والالتزام بالاتفاقات، والتطورات الفعلية على الحدود.
فوجود معاهدة سلام لا يلغي حق الدولة في الدفاع عن أراضيها، كما أن رفض التصعيد العسكري لا يعني قبول التهديدات أو الإقرار بصحتها. وفي المقابل، لا يمكن قياس نتائج السياسة الخارجية بحدة الخطاب وحدها، بل بقدرتها على حماية المصالح الوطنية، والحد من اتساع نطاق الصراع، وصون الإطار القانوني المنظم للعلاقات بين البلدين.
وتكشف عودة سيناء إلى الخطاب السياسي الإسرائيلي عن استمرار حساسية قضايا الحدود والأمن ومستقبل قطاع غزة. غير أن فهم هذه التطورات يتطلب الفصل بين التهديدات اللفظية والالتزامات القانونية والتحركات القابلة للتحقق. ويظل الانسحاب الإسرائيلي من سيناء، ومعاهدة السلام، والترتيبات الأمنية القائمة، عناصر موثقة تشكل مرجعية لأي نقاش جاد بشأن مستقبل شبه الجزيرة.
وبين السيادة والسلام، تتمثل القضية الأساسية في احترام الحدود والالتزامات الدولية، ومنع استغلال الأزمات الإقليمية ذريعةً للمساس بأراضي الدول أو فرض تغييرات ديموجرافية قسرية. أما مسار الأزمة، فيتوقف على ما تؤكده الوثائق الرسمية والتطورات الميدانية، لا على نبرة التصعيد التي قد تتضمنها التصريحات السياسية.
https://www.voiceofemirates.com/en/politics/2026/10/16/sinai-in-the-face-of-israeli-threats-how-does-sisi-manage-the-equation-of-sovereignty-peace-and-egypts-security/

