دفعت مخاوف استمرار الحرب الأمريكية الإيرانية أسعار النفط إلى تجاوز مستويات جديدة، مع صعود خام برنت فوق 100 دولار للبرميل، وتصاعد التهديدات لإمدادات الطاقة الخليجية.

 

وعكست الزيادة قلق الأسواق من اتساع المواجهة واستمرار اضطرابات الشحن والإنتاج، بينما رفعت مؤسسات مالية توقعاتها للأسعار، وسط تقديرات بتأخر التعافي الكامل إلى عام 2027.

 

 

برنت يتجاوز حاجز المئة

 

ارتفعت العقود الآجلة لخام برنت، الأربعاء، فوق مستوى 100 دولار للبرميل، متجاوزة هذه العتبة للمرة الأولى منذ 24 يوليو، مع احتدام الصراع في الشرق الأوسط.

 

وبحلول الساعة 07:21 صباحًا بتوقيت غرينتش، زادت عقود برنت بمقدار 2.15 دولار، بما يعادل 2.2 بالمئة، لتصل إلى 100.07 دولار للبرميل خلال التداولات.

 

وصعد خام غرب تكساس الوسيط الأمريكي بمقدار 1.70 دولار، أو بنسبة 1.83 بالمئة، مسجلًا 94.73 دولار للبرميل، في امتداد لموجة المكاسب التي تشهدها السوق.

 

وجاءت تحركات الأربعاء بعد استمرار ارتفاع الأسعار الثلاثاء، حين عززت التهديدات الإيرانية بالرد على أي هجمات أمريكية جديدة المخاوف من تعطل الإمدادات لفترة أطول.

 

وبلغت مكاسب خام برنت نحو 25 بالمئة منذ مطلع أغسطس، مع تراجع الآمال في التوصل إلى تسوية دائمة تنهي الحرب المستمرة منذ ستة أشهر.

 

ويكشف هذا الصعود المتراكم حجم الضغوط التي تفرضها المواجهة على السوق، بعدما أصبح احتمال استمرارها عنصرًا مؤثرًا في تقديرات الأسعار وتوقعات المعروض خلال الأشهر المقبلة.

 

ويمثل تجاوز حاجز المئة دولار علامة بارزة في مسار التداولات، لكنه يرتبط أساسًا بمخاوف تدفقات النفط، واحتمالات تعرض البنية التحتية للطاقة لمزيد من الاستهداف.

 

وتتابع الأسواق التطورات العسكرية باعتبارها عاملًا مباشرًا في تقييم سلامة الإمدادات، خصوصًا مع انتقال التهديدات إلى أصول نفطية وغازية ومصالح أمريكية مرتبطة بقطاع الطاقة.

 

وتزيد صعوبة تقدير موعد انتهاء المواجهة من تعقيد توقعات الأسعار، إذ تتداخل العمليات العسكرية مع اضطرابات الشحن واحتمالات استمرار القيود المفروضة على الإنتاج والإمدادات.

 

ولا تقتصر المخاوف على ضربة منفردة أو حادث بحري محدود، بل تمتد إلى سيناريو مواجهة طويلة تتكرر خلالها الهجمات، وتؤخر استعادة النشاط النفطي المعتاد.

 

ويعني استمرار هذا السيناريو بقاء الأسعار تحت تأثير الأخبار العسكرية، مع ترقب أي تطورات قد توسع نطاق استهداف المنشآت أو تعرقل حركة الناقلات بالمنطقة.

 

وفي المقابل، يظل غياب التقدم الدبلوماسي عنصرًا ضاغطًا على التوقعات، بعدما تراجعت فرص الانفراج التي كان يمكن أن تخفف المخاوف بشأن استمرارية تدفقات النفط.

 

وتجمع حركة الأسعار الحالية بين مكاسب يومية واضحة وارتفاع تراكمي كبير، بما يعكس انتقال القلق من تطورات المواجهة الآنية إلى تداعياتها الممتدة على السوق.

 

 

ناقلات النفط تحت الاستهداف

 

حذرت إيران من تعرض البنية التحتية للطاقة في أنحاء الخليج للخطر، مشمولة بذلك المصالح الأمريكية المرتبطة بالنفط والغاز، في تصعيد جديد للتهديدات المتبادلة بالمنطقة.

 

وجاء التحذير عقب ضربات متبادلة مطلع الأسبوع، بينما لم تظهر مؤشرات على تقدم دبلوماسي يفتح الطريق أمام تهدئة المواجهة أو احتواء تداعياتها على الإمدادات.

 

وقالت القيادة المركزية الأمريكية إن قواتها استهدفت ثلاث ناقلات نفط إيرانية يوم السبت، بينها ناقلة قبالة جزيرة خرج، التي تمثل مركز تصدير النفط الرئيسي لإيران.

 

وبحسب القيادة الأمريكية، جاءت هذه العمليات بعد هجمات نفذها الحرس الثوري الإيراني على سفن حربية أمريكية في المنطقة، لتتواصل بذلك حلقات الرد العسكري المتبادل.

 

ويضع استهداف ناقلات النفط حركة الإمدادات في صلب المواجهة، بعدما باتت السفن المرتبطة بتجارة الخام جزءًا من العمليات العسكرية المعلنة بين الولايات المتحدة وإيران.

 

كما يمنح موقع إحدى الضربات قبالة جزيرة خرج التطور أهمية إضافية للأسواق، بالنظر إلى دور الجزيرة الرئيسي في تصدير النفط الإيراني إلى الأسواق الخارجية.

 

وتفتح التهديدات الإيرانية بشأن منشآت الطاقة الخليجية نطاقًا أوسع للمخاوف، إذ تشمل بنية تحتية ومصالح نفطية وغازية، تتجاوز الناقلات التي أعلنت واشنطن استهدافها يوم السبت.

 

وتعزز هذه التطورات احتمال استمرار التوتر حول طرق الإمداد، خصوصًا إذا أعقبت الضربات الأمريكية هجمات إيرانية جديدة، ثم جولات أخرى من العمليات العسكرية المتبادلة.

 

وقال دانيال هاينز، المحلل لدى «إيه إن زد»، إن التصعيد الأخير زاد احتمالات مواجهة مطولة، تتخللها إجراءات عسكرية مدروسة من جانب الولايات المتحدة وإيران.

 

ويربط هذا التقدير بين استمرار الصراع وطبيعة العمليات المتوقعة، بما يشير إلى احتمال تتابع التحركات العسكرية دون الوصول سريعًا إلى تسوية تنهي حالة الاضطراب.

 

وحذر هاينز من أن هذا المسار قد يؤدي إلى استمرار تقييد الإمدادات القادمة من الخليج طوال الفترة المتبقية من عام 2026، بدلًا من تعافيها سريعًا.

 

وأضاف أنه لا يتوقع عودة كاملة إلى معدلات الإنتاج السابقة للحرب إلا أواخر الربع الأول أو أوائل الربع الثاني من عام 2027، وفق تقديراته.

 

وتعني هذه التوقعات أن آثار المواجهة قد تتجاوز نهاية العام الجاري، مع بقاء استعادة الإنتاج الطبيعي مرتبطة بمسار الصراع وقدرة الإمدادات على تجاوز الاضطرابات.

 

 

توقعات مرتفعة واضطرابات ممتدة

 

رفع بنك غولدمان ساكس توقعاته لأسعار خامي برنت وغرب تكساس الوسيط الأمريكي بمقدار خمسة دولارات للبرميل، في مراجعة تعكس استمرار القلق بشأن المعروض وحركة الشحن.

 

وبموجب التقديرات المعدلة، يتوقع البنك وصول سعر برنت إلى 85 دولارًا للبرميل في ديسمبر 2026، مقابل 80 دولارًا للبرميل لخام غرب تكساس الوسيط الأمريكي.

 

أما توقعات عام 2027، فارتفعت إلى 80 دولارًا للبرميل لخام برنت، و75 دولارًا للبرميل للخام الأمريكي، مع استمرار تأثير اضطرابات المنطقة على تقديرات السوق المستقبلية.

 

وتعكس المراجعة توقعات البنك باستمرار اضطرابات الشحن في الشرق الأوسط خلال العام المقبل، بما يطيل أمد تأثير الحرب على حركة النفط وتوازنات العرض المتوقعة.

 

ورغم رفع هذه التوقعات، فإنها تظل دون الأسعار المسجلة الأربعاء، وهو ما يوضح اختلاف تقديرات المستويات المستقبلية عن القفزة الراهنة المرتبطة بالتصعيد العسكري ومخاوف الإمدادات.

 

وتشير الأرقام إلى أن البنك يتوقع مستويات أقل من التداولات الحالية، لكنه عدّلها صعودًا مقارنة بتقديراته السابقة، استجابة لاحتمال استمرار الاضطرابات خلال الفترة المقبلة أيضًا.

 

وفي توقعات السلع الأولية لشهر سبتمبر، الصادرة عن منصة الخدمات المالية «ماريكس»، ربط المحلل إد مير استمرار ارتفاع النفط ببقاء الحرب دون حل حتى الآن.

 

ورجح مير استمرار الحرب، مستندًا إلى وجود العديد من القضايا التي لم تُعالج بعد، بما يقلص فرص الوصول إلى نهاية قريبة للمواجهة العسكرية الجارية بالمنطقة.

 

وبناء على ذلك، رأى أن أسعار النفط الخام ستظل على الأرجح مرتفعة حتى نهاية العام، ما دامت الحرب مستمرة والقضايا العالقة تحول دون إنهائها قريبًا.

 

وتتقاطع تقديرات «ماريكس» مع تحذيرات «إيه إن زد» ومراجعة غولدمان ساكس عند استمرار أثر الحرب، وإن اختلفت طريقة التعبير عن الأسعار والإنتاج وتوقيت التعافي المتوقع.

 

فبينما يركز هاينز على القيود المحتملة للإمدادات وتأخر عودة الإنتاج، يبرز غولدمان ساكس اضطرابات الشحن، ويربط مير اتجاه الأسعار باستمرار المواجهة وغياب معالجة القضايا العالقة.

 

وتبقى الأسواق أمام اختبار متواصل مع كل تصعيد جديد، إذ يمكن لاتساع الاستهداف أن يعزز مخاوف النقص، ويزيد صعوبة تحديد موعد استقرار تدفقات النفط.

 

ومع تجاوز برنت حاجز المئة دولار، تتصدر سلامة الإمدادات ومدة الحرب حسابات السوق، وسط توقعات باستمرار الضغوط خلال الأشهر المتبقية من العام وامتدادها إلى 2027.