أعادت وزارة التربية والتعليم التلويح بحظر النقاب، رغم مرور نحو 3 سنوات على إقراره دون ظهور حالة منع موثقة وكونه حبر على ورق ما يحمل ضغينة وحقد ضد التعاليم الإسلامية، لتفتح مجددًا سؤال قدرتها على تحويل التهديد إلى ممارسة وسط مجتمع به الالف المنقبات داخل المدارس لا يجرؤ احد على توقيف اي منهن.

 

وبين قرار مكتوب وتنفيذ غير ظاهر، تبدو الوزارة حريصة على إبقاء المنع حاضرًا، والتنفيذ غائبا خشية من رد فعل سيكون لا يحمد عقباه .

 

وبينما تظل كلفة مواجهة الطالبات وأسرهن والمجتمع الرافض للقرار تفسيرًا محتملًا للتردد، في تناقض يغذي وصف الحظر بأنه حبر على ورق لكنه لا يخفي وجود ضغينة من تعاليم الدين الاسلامي.

 

 

استهداف الاختيار

 

بدايةً، يستند الحظر إلى القرار الوزاري رقم 167 لسنة 2023، وليس قانونًا جديدًا، إذ اشترط عدم حجب وجه الطالبة ضمن مواصفات الزي، ليضع اختيار المنتقبة في مواجهة مباشرة مع التعليمات الإدارية.

 

وبحسب بيان الوزارة الأخير، جاء تجديد التأكيد بعد منشور لمدرسة نجع سعيد بقنا، تضمن الإشارة إلى الالتزام بالنقاب، وأعقبه إحالة المدير ومسؤول الصفحة للتحقيق، دون إعلان حصيلة منع طالبات من الدراسة.

 

للتوضيح، نفت الوزارة أن تكون الصورة المصاحبة للمنشور حقيقية، وقالت إنها مولدة بالذكاء الاصطناعي، ما يجعل الواقعة المثبتة متعلقة برسالة مدرسية منشورة، وليس بمشهد لطالبات جرى منعهن أو إجبارهن على النقاب.

 

في المقابل، لا يحتاج توصيف المنع بأنه استهداف لارتداء النقاب إلى افتراض دوافع خفية، فالقرار يقيد هذا اللباس صراحة عبر شرط إظهار الوجه، وإن قدمته الوزارة ضمن قواعد تنظيم الزي المدرسي، لكنه يخفي داخله محاربة الإسلام.

 

ومن ثم، يتجاوز الاعتراض صياغة التعليمات إلى أثرها المقصود، منع الطالبة من الاحتفاظ بلباس اختارته داخل المدرسة، بما يجعل الحديث عن التنظيم وحده عاجزًا عن إخفاء المساس المباشر بهذه القناعة الدينية.

 

واستنادًا إلى موقف العالم الأزهري عباس شومان، الذي نقلته الشرق الأوسط، فإن النقاب من الحريات الشخصية، وارتداء النساء له طلبًا للستر لا يبرر محاصرته بسبب إساءة استخدامه من بعض الأشخاص الآخرين.

 

كما أوضح شومان أن التحقق من شخصية المنتقبة يعالج مخاوف التخفي، دون حاجة للمطالبة بالمنع، وهو طرح يضع أمام الإدارة بديلًا محددًا، ويضعف تبرير الحظر العام بمجرد الحاجة إلى معرفة الهوية.

 

 

خشية المواجهة

 

بدوره، أكد الفقيه يوسف القرضاوي في حديث للجزيرة عام 2004 أن النقاب حق للمسلمة، ورفض إلزامها بترك ما تعتقد وجوبه أو استحبابه، رابطًا ذلك بحريتها الشخصية والدينية في اختيار لباسها بنفسها.

 

وعليه، لا يقتصر الاعتراض الشرعي على من يرى النقاب واجبًا، بل يشمل رفض مصادرة المباح والمستحب، فترجيح جواز كشف الوجه لا يمنح الإدارة تلقائيًا حق إجبار من اختارت تغطيته على نزعه.

 

علاوة على ذلك، أجاز القرضاوي كشف الوجه عند ضرورة التعرف على الشخصية، ومنها الامتحانات، فجمع بين احترام الاختيار وتلبية الحاجة، دون تحويل الاستثناء المحدد إلى إلزام عام بكشف الوجه طوال الدراسة.

 

بناءً على ذلك، تبدو مطالبة المنتقبة بإثبات هويتها مختلفة جوهريًا عن مطالبتها بالتخلي عن نقابها، والخلط بين الإجراءين يوسع سلطة الإدارة على حساب الطالبة، بدل حصر التدخل في حدود الحاجة الفعلية.

 

بالتوازي، يفتح غياب حالات منع موثقة في المواد المتاحة باب التساؤل عن حدود التطبيق، لكنه لا يكشف وحده تعليمات كل مدرسة، ولا يسمح بتحويل تفسير التردد إلى معلومة مؤكدة عن المسؤولين، العاجزين عن تفجير تنفيذ هذا القانون.

 

مع ذلك، فإن تجديد القرار بدل تقديم نتائج تنفيذه يعزز قراءة ترى السلطة أشد اندفاعًا في إعلان المنع منها في تحمل تبعاته، خصوصًا عندما ينتقل الأمر من الورق إلى بوابات المدارس.

 

لذلك، يمكن فهم الخشية من اعتراض الأسر باعتبارها تفسيرًا لهذا التباعد، لا اعترافًا صادرًا عن الوزارة، فإبعاد طالبة بسبب لباسها قد ينقل الخلاف إلى مواجهة علنية بشأن التعليم والتدين والاختيار الشخصي.

 

امتدادًا لذلك، يبدو إبقاء الحظر معلقًا وسيلة لاستمرار الوجه القبيح لحكومة الانقلاب والتشهير بالدين دون تحمل كلفة المواجهة المباشرة، وهي قراءة للتناقض القائم، حيث تبقى الطالبات أمام نص يسمح بالتضييق، بينما هو على ارض الواقع حبر على ورق ربما يخوف قلة صغيرة وتجبرهن على خلع النقاب.

 

 

حرية مهددة

 

من جانبه، دافع الفقيه محمد رأفت عثمان، عضو مجمع البحوث الإسلامية آنذاك، في حوار للخليج عن حرية المرأة في ارتداء النقاب، مع رفض فرض اختيارها على جميع النساء الأخريات.

 

وفقًا لهذا الموقف، لا تتجزأ الحرية بين حق ترك النقاب وحق ارتدائه، ورفض إجبار الطالبات عليه يجب أن يقابله رفض إجبارهن على نزعه، وإلا تحولت حماية الاختيار إلى وصاية في اتجاه واحد.

 

وبالمثل، لا يكفي رفض منشور يوحي بإلزام الطالبات بالنقاب لتبرير منع من اختارته، لأن الحالتين مختلفتان، الأولى تتعلق بفرض اللباس، والثانية بمصادرة اختيار فردي، وتجاهل الفارق يفرغ الدفاع عن الحرية من معناه.

 

فضلًا عن ذلك، يبعث استمرار التلويح بالحظر رسالة تضييق إلى المنتقبات، حتى دون تطبيق ظاهر، لأن وجود النص يمنح الإدارة أداة ضغط محتملة، ويجعل استقرار الطالبة الدراسي عرضة لتبدل التوجيهات والاجتهادات المحلية.

 

أما تربويًا، فإن تحويل الزي إلى اختبار طاعة يهدد بإزاحة غاية المدرسة، فالمطلوب تعليم الطالبة واحترام كرامتها، ومعالجة احتياجات التعريف بالهوية دون وضعها أمام مفاضلة قاسية بين الدراسة وما تعتبره التزامًا دينيًا.

 

ولهذا، يستند الموقف الرافض إلى المطالبة بمراجعة الحظر نفسه، لا استعجال تنفيذه، لأن غياب التطبيق الظاهر لا يجعل النص بلا أثر، بل يبقي احتمال استخدامه ضد الطالبات قائمًا متى تغيرت التعليمات.

 

إزاء ذلك، تصبح إعادة التشديد عبئًا على مصداقية الوزارة، فهي تؤكد قاعدة تقيد اختيارًا دينيًا، لكنها لا تقدم في بيانها الأخير ما يحسم نطاق التنفيذ، فتترك الأسر أمام تهديد قائم وغموض مستمر.

 

أخيرًا، تكشف المعطيات المتاحة حظرًا يتجدد في البيانات أكثر مما يظهر في الوقائع الموثقة، ليشهر بالتعاليم الإسلامية وتسمح بقراءة التردد خشيةً للمواجهة، بينما يبقى الاعتراض الأهم أن حرية المنتقبة لا ينبغي تعليقها على قانون فهو حق أصيل وحرية كاملة لعبادتها.