في شوارع قنا، لا تحتاج كرة القدم إلى ملعب مجهز أو مدرجات مكتظة بالجماهير حتى تبدأ المباراة. يكفي شارع بين البيوت، وكرة يتناوب عليها الأطفال والشباب، ومساحة صغيرة تسمح لهم بالجري والمراوغة وتسديد الركلات، لتتحول اللحظة العادية إلى مشهد يحمل الكثير من الحماس والذكريات.

 

ومن قلب هذه الأجواء، بدأت مجموعة من أطفال وشباب قنا في تحويل لعبهم اليومي إلى محتوى يصل إلى الجمهور عبر مواقع التواصل الاجتماعي، من خلال مقاطع مصورة بهواتف بسيطة، ترصد مهاراتهم ومنافساتهم ولحظات المرح التي يعيشونها في الشارع.

 

 

كرة القدم تبدأ من الشارع

 

المشهد في هذه المقاطع يبدو بعيدا عن أجواء مباريات كرة القدم الاحترافية، لكنه يحمل روح اللعبة نفسها. تمريرات سريعة، مهارات فردية، قفزات هوائية، تسديدات استعراضية، ومنافسة بين الأصدقاء، كلها تحدث في مساحة اعتاد الأطفال والشباب اللعب فيها منذ سنوات.

 

وبينما ينشغل المشاركون بالكرة، تتولى الكاميرا مهمة أخرى، هي التقاط تفاصيل هذه اللحظات وتقديمها إلى الجمهور كما تحدث من دون مبالغة أو تجهيزات معقدة.

 

ويقول محمود حازم، وهو منشئ محتوى، إن فكرة تصوير الأطفال بدأت بشكل عفوي تماما. فقد اعتاد مشاهدة الأطفال وهم يلعبون كرة القدم من سطح المنزل، قبل أن يلفت انتباهه أحد المشاهد بصورة خاصة، عندما وجد خاله يشارك الأطفال اللعب في الشارع.

 

لم يتردد حازم في إخراج هاتفه وتصوير المشهد، ثم نشر الفيديو عبر منصات التواصل الاجتماعي، من دون أن يعرف أن تلك اللحظة البسيطة ستكون بداية لفكرة أكبر.

 

 

فيديو أول فتح الطريق

 

لم يحقق الفيديو الأول انتشارا واسعا، وفقا لحازم، لكنه كان بمثابة نقطة انطلاق شجعته على الاستمرار. وبعد التجربة الأولى، قرر نقل التصوير من سطح المنزل إلى الشارع نفسه، حيث المساحة الأكبر والأجواء الأكثر حيوية.

 

هناك، وجد حازم مادة مختلفة للتصوير؛ أطفال وشباب يمارسون هوايتهم المفضلة بصورة تلقائية، ويمكن للكاميرا أن تلتقط خلالها الكثير من التفاصيل التي يصعب صناعتها أو تمثيلها.

 

ومع استمرار التصوير، تحولت كرة القدم من مجرد نشاط يومي في الحي إلى محتوى يجذب المشاهدين، خصوصا أن المقاطع لا تعتمد على فكرة غريبة أو مشاهد مصطنعة، وإنما تقدم جانبا من حياة يعرفها قطاع واسع من الجمهور.

 

فكرة التصوير نفسها لم تكن تحتاج إلى إمكانات كبيرة. هاتف محمول، وشارع، وكرة، ومجموعة من الأصدقاء كانوا كافيين لصناعة المقاطع، وهو ما جعل التجربة تبدو أقرب إلى الحياة اليومية منها إلى إنتاج محتوى تقليدي.

 

 

الحارة تستعيد ذكريات الطفولة

 

يرى حازم أن سر تفاعل الجمهور مع المقاطع لا يرتبط فقط بالمهارات التي يقدمها الأطفال، وإنما بما تثيره هذه المشاهد من ذكريات قديمة.

 

فعندما يشاهد أحدهم أطفالا يلعبون كرة القدم بين البيوت، قد لا يرى مجرد مباراة عابرة، وإنما يستعيد صورة من طفولته، عندما كان الشارع هو المكان الطبيعي للعب، وكانت الكرة تجمع الأصدقاء لساعات طويلة.

 

ويشير حازم إلى أن كثيرا من المشاهدين يرون أنفسهم في هذه اللقطات، ويتذكرون أيام الطفولة واللعب في الشوارع.

 

وهذه العلاقة بين الصورة والذاكرة تمنح المقاطع طابعا مختلفا؛ فالمحتوى لا يقدم مهارات كرة القدم فقط، بل يعيد إلى الشاشة أجواء مرحلة ارتبطت لدى كثيرين باللعب الجماعي، والتجمع مع الأصدقاء، والعودة إلى المنزل بعد ساعات من الركض خلف الكرة.

 

فالشارع هنا ليس مجرد مساحة للتصوير، وإنما جزء أساسي من الحكاية، بما يحمله من تفاصيل بسيطة أصبحت مع مرور الوقت جزءا من ذاكرة أجيال كاملة.

 

 

الكاميرا لا تغير قواعد اللعب

 

بالنسبة إلى المشاركين في هذه المقاطع، لا يبدو وجود الكاميرا سببا لتغيير طريقة اللعب أو تحويله إلى عرض معد مسبقا.

 

ويقول مصطفى محمود، أحد أعضاء الفريق، إن ما يقومون به في الأساس هو اللعب وقضاء الوقت معا والاستمتاع باللحظات التي تجمعهم، مؤكدا أن الكاميرا لا تغير طبيعة ما يفعلونه.

 

وتبدو هذه الفكرة واضحة في طبيعة المقاطع نفسها؛ فالأطفال والشباب لا يتوقفون لترتيب المشاهد في كل مرة، ولا يظهرون وكأنهم يؤدون مباراة رسمية أمام جمهور، وإنما يستمرون في اللعب بينما تحاول الكاميرا اللحاق بأبرز اللحظات.

 

وقد تكون إحدى اللقطات عبارة عن مراوغة ناجحة، أو تسديدة قوية، أو قفزة مفاجئة، أو احتفال بسيط بين الأصدقاء، لكنها في النهاية جزء من اللعب المعتاد الذي يمارسونه حتى في غياب التصوير.

 

ولهذا تكتسب الفيديوهات طابعها العفوي، إذ لا يبدو الهدف الأساسي صناعة مشهد مثالي، بقدر ما يتمثل في توثيق اللحظة كما هي.

 

 

من اللعب إلى صناعة المحتوى

 

مع انتشار المقاطع، لم تعد التجربة مجرد توثيق عابر لمباريات الشارع. فقد بدأ المشاركون ينظرون إلى الأمر باعتباره فرصة لصناعة محتوى مستمر يمكن أن يتطور مع الوقت.

 

محمد عاطف، أحد أعضاء الفريق، يعبر عن رغبته في أن تكبر القناة التي بدأها مع أصدقائه، وأن يستمروا في التصوير معا خلال الفترة المقبلة.

 

وهذا الطموح يكشف جانبا آخر من التجربة، فالهواية التي بدأت بكرة قدم في أحد شوارع قنا أصبحت مرتبطة أيضا بمحاولة بناء مساحة خاصة على منصات التواصل الاجتماعي.

 

ولا يحتاج هذا النوع من المحتوى بالضرورة إلى إنتاج ضخم أو تجهيزات احترافية حتى يجد جمهورا. ففي أحيان كثيرة، يكون ما يجذب المشاهد هو قرب الصورة من حياته وتجربته، خصوصا عندما تقدم تفاصيل يصعب العثور عليها في المحتوى المصمم بعناية ليبدو مثاليا.

 

 

حكاية بسيطة تصل إلى الشاشة

 

ما يحدث في شوارع قنا يعكس قدرة كرة القدم على صناعة الحكايات بعيدا عن الملاعب الكبرى. فبينما ترتبط اللعبة في أذهان الجمهور بالبطولات والأندية والنجوم، تظل هناك نسخة أخرى منها تعيش في الأحياء والشوارع، حيث يلعب الأطفال من أجل المتعة، ويتنافس الأصدقاء من دون حسابات معقدة.

 

وفي هذه التجربة، جاءت الكاميرا لتلتقط ذلك العالم وتمنحه فرصة للوصول إلى جمهور أوسع.

 

ربما لم تكن البداية مخططة. فيديو أول صُور بالهاتف، ولم يحقق انتشارا كبيرا، لكنه فتح الباب أمام فكرة جديدة. ومع انتقال التصوير إلى الشارع، ظهرت مساحة أكبر للتوثيق، ثم بدأ الجمهور يتفاعل مع المشاهد التي أعادت إلى كثيرين صورا من طفولتهم.

 

وبين الكرة والكاميرا، تشكلت حكاية صغيرة من شوارع قنا، لكنها تحمل معنى أكبر من مجرد مقاطع رياضية. إنها قصة عن أصدقاء يجتمعون حول هواية يحبونها، وعن أطفال يجدون في الشارع ملعبا مفتوحا، وعن ذكريات قديمة يمكن لصورة عفوية أن تعيدها إلى الحياة.

 

وفي النهاية، ربما تكمن جاذبية هذه المقاطع في أنها لا تحاول أن تكون شيئا آخر. لا ملعب فاخر، ولا إنتاج ضخم، ولا سيناريو معقد؛ فقط كرة، وشارع، وأصدقاء، وكاميرا تلاحق اللحظة.

 

ومن هذه التفاصيل البسيطة، انتقلت حكاية اللعب من شوارع قنا إلى شاشة الهاتف، لتثبت أن المحتوى الأكثر تأثيرا قد يبدأ أحيانا من أكثر الأماكن عفوية، وأن كرة القدم لا تحتاج دائما إلى ملعب كبير كي تصنع مشهدا يستحق المشاهدة.