استخدم الرئيس الصيني شي جين بينج زيارته الأولى إلى مصر منذ عقد لدفع رؤية جديدة لأمن الشرق الأوسط، واضعًا القاهرة في موقع الركيزة الاستراتيجية بالنسبة إلى بكين وسط الحرب مع إيران، التي تهدد حركة الملاحة في الخليج وتعيد رسم الخريطة الاستراتيجية للمنطقة.
وفي تحليل للزيارة، قال وو تشيكونج، الباحث المساعد في معهد تشونجيانج للدراسات المالية بجامعة رنمين، إن الرحلة أظهرت تنامي نظرة بكين إلى مصر باعتبارها عنصرًا محوريًا في نظام إقليمي أكثر انتشارًا وتعددًا للمراكز.
ونشر وو تحليلًا عبر موقع المعهد، موضحًا أن تصاعد الغموض الأمني في الخليج يزيد أهمية طرق العبور والعمق الاستراتيجي، وأن زيارة شي للقاهرة تؤكد «القيمة الجغرافية التي لا يمكن تعويضها» لمصر، وتشير إلى تبني الصين «استراتيجية إقليمية أكثر توزيعًا وتعددًا للمراكز». ويُعد موقع «مشروع الصين والجنوب العالمي» مصدر هذا التقرير.
كانت مصر أول دولة عربية وإفريقية تعترف بجمهورية الصين الشعبية وتقيم علاقات دبلوماسية معها عام 1956، فيما ارتقى البلدان بعلاقاتهما إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية الشاملة عام 2014.
وتحتفظ الصين بموقع أكبر شريك تجاري لمصر للعام الرابع عشر على التوالي، إذ بلغ حجم التجارة الثنائية مستوى قياسيًا قدره 20.79 مليار دولار عام 2025. وقال رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي في أغسطس إن الاستثمارات الصينية في مصر تجاوزت 10 مليارات دولار.
ولا تزال مصر شريكًا أمنيًا رئيسيًا للولايات المتحدة، وتحصل على نحو 1.3 مليار دولار سنويًا في صورة مساعدات عسكرية أمريكية، لكن القاهرة وسعت بصورة متزايدة علاقاتها الدفاعية مع قوى أخرى. وقبل زيارة شي بفترة قصيرة، أطلقت الصين ومصر ثاني تدريبات جوية مشتركة ضمن مناورات «نسور الحضارة»، بمشاركة مقاتلات صينية من طراز J-16 إلى جانب مقاتلات رافال الفرنسية الصنع التابعة للقوات الجوية المصرية.
مصر.. ركيزة استراتيجية وسط اضطرابات الشرق الأوسط
خلال زيارة شي، أصدر البلدان بيانًا مشتركًا تعهدا فيه بمواصلة تعميق الشراكة الاستراتيجية الشاملة، كما وقعا أكثر من 20 اتفاقية تعاون شملت الذكاء الاصطناعي، والطاقة المتجددة، والمعادن الحيوية، ومقايضات العملات المحلية، وتوسعة المنطقة الاقتصادية لقناة السويس.
ودعا شي كذلك إلى إقامة بنية أمنية جديدة في الشرق الأوسط تقودها دول المنطقة، مؤكدًا أن شعوبها ينبغي أن تكون «سيدة شؤونها» وأن تتحرر من التدخلات الخارجية. وأضاف أن الصين مستعدة لـ«حماية أمن الممرات الملاحية الدولية، وتعزيز التعاون التنموي»، إلى جانب معالجة الأسباب الجذرية للصراعات الإقليمية.
ورأى وو أن زيارة شي تحمل عدة إشارات استراتيجية، أبرزها تعزيز الثقة المتبادلة في ظل الاضطرابات الدولية، إذ أكد البيان المشترك دعم البلدين للقضايا الأساسية لكل منهما. وجددت مصر التزامها بمبدأ الصين الواحدة، فيما أقرت بكين بأهمية نهر النيل بالنسبة إلى مصر، وأبدت دعمها لأمنها المائي والغذائي والتنموي.
كما أشار وو إلى تأييد الصين سياسة القاهرة القائمة على «التوازن الاستراتيجي»، معتبرًا أن التعاون بين البلدين يمنح مصر «مساحة أكبر للتنمية والاستقلالية الاستراتيجية».
من البنية التحتية إلى بناء القدرات الصناعية
وسّعت الاتفاقيات الجديدة نطاق التعاون الصيني المصري ليتجاوز مشروعات البنية التحتية إلى السيارات الكهربائية، وبناء السفن، والطاقة المتجددة، وتحلية المياه، والحوسبة السحابية، وأشباه الموصلات، وصناعة الطيران، والمعادن الحيوية.
ووصف وو هذا التحول بأنه انتقال من البنية التحتية إلى التصنيع المتقدم، ومن المشروعات الفردية إلى تنسيق سلاسل الصناعة، ومن التعاون في رأس المال والهندسة إلى دمج التكنولوجيا والمواهب والتمويل.
ويتمثل الهدف الأوسع في تعزيز القدرات التصنيعية والتصديرية لمصر وتحويلها إلى مركز يربط بين آسيا وإفريقيا وأوروبا.
وتعكس هذه الرؤية أيضًا أهمية مصر بالنسبة إلى بكين باعتبارها حلقة وصل بين عدة مناطق استراتيجية، خصوصًا في ظل اضطراب طرق التجارة العالمية وتزايد الحاجة إلى مسارات بديلة وآمنة لنقل السلع والطاقة.
قناة السويس ومحور أمني جديد للشرق الأوسط
زادت الحرب مع إيران والاضطرابات التي أصابت حركة الملاحة في مضيق هرمز من القيمة الاستراتيجية لقناة السويس، وخط أنابيب سوميد، والموانئ المصرية على البحرين الأحمر والمتوسط.
ويرى وو أن العالم العربي يتحرك تدريجيًا من نظام يتمحور حول الخليج إلى نظام «موزع ومتعدد المراكز»، مع بروز مصر باعتبارها أحد المراكز الرئيسية خارج منطقة الخليج.
واعتبر وو أن هذه الزيارة تعكس رؤية أوسع مفادها أن الدول النامية تستطيع الاستناد إلى تقاليدها الحضارية الخاصة في مساعيها نحو التحديث، بما يعزز الثقة الثقافية لدول الجنوب العالمي.
وبذلك، لا تنظر بكين إلى مصر باعتبارها شريكًا اقتصاديًا أو جغرافيًا فحسب، بل باعتبارها نقطة ارتكاز يمكن أن تساعد في بناء نظام إقليمي أكثر توزيعًا، وحماية طرق التجارة الدولية، وتعزيز استقلالية دول المنطقة في ظل التحولات الأمنية المتسارعة.
https://chinaglobalsouth.com/2026/09/07/xi-jinping-egypt-visit-middle-east-security/

