يرغب معظم الناس، كقاعدة عامة، في أن يكونوا سعداء بدلًا من التعاسة، لكن التحدي يكمن في معرفة كيفية تعظيم نسبة المتعة إلى الألم. وتوضح سوزان كراوس ويتبورن، أستاذة فخرية في علم النفس والعلوم الدماغية بجامعة ماساتشوستس أمهيرست، أن السعي المفرط وراء السعادة قد يجعل الوصول إليها أكثر صعوبة، في ظاهرة تُعرف باسم «مفارقة السعادة».
وفي مقال نشرته «سايكولوجي توداي» بعنوان «5 خطوات للتغلب على مفارقة السعادة»، تستعرض ويتبورن دراسة حديثة لإيريس ماوس من جامعة كاليفورنيا في بيركلي وبريت فورد من جامعة تورنتو، وتوضح كيف يمكن فهم السعادة والتعامل معها بطريقة لا تجعل السعي إليها سببًا في الإحباط بدلًا من الشعور بالرضا.
لماذا يصبح السعي وراء السعادة عائقًا أمامها؟
تشير ماوس وفورد في مراجعة نظرية حديثة إلى أن «السعي وراء السعادة سلوك إنساني عالمي، لكنه يحقق نتائج متباينة». وانسجامًا مع مبادئ علم النفس الإيجابي، قد يكون التركيز على الوضع الحالي، بما يحمله من عيوب ومشكلات، أكثر فائدة أحيانًا من محاولة فرض شعور مصطنع بالفرح.
ويمكن إدراك هذه المفارقة بسهولة عند التفكير في يوم توقعنا أن تسير أحداثه على نحو مثالي. تخيل أنك خرجت مع مجموعة من الأشخاص الذين تحبهم، وجلست منتظرًا أمسية «مثالية». تريد أن تشعر بالسعادة، لكن أحدهم يلقي تعليقًا مزعجًا بعد دقائق من بدء اللقاء، فتجد نفسك منخرطًا في نقاش غير سار، وتنحدر الأمسية منذ تلك اللحظة. وقد تتمنى لو استطعت إعادة الزمن إلى الوراء والبدء من جديد حتى لا تسمح لذلك التعليق بالتأثير في مزاجك.
لكن ماوس وفورد تريان أن محاولة الوصول إلى السعادة تحديدًا قد تدفع الإنسان إلى مشاعر تناقضها. ولذلك، قد يكون السماح للسعادة بأن تتشكل بصورة طبيعية داخل الموقف، بدلًا من إجبار النفس عليها، أكثر فاعلية. ويتطلب ذلك، وفق النموذج النظري الذي طرحاه، تفكيك عملية السعي إلى السعادة إلى مكونات مترابطة.
كيف تسير في طريق السعادة دون أن تطاردها؟
تبدأ الرحلة بتحديد هدف واضح للسعادة. ولا يعني قول الشخص «أحاول جاهدًا أن أكون سعيدًا» أنه محكوم عليه بالفشل؛ فالمشكلة لا تكمن في الرغبة في السعادة، وإنما في الطريقة التي يتعامل بها معها للوصول إلى هذا الهدف، والتي قد تتحول إلى مصدر للتعاسة.
بعد ذلك تأتي مرحلة تنظيم المشاعر. فالسعادة، في جوهرها، حالة وجدانية، ولذلك يحتاج الإنسان إلى تعديل مشاعره بما يتوافق مع حالته الحالية والهدف الذي يسعى إليه. وقد يحتاج أحيانًا إلى رفع مستوى مشاعره أو خفضه. ويبرز هنا التغيير المعرفي باعتباره وسيلة مهمة؛ فإذا قال شخص ما شيئًا أثار غضبك، اسأل نفسك: هل قصد فعلًا إزعاجك؟ ربما كان هناك أساس منطقي لسوء الفهم. أما إقناع نفسك بأن التعليق صدر بقصد الإساءة فلن يؤدي إلا إلى زيادة شعورك بالسوء، ولذلك قد يكون من الأفضل البحث عن تفسير آخر يخفف حدة الموقف.
ثم تأتي مرحلة مراقبة المشاعر والتأمل فيها. فكر في شعورك الحقيقي في اللحظة الراهنة، ولاحظ ما يحدث داخلك. وتستشهد الباحثتان بسقراط، الذي رأى أن «الحياة غير المفحوصة لا تستحق أن تُعاش»، لكنهما تشيريان في الوقت نفسه إلى أن الإفراط في التفكير في المشاعر قد لا يكون مفيدًا دائمًا، بينما يمكن أن يساعد تذوق اللحظة والاستمتاع بها على استعادة التوازن.
انظر إلى الأشخاص المحيطين بك، وهم في الأساس أشخاص تهتم بهم وتستمتع بصحبتهم. وقد يسمح لك تجاهل تعليق عابر باستعادة قدرتك على الاستمتاع بهم وباللحظة التي تجمعكم. والأهم أن مراقبة المشاعر تساعدك على معرفة ما إذا كنت تسير فعلًا في الاتجاه الصحيح لتحقيق هدفك في السعادة.
بعد ذلك تأتي مرحلة الاستجابة، حيث تستطيع تقييم مستوى سعادتك دون اشتراط الكمال. ربما لا تسير الأمور كلها على نحو مثالي، وهذا أمر طبيعي. وانسجامًا مع مفهوم الوعي اللحظي، يمكن أن يساعد ملاحظة المشاعر دون إصدار أحكام عليها في تعزيز تقبلها. وإذا كانت معظم الأمور تسير بصورة جيدة، فهناك أسباب كثيرة للشعور بالسعادة. كما أن تقبل حقيقة أن الحياة لا تكون مثالية أبدًا يساعدك على رؤية العقبات العابرة دون أن تسمح لها بتحطيم حالتك النفسية.
أما المرحلة الأخيرة فتتمثل في أخذ السياق المحيط في الاعتبار، بما يشمل الظروف الاجتماعية والثقافية والنظم التي يعيش الإنسان داخلها. وقد تبدو هذه المهمة كبيرة، لكنها تصبح أكثر سهولة عند تفكيكها. فإذا خرجت مع أصدقائك، فمن الطبيعي أن ترغب في الاستمتاع، وقد تكون الظروف مهيأة لذلك، باستثناء تعليق مزعج محتمل. لكن بعض المواقف لا تسمح بالسعادة، وربما لا ينبغي لها أن تفعل ذلك.
فهل سيكون من المناسب أن تشعر بالسعادة إذا شاهدت خلال اللقاء مشهدًا مقلقًا؟ ربما تقع عيناك على شاشة تلفزيون تعرض حريقًا هائلًا خرج عن السيطرة، أو يتحول الحديث إلى مشكلات اجتماعية تثير قلقك بشدة. بدلًا من طرد هذه المشاعر من وعيك، تقبل أن الحياة تحمل جوانب ناقصة ومؤلمة يمكن أن تؤثر في مزاجك.
السعادة ليست نشوة دائمة
تخلص الكاتبة إلى أن السعادة، رغم كونها هدفًا إنسانيًا مشتركًا، قد تجعل كثيرين «يتعثرون في الوصول إليها». ولذلك، فإن السير في طريق وسط بين مخاطر السعي وراء السعادة ووعوده يمكن أن يساعد على تقليل فرص التعثر في كل مرحلة من مراحل الوصول إليها.
ومن المهم أيضًا التمييز بين مكونات السعادة المختلفة، ومنها «السعادة الوجودية» أو الشعور بالمعنى والهدف، والتقييم الذي يعكس مستوى الرضا، والمشاعر التي تتعلق بالإحساس بالمتعة. فقد يشعر الإنسان أحيانًا بأن ما يفعله يحقق له معنى وهدفًا رغم الألم الذي يرافقه في اللحظة الراهنة. وقد يشعر كذلك بالرضا والطمأنينة بدلًا من الفرح الصاخب عندما يتأمل الصورة الأوسع لحياته.
ولهذا، لا تعني السعادة دائمًا الوصول إلى حالة من النشوة. وقد يكون السعي إليها أكثر وعدًا وأقل عرضة للمآزق إذا عرف الإنسان كيف يستفيد من الاستراتيجيات التي تساعده على إبقاء عينيه على أهدافه طويلة الأمد.
وتشير الدراسة التي استندت إليها الكاتبة، والتي أعدتها إيريس ب. ماوس وبريت كيو. فورد عام 2026 بعنوان «السعي وراء السعادة: المآزق والوعود»، إلى أهمية فهم الطريقة التي يمكن بها للسعي إلى السعادة أن يحقق نتائج عكسية، بدلًا من افتراض أن زيادة السعي ستؤدي بالضرورة إلى زيادة السعادة.

