أثار الحقوقي المصري أسامة رشدي تساؤلات حادة بشأن اتساع دور الأكاديمية العسكرية المصرية في إعداد وتأهيل الملتحقين بعدد من مؤسسات الدولة، معتبرًا أن وصول هذا الدور إلى الجهات والهيئات القضائية يفتح الباب أمام مخاوف تتعلق باستقلال القضاء والفصل بين السلطات.
وجاءت انتقادات رشدي عقب حفل تخريج 1350 من أعضاء الجهات والهيئات القضائية، والذي قال خلاله قائد الانقلاب العسكري عبد الفتاح السيسي إن الأكاديمية العسكرية أصبحت «معبرًا لتولي الوظائف في الدولة»، مشيرًا إلى القضاء والخارجية والرقابة الإدارية، ومؤكدًا أن الهدف هو توحيد معايير الاختيار بين مؤسسات الدولة.
الأكاديمية بوابة الوظائف السيادية
اعتبر رشدي أن القضية تتجاوز مجرد حصول أعضاء الهيئات القضائية على دورة تدريبية، إلى تحول مؤسسة عسكرية تدريجيًا إلى بوابة تمر من خلالها عملية إعداد واختيار كوادر قطاعات يفترض أن تتمتع باستقلال كامل عن السلطة التنفيذية.
وقال إن إدخال أعضاء النيابة والقضاة في مسارات تدريب داخل الأكاديمية العسكرية، بالتوازي مع مطالبة الجهات المختلفة بمتابعة نتائج الخريجين بعد انتهاء الدورات، يطرح تساؤلات حول الحدود الفاصلة بين التأهيل المهني وبين التأثير في تكوين العاملين بالمؤسسات المدنية.
ويرى رشدي أن خطورة هذا المسار تتضاعف عندما يتعلق الأمر بالقضاء، باعتباره الجهة التي يفترض أن تراقب مشروعية قرارات السلطة التنفيذية، وأن تفصل في النزاعات التي تكون الدولة أو أجهزتها طرفًا فيها.
وانتقد ما وصفه باتساع حضور المؤسسة العسكرية في مجالات الاقتصاد والإدارة والتعليم والتوظيف الحكومي، معتبرًا أن انتقال النموذج نفسه إلى الهيئات القضائية يمثل مرحلة أكثر حساسية لما للقضاء من دور في حماية الحقوق والحريات ومراقبة أعمال الحكومة.
تحصين الشباب أم توجيههم سياسيًا
وربط رشدي انتقاداته بتصريحات السيسي بشأن أهمية ما سماه «تحصين الشباب»، واستحضاره أحداث عامي 2011 و2012 خلال حديثه أمام الخريجين، معتبرًا أن الربط بين التدريب الوظيفي وبين رؤية السلطة لأحداث سياسية سابقة يثير مخاوف إضافية بشأن أهداف تلك الدورات.
وبحسب رشدي، فإن القاضي لا ينبغي أن يخضع لما وصفه بـ«التحصين السياسي»، وإنما يجب أن يكون محصنًا من تدخل السلطة التنفيذية والأجهزة المختلفة، وأن يكون معيار عمله الوحيد هو الدستور والقانون والأدلة المطروحة أمامه.
وأضاف أن استقلال القاضي لا يقتصر على اللحظة التي يجلس فيها على منصة المحكمة، وإنما يبدأ منذ قواعد الاختيار والتعيين والتدريب، محذرًا من أن سيطرة جهة تابعة للسلطة التنفيذية على هذه المراحل قد تؤثر في الصورة العامة لاستقلال المؤسسة القضائية.
واعتبر رشدي أن القاضي المستقل يجب أن يمتلك القدرة على إصدار حكم ضد الحكومة أو إبطال قرار إداري أو مساءلة مسؤول عندما يثبت انتهاكه للقانون، من دون أن يكون مساره المهني مرتبطًا برضا السلطة التي يُفترض أن يراقبها.
بريطانيا نموذج مضاد للتدخل
واستند رشدي، الذي تحدث عن إقامته في بريطانيا منذ سنوات طويلة، إلى تجربة إنجلترا وويلز في التعيينات القضائية، مشيرًا إلى وجود لجنة مستقلة للتعيينات القضائية تعتمد على إجراءات تنافسية ومعايير تتعلق بالكفاءة والنزاهة والقدرات القانونية.
وتؤكد لجنة التعيينات القضائية في إنجلترا وويلز أنها هيئة مستقلة، وأن من واجباتها القانونية اختيار المرشحين على أساس الجدارة وحسن السيرة، عبر عمليات اختيار تقول إنها تستهدف العدالة والاستقلال وتجنب التحيز.
وأشار رشدي إلى أن الفارق، من وجهة نظره، يتمثل في أن النظام الذي يحافظ على استقلال القضاء يجعل القاضي قادرًا على مراقبة السلطة، بينما يؤدي تدخل السلطة في اختياره وتدريبه وتكوينه إلى إثارة الشكوك بشأن قدرته على مواجهتها عند وقوع نزاع بينها وبين المواطنين.
وخلص إلى أن استقلال القضاء يمثل أحد الأسس الرئيسية لدولة المؤسسات، معتبرًا أن توسيع دور الأكاديمية العسكرية ليشمل بوابة إعداد العاملين بالقضاء لا يمكن التعامل معه باعتباره مسألة تدريبية فقط، وإنما قضية تمس طبيعة العلاقة بين السلطات وحدود استقلال كل منها.
في الطابونة التي يديرها السيسي: عسكرة القضاء تهدم آخر حصون العدالة والدولة! - - - - لم يكتفِ السيسي بعسكرة الاقتصاد والإدارة والتعليم، بل امتدت يداه الملوثتان بدم عشرات الآلاف من المصريين إلى أخطر حصون الدولة وهو القضاء. ففي حفل تخريج 1350 من أعضاء الجهات والهيئات القضائية من #الأكاديمية_العسكرية، أعلن أن الأكاديمية أصبحت «معبرًا لتولي الوظائف في الدولة»، بما فيها القضاء والخارجية والرقابة الإدارية، ثم زعم أن الهدف «ليس عسكرة الدولة»! ولكن ماذا نسمّي اختيار وإخضاع القضاة وأعضاء النيابة للتدريب داخل مؤسسة عسكرية، وفق معايير تضعها السلطة، مع مطالبة الجهات بمتابعة الخريجين بعد انتهاء دوراتهم؟ الأخطر أن السيسي ربط هذه الدورات بما سماه «تحصين الشباب» ضد تكرار ما جرى عامي 2011 و2012. وهنا تنكشف حقيقة المشروع، وعقدة الخوف والرعب التي تهيمن على السيسي من غضبة الشعب الذي تآمر عليه وصادر حقوقه وحرياته. فالمطلوب ليس إعداد قاضٍ مستقل يحتكم إلى الدستور والقانون، بل تشكيل موظف يتبنى رواية السلطة، وينظر إلى المعارضة والاحتجاج باعتبارهما تهديدًا للدولة. القاضي لا يحتاج إلى «تحصين سياسي» داخل أكاديمية عسكرية، بل إلى تحصينه من تدخل السلطة والأجهزة الأمنية والعسكرية. ولا يحتاج إلى تعلم الطاعة، بل إلى امتلاك الاستقلال والشجاعة للحكم ضد الحكومة نفسها عندما تنتهك القانون. ما يجري في طابونة السيسي يهدم كل ما بنته الدساتير المصرية من مبدأ الفصل بين السلطات من أساسه؛ فالسلطة التنفيذية التي يُفترض أن يراقب القضاء أعمالها، أصبحت تتدخل في اختيار رجاله وتدريبهم وغسل أدمغتهم وتشكيل وعيهم. فكيف يُنتظر من قاضٍ يدين بوظيفته لرضا السلطة وأجهزتها أن ينصف مواطنًا في مواجهتها، أو يبطل قرارًا للرئيس، أو يحاسب مسؤولًا أمنيًا؟ في ببريطانيا حيث أعيش من ربع قرن، إحدى أعرق عواصم القانون في العالم. هناك يبدأ القاضي بالتأهيل القانوني وسنوات من الخبرة، ثم يتقدم في مسابقة علنية أمام لجنة مستقلة للتعيينات القضائية. ويُقيَّم على أساس الكفاءة والنزاهة والحياد والاستقلال الفكري والقدرة على تحليل الأدلة وتسبيب الأحكام؛ لا على أساس لياقته العسكرية أو موقفه السياسي أو تقارير الأجهزة عن أسرته. ولا يستطيع رئيس الوزراء أو وزير العدل اختيار أنصاره قضاةً، كما لا يستطيع فصل قاضٍ لأنه أصدر حكمًا ضد الحكومة. هذا هو الفارق بين دولة القانون و #جمهورية_الضباط في دولة القانون يُختار القاضي ليراقب السلطة ويحمي حقوق وحريات المواطنين من تغول السلطة عليها؛ أما في طابونة السيسي فالسلطة تختار القاضي وتدرّبه وتتابعه، ثم تطلب منا أن نصدّق أنه مستقل عنها! استقلال القضاء لا يبدأ عند جلوس القاضي على المنصة، بل من الجهة التي تختاره وتدرّبه وتعيّنه. فإذا سيطرت السلطة العسكرية والأمنية على هذه البوابة، تحول الفصل بين السلطات إلى حبر على ورق، وتحول القضاء من رقيب على السلطة إلى ذراع من أذرعها. هذه ليست دورات تدريبية بريئة، بل خطوة أخرى في مشروع ابتلاع الدولة. ومن دون قضاء مستقل لا توجد عدالة ولا دولة مؤسسات؛ بل طابونة وسلطة تجمع في يدها المحقق والقاضي والجلاد. مصر دولة عريقة و وليست طابونة ومعمل اختبار للفاشية السيساوية التي لم تعرفها من قبل. #عسكرة_القضاء #جمهورية_الضباط #الفصل_بين_السلطات #جمهورية_الضباط
— أسامة رشدي (@OsamaRushdi) September 18, 2026

