ياسين التميمي
كاتب صحفي وباحث سياسي يمني
المعارك التي تشهدها مناطق شمال غرب تعز وجنوب محافظة الحديدة منذ نحو أسبوعين، تدور بشكل أساسي حول هدف السيطرة على جنوب البحر الأحمر ومضيق باب المندب، وهو هدف مغامر للغاية بالنسبة للحوثيين؛ الذين استخدموا أقوى ما لديهم من إمكانيات عسكرية وصواريخ وطائرات مسيرة، ورغم ذلك بقيت الأمور بين كر وفر، مع ترجيح لتفوق المركز العسكري للقوات الحكومية في منطقة حيوية بالنسبة لخطوط الإمداد العسكرية والواقعة شمال شرق مدينة حيس التابعة لمحافظة الحديدة.
ثمة مؤشرات على ثقل الدور الإيراني في هذه المعارك عبر قيادات ميدانية وخبراء يشاركون في إدارة المعارك، وثمة مؤشرات أخرى على دور إماراتي بخلفية ثأرية على ما يبدو، للتأثير المعنوي على دور القوات المسلحة اليمنية (الجيش الوطني)، عبر حملة منسقة تظهر هذا الجيش باعتباره كتائب تعمل تحت إشراف ما يسمونه التنظيم الدولي للإخوان المسلمين.
لا توجد فرص حقيقية لوصول الحوثيين إلى باب المندب، على الرغم من التطورات السلبية في منطقة الكدحة، حيث يمر الخط الأسفلتي الجديد الذي يصل بين مدينة تعز ومدينة المخا، بعد أن تقدم إليها مقاتلو جماعة الحوثي أمس السبت، وهو تقدم يعود في الأساس إلى عدم وجود قوات بإمكانيات عسكرية كافية تعيق الحركة السهلة للقوات المعادية والآتية من مديرية مقبنة المجاورة؛ الواقعة تحت سيطرة الجماعة منذ سنوات، ومع ذلك هناك دلائل قوية على إمكانية دحر القوات المتقدمة في غضون الساعات القادمة.
في مدينة حيس آخر المدن الواقعة جنوب محافظة الحديدة، تمكنت القوات الحكومية من دحر قوات الحوثيين من مواقع في جبل دوباس الاستراتيجي الواقع شمال شرق المدينة ومن مناطق تقع شمال المدينة، وسط تقدم لهذه القوات باتجاه مدينة الجراحي، وكلا المدينتين تقعان على الخط الرئيس الرابط بين مدينتي تعز والحديدة، ومن المرجح أن تتقدم القوات باتجاه مديرية جبل راس إلى الغرب من حيس، وإذا ما تحقق ذلك فسيكون بوسع القوات الحكومية قطع خطوط الإمداد البرية القادمة من محافظة إب إلى قوات الحوثيين في الحديدة.
الاندحار السريع لقوات الحوثيين من مديرية حيس يعزز من فرضية عدم قدرتهم على تغيير الوقائع في منطقة جنوب البحر الأحمر، وهو هدف إيراني بامتياز، يصب في إطار مخطط طهران لتعزيز مركزها الحربي وإضافة نقطة تحكم استراتيجية هامة على خط الملاحة الدولية وإمدادات الطاقة في البحر الأحمر.
وعلى الرغم من الحضور القوي للأجندة الإيرانية في معارك شمال غرب تعز وجنوب الحديدة، وتهديداتها المحتملة لجنوب البحر الأحمر وباب المندب حتى هذه اللحظة، لا يوجد تحول كبير على المستوى العملياتي قد يشير إلى تنامي في زخم المعارك، وتحولها من رد فعل على هجمات الحوثيين إلى هجوم شامل يحقق الأهداف العليا للشعب اليمني وفي مقدمتها استعادة الدولة وتحقيق السلام، وهي أهداف ترتهن حتمًا لموقف أكثر حزمًا من جانب السعودية، ليس لأن الحكومة الشرعية لا تستطيع أن تقوم بذلك بمفردها واستنادًا إلى قواتها المسلحة، ولكن لأن هذه الحكومة تجد نفسها مكبلة بسلسلة من التعقيدات الميدانية والسياسية والأمنية والعسكرية وحتى الاقتصادية، التي صُنعت خلال السنوات العشر الماضية، تحت أنظار تحالف دعم الشرعية نفسه وبدعم كامل منه.
فلا تزال قوى الأمر الواقع وما مثلته طيلة السنوات الماضية من تهديد مباشرٍ لوجود الدولية اليمنية؛ نفسها تمثل مشكلة حقيقية تحد من قدرة الحكومة الشرعية على المضي قدمها في تأكيد نفوذها وتوحيد الموقف السياسي والعسكري حول هدف واحد مشترك. أما التحدي الآخر فيتمثل في العقيدة السياسية والأمنية التي لا تزال تحضر بقوة في الخطابين السياسي والإعلامي، وهي عقيدة صُممت لاستهداف النتائج السياسية لربيع اليمن، وقواه السياسية وشيطنتها.
يقف اليمنيون باهتمام بالغ أمام تطورات المعارك الناشئة في جبهات غرب تعز وجنوب الحديدة، ويدفعون ثمنها من دمائهم، ويدركون أكثر من غيرهم وجود تقاطع للمصالح في هذه المنطقة الحيوية من العالم، ويتساءلون عما إذا كانت الشرعية والتحالف العسكري الذي يدعمها بقيادة السعودية بصدد تحقيق التحول العسكري المستحق في مواجهة التهديدات التي تعكسها الأجندات الإقليمية العدائية.
يمثل وجود اللواء حمدي شكري، قائد المنطقة العسكرية الرابعة ومقرها العاصمة السياسية المؤقتة عدن، في مدينة المخا والمشاركة في قيادة العمليات، أحد مظاهر الاهتمام السعودي بما يجري في هذه مسرح العمليات التابع لهذه المنطقة، إلى جانب تدخل الطيران التابع للقوات الجوية اليمنية. لكن الحسم يحتاج إلى خطوات أكثر طموحًا، فقد آن الأوان لتتدحرج المعركة إلى مواجهات شاملة في كل الجبهات تضيق الخناق على جماعة الحوثي، وصولًا إلى تحييده سياسيًا وعسكريًا، مع التحول الكبير في موقف الولايات المتحدة التي بدأت تتحدث بشكل واضح عن دعمها للقوات الحكومية في معركة هدفها هزيمة الحوثيين وسحقهم.

