شهدت مدينة نيالا عاصمة ولاية جنوب دارفور غربي السودان مجزرة دامية، إثر استهداف مسيرة سوقاً رئيسياً للمواشي، مما أسفر عن سقوط عشرات الضحايا المدنيين، وتحول المكان لساحة حرب مروعة خلال لحظات.
وتؤكد البيانات الميدانية الموثقة من المرافق الطبية استقبال أعداد غفيرة من الضحايا، في وقت تشهد فيه المستشفيات انهياراً تاماً ونقصاً فادحاً في المستلزمات، وانقطاعاً متواصلاً في التيار الكهربائي والأدوية الإسعافية الضرورية.
تفاصيل الفاجعة وسقوط عشرات الضحايا
وبحسب مراسل وكالة الأنباء الفيتنامية في أفريقيا، فقد أسفر هذا القصف الجوي على سوق الماشية في 16 أكتوبر، عن مقتل ما لا يقل عن 30 شخصاً، وإصابة 47 آخرين بجروح متفاوتة الخطورة.
وتوضح المعطيات الأولية الصادرة عن الكوادر الإغاثية أن القصف خلف نحو 80 ضحية، كان من بينهم 17 امرأة و5 أطفال لقوا حتفهم فوراً، أثناء تواجدهم لشراء المستلزمات لأسرهم المحاصرة داخل المدينة.
وفي هذا السياق ذكر شهود محليون أن القصف وقع خلال وقت الذروة، حينما كان السوق مكتظاً بمئات التجار والمتسوقين، فضلاً عن وجود زبائن الأكشاك المنتشرة لبيع وجبات اللحوم المشوية للمواطنين.
علاوة على ذلك بينت المشاهد المصورة تناثر جثث القتلى والمصابين بجوار رؤوس الماشية، وسط تصاعد ألسنة اللهب وسحب الدخان الكثيفة، ما ولد موجة عارمة من الفزع والهلع بين جموع المدنيين.
ومن جهتهم روى مواطنون ناجون أن دوي الانفجار كان هائلاً وغير متوقع في موقع تجاري، حيث أدى تطاير الشظايا لتمزيق الأجساد، مما أعاق محاولات الأهالي لإنقاذ وإجلاء المصابين نحو النقاط الطبية.
كما واجهت طواقم الإسعاف صعوبات جمة خلال جمع الأشلاء ونقل الجرحى، بسبب تدمير المركبات واندلاع النيران، إلى جانب أزمة الوقود الخانقة التي تعرقل حركة سيارات الإسعاف القليلة المتبقية داخل المدينة.
ونتيجة لهذه المأساة المفجعة أطلقت المشافي نداءات استغاثة عاجلة للأهالي للتبرع السريع بالدم، في ظل نفاد أكياس الدماء وانعدام مواد التخدير ومعدات الجراحة الأساسية لإنقاذ أرواح الجرحى الراقدين بالممرات.
اتهامات متبادلة وتصعيد الضربات العسكرية
ومن جهتها اتهمت قوات الدعم السريع سلاح الجو للجيش بتنفيذ الهجوم، مستخدماً طائرة مسيرة تركية الصنع، قائلة إن القصف استهدف عمداً حياً سكنياً مأهولاً، ومحملة القوات المسلحة المسؤولية الكاملة عن الاستهداف.
وفي المقابل أعلن مصدر عسكري سوداني رفيع أن الجيش كثف ضرباته الجوية المركزة ضد مواقع الدعم السريع، مؤكداً أن غارات يوم 16 أكتوبر استهدفت مخازن أسلحة وتجمعات قتالية تابعة للقوات.
وأكد المصدر العسكري ذاته أن مطار نيالا تعرض بدوره لغارات استباقية قبل 48 ساعة، مجدداً التشديد على أن كافة الأهداف المنتخبة كانت ذات طبيعة عسكرية بحتة، تهدف لشل خطوط الإمداد للخصوم.
إلى جانب ذلك تبرز مدينة نيالا كأكبر مركز حضري في دارفور وثاني (2) أكبر مدينة سودانية، وتعد حالياً العاصمة الفعلية والمركز العملياتي والإداري للإدارة المدنية، التي أعلنتها قوات الدعم السريع بشكل أحادي.
واستناداً إلى هذا الثقل الميداني والرمزي للمدينة، تكررت الهجمات الجوية بالطائرات المسيرة عليها طوال الأشهر الماضية، في مسعى واضح من الجيش لتقويض سلطة الدعم السريع، والحد من سيطرتها المطلقة على الإقليم.
بالموازاة مع ذلك يرى خبراء عسكريون أن لجوء القوات المسلحة للمسيرات يعكس استراتيجية الاستنزاف المتبعة، لاستهداف تجمعات الدعم السريع في العمق الغربي، لكن استخدامها في مناطق مأهولة يضاعف الضحايا المدنيين.
وبالرغم من النداءات المتكررة لتجنيب المرافق الحيوية مخاطر القصف، فإن تصاعد وتيرة العمليات حول المدن يثير قلقاً واسعاً، لا سيما مع انعدام الملاجئ ووسائل الحماية المدنية لسكان ولايات دارفور المنكوبة.
وتبعاً لتلك الضربات المتلاحقة حذرت تقارير حقوقية من التبعات الاقتصادية المدمرة لاستهداف الأسواق، نظراً لكونها الشريان المالي الأبرز الذي يعتمد عليه مئات الآلاف من الرعاة والتجار لتأمين قوت يومهم بالإقليم.
كارثة إنسانية ودمار واسع بالبلاد
وفي غضون ذلك يواصل النزاع الدامي بين الجيش وقوات الدعم السريع مساره الكارثي، حيث يدخل حالياً عامه الـ 4، منذ اندلاع شرارته في أبريل 2023، موقعاً عشرات الآلاف من الضحايا والقتلى.
وبناءً على المعطيات الرسمية للأمم المتحدة، فقد تسببت الحرب في تهجير ما يزيد على 11 مليون مواطن، داخل وخارج السودان، ليعيشوا في ظل ظروف معيشية بالغة القسوة داخل مخيمات الإيواء ومراكز اللجوء.
وإضافة إلى تفاقم أزمة اللجوء، تصنف الهيئات الدولية هذه الحرب بأنها أسوأ أزمة إنسانية بالعالم، بعدما دفعت البلاد إلى حافة مجاعة شاملة تهدد حياة ملايين الأطفال والنساء بمخاطر سوء التغذية الحاد.
وبصورة مرعبة سجل استخدام الطائرات المسيرة تصاعداً مأساوياً في عموم السودان، حيث تشير إحصاءات أممية حديثة إلى مقتل أكثر من 1100 شخص بضربات المسيرات القاتلة، خلال النصف الأول من هذا العام بمفرده.
ومع استمرار انسداد الأفق السياسي وتصاعد حدة الاشتباكات الميدانية، يواجه العاملون في الحقل الإغاثي تحديات أمنية هائلة، تحول دون إيصال المعونات الطبية المنقذة للحياة إلى المحاصرين في مدن وقرى دارفور المنكوبة.
ومن هذا المنطلق تدعو المنظمات الحقوقية المجتمع الدولي لاتخاذ تدابير حازمة لحظر تصدير السلاح للأطراف المتصارعة، والضغط الفعلي لوقف الهجمات العشوائية التي تنتهك قواعد القانون الدولي الإنساني وتستهدف المدنيين في الأسواق.
وفي ظل غياب التوافق على وقف إطلاق النار، تتعاظم المخاوف من اتساع رقعة المواجهات العسكرية، مما ينذر بتدمير ما تبقى من مؤسسات الدولة، ودفع البلاد نحو فوضى شاملة تهدد الاستقرار الإقليمي برمته.
وختاماً يمثل استهداف سوق الماشية في نيالا شاهداً حياً على المأساة المروعة التي يكابدها الشعب السوداني يومياً، وسط استمرار سفك الدماء وتجاهل المعاناة، بانتظار تحرك دولي فاعل يوقف هذه الكارثة المستمرة.

