في مدينة فاس خلال العصر المريني، لم يكن كبار السن الذين أنهكتهم الشيخوخة ووجدوا أنفسهم بلا عائل أو ابن يتولى رعايتهم متروكين لمصيرهم.

 

ويؤكد مدير بيت العمارة والعمران بالقاهرة ومستشار معهد المخطوطات العربية، خالد عزب، أن كبار التجار والأعيان بادروا إلى إنشاء دار عُرفت باسم «دار الشيوخ»، لتكون ملاذًا لهؤلاء المسنين، في صورة تشبه ما نعرفه اليوم بدور رعاية كبار السن.

 

لكن دار الشيوخ لم تكن مجرد مكان للإقامة وتوفير الطعام؛ بل كانت نموذجًا متقدمًا للرعاية الإنسانية. فقد كان أحد الشباب يزور الشيخ المسن مرتين في الأسبوع، يؤنسه ويخفف عنه، ثم يصطحبه مرة كل أسبوع إلى جنان فاس للتنزه، حتى لا يتحول المكان إلى سجن للعزلة والوحدة.

 

وكانت الرعاية تقدم من دون أن يدفع المسن مقابلًا ماليًا؛ فالوقف كان يتكفل بالطعام والرعاية الصحية وسائر احتياجاته. وهنا تتجلى صورة من صور الحضارة التي جعلت الرحمة قيمة اجتماعية ومؤسسة عملية، لا مجرد معنى أخلاقي مجرد.

 

 

حين لم يكن التاريخ الإسلامي تاريخ السلطة وحدها

 

قد يبدو التاريخ الإسلامي، للوهلة الأولى، تاريخًا سياسيًا تدور أحداثه حول الصراع على السلطة والحكم، غير أن هذا التصور لا يعكس سوى جانب واحد من حضارة أكثر اتساعًا وعمقًا.

 

ففي الحضارة الإسلامية نشأت، مجازًا، سلطة أخرى يمكن تسميتها «سلطة المجتمع»، ضمن علم العمران الذي ظهر في القرون الأولى من التاريخ الإسلامي، والذي اهتم بالحياة الإنسانية وغايتها في عمارة الأرض وتحقيق قدر من السعادة والكرامة للإنسان.

 

ومن هذا المنطلق، لم تكن مسؤولية المجتمع محصورة في مواجهة الصراعات السياسية، بل امتدت إلى توفير الحد الأدنى من مقومات الحياة الكريمة، من خلال منظومة واسعة من الرعاية الاجتماعية والصحة والتعليم.

 

وكانت مؤسسة الوقف إحدى أهم الأدوات التي مكّنت المجتمع من القيام بهذه المسؤوليات. فقد أُوقفت الأراضي الزراعية والمنشآت التجارية والصناعية وغيرها، وجُعل ريعها مصدرًا مستدامًا لتمويل مختلف أوجه الرعاية، تحت إشراف القضاء ورقابته.

 

وهكذا لم يكن الوقف مجرد تبرع عابر، بل كان مؤسسة اقتصادية واجتماعية قادرة على تحويل قيمة الرحمة والتكافل إلى خدمات مستمرة يستفيد منها المحتاجون.

 

 

أربطة وتكايا.. مؤسسات تحفظ كرامة كبار السن

 

ومن النماذج اللافتة لهذا الدور الاجتماعي ما قامت به التكايا والأربطة، التي لم تكن مقصورة على أغراضها الدينية أو الصوفية، بل أدت أدوارًا مهمة في إيواء المحتاجين وكبار السن ومن أقعدهم الزمن.

 

ومن أبرز الأمثلة رباط السلطان بيبرس الجاشنكير في القاهرة خلال العصر المملوكي، الذي خُصص لإيواء المحتاجين، وكان وفق نظام دقيق حدده الواقف في وثيقته.

 

فقد خصص الرباط إقامة كاملة لثلاثين شخصًا من «المنقطعين المجردين»، أي كبار السن الذين لم يعد لهم من يعولهم، بينما أتيح لسبعين آخرين من ذوي الأسر التردد على الرباط نهارًا والعودة إلى أسرهم مساءً، مع حصولهم على الامتيازات نفسها من الطعام والخبز.

 

وكان نصيب الفرد يشمل الطعام واللحم وثلاثة أرغفة من خبز البر يوميًا، إضافة إلى الحلوى. كما شملت الإقامة عتقاء الواقف، والجند الذين تعطلت أعمالهم، وأبناء الناس الذين أقعدهم الزمن.

 

ولم تكن هذه المؤسسات بمعزل عن الظروف الاقتصادية والسياسية؛ فعندما انخفض منسوب الفيضان عام 776هـ، تعطل المطبخ وتوقف تقديم الطعام، لكن استمر صرف الخبز، ثم عُوّض الطعام بمبالغ مالية زيدت لاحقًا. وعندما تكرر عجز الفيضان عام 796هـ وأُغلق المخبز الذي كان يمد الرباط بالخبز، عُوّض المستفيدون بالنقود.

 

كما وضعت الوقفية شروطًا لضمان وصول الرعاية إلى مستحقيها، فاشترط الواقف أن يكون المقيمون من الفقراء والمساكين، وأن يكون ظاهرهم الصلاح، وألا يكونوا ممن يخدمون عند الأمراء ونحوهم.

 

وهذا يكشف أن الرعاية الاجتماعية لم تكن عشوائية، بل كانت تقوم على نظام واضح يحدد المستفيدين وحقوقهم ومصادر تمويلهم وآليات إدارة المؤسسة.

 

 

من رعاية المسنين إلى حماية النساء ودعم الفقراء

 

لم تقتصر شبكة الأوقاف الاجتماعية على كبار السن، بل امتدت إلى فئات اجتماعية مختلفة، ولا سيما النساء والفقراء ومن يواجهن ظروفًا قاسية.

 

ومن ذلك رباط البغدادية في القاهرة، الذي أنشأته تذكار باي خاتون، ابنة الملك الظاهر بيبرس، عام 684هـ/1285م. وقد تولت إدارته نساء صالحات، من بينهن الشيخة زينب ابنة أبي البركات، التي عُرفت بالعلم والزهد وتعليم النساء.

 

وكان الرباط مخصصًا للنساء المطلقات حتى يتزوجن، أو للنساء اللاتي هجرهن أزواجهن حتى يعدن إليهم، بما يوفر لهن مأوى يحفظ كرامتهن ويصونهن من الحاجة والانحراف.

 

وفي القدس، أوقف الأمير تنكز بن عبد الله عام 730هـ/1329م رباطًا خصصه لمجموعة من النساء المسنات المسلمات. وعندما حاول أحد الرجال الإقامة فيه، اضطر إلى إثبات أحقيته بذلك، قبل أن تكشف وثيقة الوقف أن وظيفة البواب نفسها كانت مخصصة لإحدى نساء الرباط.

 

أما في فاس، فقد ظهرت أوقاف الشريفات، وهما داران لإقامة النساء المعوزات، توفران لهن المأوى الآمن، إلى جانب مبلغ يومي للنفقة وكسوة سنوية.

 

ولم تتوقف الرعاية عند توفير المسكن والطعام، بل امتدت إلى معالجة الخلافات الأسرية. ففي فاس ومراكش عُرفت «دار الثقاف»، وهي دار أوقف ريعها على النساء اللاتي يقع بينهن وبين أزواجهن نفور أو خلاف، فتقيم فيها المرأة وتحصل على ما تحتاج إليه من طعام وشراب حتى تزول أسباب الخلاف.

 

وكانت الدار تستعين بأشخاص صالحين موثوقين، وبالقاضي، للوقوف على حقيقة النزاع ومعرفة الطرف المتظلم.

 

بل إن منظومة الوقف وصلت إلى تفاصيل تبدو، بمقاييس عصرنا، شديدة الخصوصية؛ ففي فاس أُنشئت دور خاصة بالعرائس الفقيرات واليتيمات، يتولى ناظر كل دار تزويجهن على نفقة الوقف، ثم إقامتهن فيها أسبوعًا بعد الزواج في مكان مجهز بكل ما يحتجنه.

 

وفي مكناس بالمغرب، أُنشئت دار لتزويج المكفوفين، تتولى تجهيز احتياجات الزواج وإقامة مراسمه. ومن أطرف صور التكافل الاجتماعي وقف خُصص لإعارة الحلي للعروس الفقيرة، حتى تظهر في ليلة زفافها بأبهى صورة.

 

هذه النماذج تكشف أن الوقف في الحضارة الإسلامية لم يكن مؤسسة دينية فحسب، بل كان أحد أهم أشكال التكافل المجتمعي المنظم؛ إذ امتدت خدماته من رعاية كبار السن إلى حماية النساء، وإعانة الفقراء، وتيسير الزواج، وحل النزاعات الأسرية.

 

وإذا كان التاريخ السياسي يحفظ لنا أسماء الحكام والمعارك وتحولات السلطة، فإن تاريخ المجتمع يحفظ وجهًا آخر للحضارة؛ وجهًا جعل من الرحمة نظامًا، والتكافل مؤسسة، والكرامة حقًا للإنسان.